لابد من نظرة عاجلة على الحقبة التي بنيت بها وزارة الداخلية بالعراق والظروف المحيطة بها بعد عام 2003، حيث كان هناك اندفاع غير مدروس لإعادة بناء وزارة الداخلية في بيئة من العنف المتصاعد، وتحت ضغط القيود التي فرضتها المقاربة الأمريكية المختلة وظيفياً لبناء المؤسسات والناتجة عن الافتقار إلى المعرفة المحلية، وسرعة انضمام العناصر إلى هذه المؤسسات.

ومن جانب اخر هناك اجندة حاولت الأحزاب السياسية فرض الأشخاص المرتبطين بها تهدف بكسب الولاءات بالتعيين الاجمالي ممن يواليهم فكريا، وتأسست القوات على الكم، وليس على النوع، هذه العوامل مجتمعة جعلت من المؤسسات الأمنية غير كفؤة وصعبة التغيير، اضافة الى ان القادة العراقيون من جهتهم، فشلوا في معالجة الفوضى العارمة في القطاع الأمني.

وزارة الداخلية وما تمارسه من اختصاصات بحكم واجباتها بحكم قانونها النافذ (رقم 20 لسنة 2016) وقانون واجبات رجل الشرطة في مكافحة الجريمة (رقم 176 لسنة 1980) وتنص (تختص قوى الامن الداخلي بالمحافظة على النظام والامن الداخلي، ومنع ارتكاب الجرائم، وتعقيب مرتكبيها، والقبض عليهم، والقيام بالمراقبة المقتضاة لها، وحماية الانفس والاموال، وجمع المعلومات المتعلقة بأمن الدولة الداخلي وسياستها العامة، وضمان تنفيذ الواجبات التي تفرضها عليها القوانين والأنظمة).

ان افضل قياس لمعرفة الاداء الامني الحقيقي بالوزارة وقياس الإنتاجية للأمن في العراق هو مراجعة الحوادث المهمة الارهاب والقتل والاغتيال والخطف والمخدرات التي وقعت للأعوام من (2004 لغاية 2018) ومقارنتها مع ما مكتشف منها والاحكام الصادرة بحق الاشخاص المقبوض عليهم، وبالتالي يمكن قياس الاداء الامني المهني، وليس بالتصريحات التي كنا نشاهدها يوميا من قبل الناطقين الرسميين، نجد تزايدا ولا يوجد انحسارا للجريمة وعند مراجعة للوثائق الصادرة من الداخلية لم نجد مايشير الى اية دراسة ميدانية او نظرية مدونة لتحديد المشكلات التي تسبب في الميل إلى الانحراف والجريمة، او جدول سنوي يحاسب الادارات التي اخفقت بالأداء، او ندوة او اجتماع بشان الحد من الجريمة وقرارات مدونة وواجبة التنفيذ، هناك فقط قدرة بالثرثرة واللغو بالكلام، بعيدة كل البعد عن الاجراءات الامنية المتبعة في العالم، او في دول الجوار على الاقل، او حتى في اقليم كردستان، هذه العقلية التي تدير الامن بطريقة غريبة اصبحت صاحبة القرار، ومقربة من المسؤول الضعيف الذي يتم تخويفه والاستخفاف به، ولهذا اصبح العمل عشوائي بمنع الجريمة، في حين منع الجريمة علم ومهارات تكتسب بالممارسة والخبرة، وليس (بزيادة عدد الجنرالات ومنح رتب الكوترة).

عند تناول إصلاح مركز الشرطة يلزمنا الكثير من البحث المفصل والموضوعي والجريء في ذات الوقت، فالحديث عن إصلاح مركز الشرطة يقتضي النظر إلى العلة، ونتناولها هنا كعناوين عريضة ما هو إلا فاتحة ومدخل لذلك، من أين يبدأ الإصلاح؟ ليس هناك ترياق جاهز للإصلاح، وكما أن أسباب الخلل هي حصيلة تراكم فساد ومصالح اختلطت باجتهادات تكونت واستقرت عبر مراحل طويلة من الزمن، فقد يكون للإصلاح استحقاقاته ووقته، وبطبيعة الحال، هناك نقاط اساسية تضع نصب الاعين عند التفكير بالإصلاح مركز الشرطة:

مركز الشرطة هو ((البيت العراقي الأمن)) لكل العراقيين و الحجر الأساس في الكيان الشرطي، والطليعة الأولى من قوة الشرطة التي تتصل اتصالاً مباشراً بالمواطنين، وهو ركيزة من ركائز الأمن في المجتمع والخلية الفاعلة في أداء الواجبات الأمنية المطلوبة إن مركز الشرطة مسئولا عن أداء الواجبات، مركز الشرطة منذ العشرينات من القرن العشرين استمر على ما هو عليه حيث انه يعمل وفقا لاختصاصه (المحافظة على النظام والأمن الداخلي، ومنع ارتكاب الجرائم، وتعقيب مرتكبي الجرائم والقبض عليهم، حماية الأنفس والأموال من أي خطر يتهددها)، ولكن بعد عام 2003 مرت بمراحل وكالآتي:

1- قوات التحالف كان احد اهدافها اعادة تنظيم مراكز الشرطة وكان عددها في بغداد آنذاك 52 مركزا، وباشرت بإعادة تأهيل (البنى التحتية، والهيكل التنظيمي، وتدريب الكوادر الادارية،) وجعلت بغداد 9 قواطع، وكل مدير منطقة ترتبط به مباشرة (مراكز الشرطة وقاطع النجدة والدوريات وشرطة المرور والاستخبارات الجنائية) وكانت الخطى نحو اهداف بان تكون في كل منطقة الامن الشامل.

2- عام 2004و2005 كان اهتمام الوزارة بالتشكيلات القتالية (افواج الدفاع الوطني) اما ادارات مراكز الشرطة كانت تدار من قبل الشرطة العسكرية الامريكية.

3- عام 2007 عند تشكيل عمليات بغداد وبحجة وحدة القيادة، فبعثرت ادارات المراكز ووحدتها، واقحمت بتقييدات نتيجة ظروف العنف التي كانت سائدة.

4- عام 2008 بدء فكرة باتريوس بتشكيل (مركز امني) في كل منطقة وبلغ عددها في بغداد اربعون مركزا وتوحد جهود الامن والخدمات من هذا المكان.

5- عام 2009 توسعت التشكيلات واتسعت الاستحداثات لمركز الشرطة حيث (بلغت 92 مركز في بغداد) اي ضعفي ما كانت عليه في عام 2005 بدون دراسة وعشوائية.

6- عام 2010 التشكيلات بدأت تنشطر وتنعزل ولا تسودها مرجعية ففي مركز الشرطة (ادارة المركز، واستخبارات الداخلية، ومكافحة الاجرام، والشؤون الداخلية، ومكتب المعلومات، وجهاز الامن الوطني،) وكل يعمل وفق رويته بدون قيادة واحدة للمنطقة بدون جهة مرجعية تنسيقية.

7- واستمر الحال بالانشطار والتفرد بالمهام، لا سيما ان تفرد كل من هذه الأجهزة بعمله وابتعاده عن التنسيق مع الأجهزة الأخرى من شأنه أن يؤدي إلى ضياع الجهود أو تناقضها في بعض الأحيان، كان يكون تنسيق العمل المناطقي بمكافحة الجريمة بين دوريات النجدة والاستخبارات الجنائية والامن الوطني واية جهة، واصبحت الاجراءات ارتجالية لا تستند لأي اساس او دليل عمل واضح المعالم والعشوائية بالعمل هي السائدة بالأداء.

نستنتج من ذلك:

1- غياب الهيكلية السليمة للإدارة والتنظيم مما ادى الى ردائة الخدمة

2- التعددية بالتشكيلات الامنية المتواجدة بالرقعة الجغرافية للمركز وغياب التنسيق بينهما 3- البنية التحتية للمنشئات والادارة وتوزيع القوة لا تتناسب مع العصر والمرحلة (غير ملائم للعصر).

4- عدم الوضوح بالسياسات والإجراءات

5- فوضى بالأرشفة

6- غياب التأهيل المهني

وخلاصة القول:

لا يمكن لوزارة الداخلية ان تصلح نفسها بنفسها لم يحدث ذلك في اي مكان بالعالم كله، والاصح تكلف جهات وطنية ليس لها مصالح سوى المصلحة العليا للوطن بإجراء التغييرات، وان يبدا الاصلاح افقيا وعموديا وتكون الاولوية افقيا، وقد تراكمت الاخطاء الإجمالية بغياب الهيكلية المتماسكة التي تستند الى اي معيارية، واول عناصر الاصلاح هو الجهة الاشرافية عليه، اذا كانت الجهة المشرفة هي تعاني من الامراض وتحتاج الى اصلاح.

اذا كانت الحكومة جادة بالتطوير ومعالجة معضلاتها المقترح اصدار امر ديواني يتضمن تشكيل لجنة من (برئاسة وزارة التخطيط/التطوير الاداري، وعضوية واربعة ضباط شرطة متقاعدون ممن عملوا ضباط مراكز، واربعة ضباط مراكز بالخدمة حاليا احداهما من بغداد الكرخ والرصافة واثنان من المحافظات لاتقل خدمتهم خمس سنوات، ومدير تخطيط الوزارة، وضابط من وكالة شؤون الشرطة، وضابط من الوكالة الادارية، وضابط من استخبارات الداخلية)، مهام هذه اللجنة وضع الهياكل والمعايير والسياسات باستحداث لمركز شرطة نموذجي احداهما بالكرخ والاخر بالرصافة، ليكونا قدوة ووفق قيادات زمنية تستبدل المراكز تباعا، والاشراف التطويري على تنفيذه خلال ستة اشهر منعا لتسويفه من قبل المتضررين والمنتفعين.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0