الإجرام الدوائي هو مجمل الجرائم المتعلقة بالأدوية، بالمواد الخام لإنتاج الأدوية، والأجهزة والمعدات ذات الاستعمال الطبي وبمستحضرات التجميل، ومستحضرات ومكملات غذائية مزيفة، وإدخال هذه المواد إلى نظام التوزيع والتسويق التي تعرض صحة المواطن إلى الخطر.

وفقاً لتقارير صدرت من الإنتربول عام 2018، يتوفى أكثر من 1.2 مليون شخص في جميع أنحاء العالم سنوياً بسبب الأدوية المغشوشة، التي تعتبر تجارة مربحة للغاية، مما يجعلها أكثر جاذبية للشبكات الإجرامية، وتشير التقديرات إلى أن قيمة مبيعات الأدوية المغشوشة تصل إلى 85 مليار دولار أمريكي سنوياً، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 20% من الأدوية في السوق الدوائي مزيفة في دول العالم الثالث، في حين يعتقد أن 30-50٪ من الأدوية المستخدمة لعلاج الحالات الخطيرة مزيفة في بعض أنحاء العالم التي ليس لديها أنظمة رصد ومراقبة ضد الغش الدوائي.

تم اكتشاف هذه المنتجات المزيفة في معظم دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة، وأعلنت منظمة الصحة العالمية عن اكتشاف أكثر من 900 صنف مغشوش حول العالم خلال العام 2017، وما خفي أعظم بالطبع، لكن انتشار الدواء المغشوش في الدول المتقدمة نادر جدا، نظرا لوجود انظمة رقابية متطورة، وتوفر معظم الأدوية هناك بأسعار في متناول الجميع لارتفاع الدخل الفردي في تلك الدول وتوفر أنظمة تأمين صحي متقدمة للسكان.

الأدوية المغشوشة متاجرة بآلام الفقراء ولهذا اعتبرت حسب منظمة الصحة العالمية بانها جريمة منظمة، لكونها تستهدف عن عمد شريحة المرضى، وتعتبر الجريمة الأولى ضد المرضى في جميع بلدان العالم، خصوصا مصابي الأمراض المزمنة، والقلب والضعف الجنسي والسمنة، والأورام السرطانية.

في ظل المشاكل التي يعاني منها العراق اليوم، يبرز القطاع الصحي المنهار في العراق كأحد أبرز الملفات الشائكة التي تشكل خطرًا على صحة الشعب وحياتهم، حيث لا تنحصر مشاكل القطاع الصحي بالجزئية المتعلقة بتردي خدمات المستشفيات أو ضعف العناية والرقابة والإدارة، بل تتضاعف لتصبح مشكلة إدخال الأدوية المغشوشة أو المنتهية صلاحيتها إلى العراق مما أدى لخسائر بشرية فادحة في العراق.

انتشرت هذه النوع من الجرائم بالعراق في ظل الفساد المتفشي، وسطوة نفوذ مراكز قوى حزبية، مستغلين غياب الرقابة والفوضى الإدارية، وإغلاق مصانع الأدوية التي كانت تغطي أغلب إحتياجات المستشفيات والصيدليات بسبب الفساد واخواتها، فاتجهوا إلى عمليات تهريب أدوية غير مرخصة داخل منافذ الحدود، وأصبحت هناك مافيات مختصة بالإجرام الدوائي من ساسة الى سماسرة ومكاتب ومذاخر وصيادلة وأطباء وكمركيون.

والسبب الاساسي نفتقر الى وجود اجهزه وطنية كفؤة ومدربة قادرة على الوصول إلى منع وكشف هذه الجرائم لافتقارها للمهارات في التحقيق بجريمة الأدوية، تكنولوجيا المعلومات والتتبع، جمع الأدلة، إعداد دعوى قضائية تخص الدواء.

وعلى ضوء تزايد الإجرام الدوائي وخطورته الآخذة بالتزايد على صحة المواطن، لقد اصبح هناك ضرورة ملحة استحداث إدارة (مكافحة الجرائم الدوائية) استحداث هذه الدائرة تجعل العراق ملتزمة بمحاربة الظاهرة دولياً والتي تنظمها منظمة الصحة العالمية WHO، وانضمامه إلى قائمة الدول التي تعمل فيها وحدات مشابهة، يتيح محاربة هذا النوع من الإجرام بشكل أكثر نجاعة سواء في أو على الصعيد الدولي، مع توفيره فرصة لتحسين مكانة، علاقاتها وصورتها على المستوى الدولي.

مهامها محاربة استحواذ المافيات على المساعدات الدولية التي تصل الى العراق، محاربة استيراد الأدوية المزيفة إنتاجها تصديرها والاتجار بها، محاربة ظاهرة استعمال أدوية ومركبات كيميائية لإنتاج مخدرات خطيرة، استعمال أدوية مزيفة بخلاف الهدف الأصلي للدواء، الكشف عن الادوية المنتهية الصلاحية، تقديم المشورة والرأي بالنسبة لخطورة المواد التي يتم ضبطها من قبل مختلف جهات تطبيق القانون.

تتمثل نشاطات هذه الدائرة نشاط مشترك مع جهات تطبيق القانون المختلفة: وزارة الصحة وامن وطني ومخابرات والشرطة والجمارك ونقابة الصيادلة وغيرها من مراكز دراسات ومراكز بحثية والذي يشمل أعمال تفتيش، مداهمات وضبط لمواد مشبوهة في مصالح تجارية تعمل في مجال تسويق، توزيع وبيع أدوية ومكملات غذائية مزيفة، جمع معلومات عن مستحضرات مزيفة مهربة ومسروقة وأخرى يتم عرضها على الجمهور بشكل كاذب، نشاط استخباراتي لاكتشاف عمليات تهريب وسرقة لمستحضرات طبية وتسويق مواد خطيرة، تقديم الإرشاد لمنظمات عامة ولجهات أكاديمية بالنسبة للأخطار التي تلحق بالمواطن نتيجة الإجرام الدوائي، تقديم المشورة المهنية والرأي لجهات تطبيق القانون في البلاد بموضوع المخدرات والمستحضرات الطبية المحظورة.

الخلاصة

لكي نكون مع الركب العالمي بمحاربة هذه الظواهر وطنيا، لو توفرت النية الحسنة لدى الحكومة ان تتخذ الحكومة الخطوات التالية :

1- اصدار امر ديواني باستحداث (إدارة مكافحة الجرائم الدوائية) ترتبط بجهاز الامن الوطني لكون مهام الجهاز الحالية لم توضح بقانون، وغير واضحة المهام ولوفرة العناصر المتفرغة، وإقامة شراكة بين قطاعات العمل المتشابهة والمشتركة، وتتألف من مجلس تنسيقي كما موضح آنفا من مختلف الوزارات المعنية، وتتخذ القرارات التنفيذية بشكل جماعي وليس فردي خشية من فساد بعض الفئات.

2- يتم تأهيل هذه الادارة وعناصرها بالمعهد العالي للتطوير الأمني والإداري بوزارة الداخلية عن كيفية التحقيق بجريمة الأدوية، والتتبع للنشاطات الاجرامية الدوائية بتكنولوجيا المعلومات، وجمع الأدلة، وإعداد دعوى قضائية تخص الدواء.

3- تشجيع المراكز البحثية بتقديم دراسات ميدانية عن حجم المشكلة بالمدن العراقية، وتحديد الظواهر المرتبطة بهذه الجرائم ومسارات تهريب الادوية ومناشئها الى غير ذلك من الامور الفنية والجنائية والقانونية وان تكون نقابة الصيادلة شريكا.

4- يتخذ مجلس القضاء الأعلى بتحديد قاضي مختص بكل منطقة استئنافية للنظر بالجرائم الدوائية.

5- عدم وجود نظام صحي معلوماتي (حكومة الكترونية لوزارة الصحة والبيئة) أدى لوجود ثغرات مهمة بعدم توفر قاعدة بيانات عن كافة الادوية التي تم استيرادها او الادوية المنتجة محليا وان تكون متاحة لكل الصيدليات، وهذه من مهام وزارة الصحة.

6- احياء مشروع هيئة الغذاء والدواء العراقية المعطل منذ عام 2007 مما أدى غياب الاستراتيجية الوطنية للسلامة الدوائية، وهذه مهام مجلس النواب.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4