يعد الفساد الإداري والمالي ظاهرة عالمية تشمل مختلف البلدان، إذ لا يوجد مجتمع خالٍ تماماً من الفساد ولا توجد حكومة نظيفة من الفساد في كل دول العالم، لكن الإختلاف يكمن في مستوى الفساد من مجتمع إلى آخر، فالفساد هو جزء من الطبيعة البشرية، فجذور الخير والشر موجودة في الإنسان وقد تتغلب نوازع الخير في البعض فيما تتغلب نوازع الشر عند البعض الآخر.

ولابد من القول، بإن ظاهرة الفساد ليست وليدة اليوم بل أنها موجودة منذ وجود الإنسان، لكنها تتزايد وتتسع بشكل خاص في ظل الحروب وتدهور الحالة الاقتصادية والمعيشية وكذلك في ظل الصراعات التي تحصل في المجتمعات.

ويعد الفساد بمختلف مسمياته ظاهرة خطيرة أصابت الجهاز الإداري والمالي والسياسي في العراق منذ نشأة الدولة العراقية، وازدادت خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب الحروب والحصار الاقتصادي وغيرها من الأسباب التي جعلت من الفساد بكل أشكاله ظاهرة طبيعية ينظر إليها على أنها ممارسات شبه مشروعة لاسيما عندما عجزت الدولة عن مواجهة المشكلات الاقتصادية، حتى بدأ الفساد ينتشر في مؤسسات الدولة كافة.

إن اتساع ظاهرة الفساد بمعنى وجود هدر للموارد، ومن ثم عدم تحقق الغايات التنموية التي تعد أحد التحديات الرئيسة التي واجهت عملية الإنتقال في العراق، وإن استشراء ظاهرة الفساد يعد واحداً من التحديات التي تهدد مسيرة التنمية في العراق، فقضايا الفساد الإدارية والمالية خلال السنوات التي أعقبت العام 2003، يبين مدى توسع هذه الظاهرة في مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية كافة، فمن خلال الفساد يتم هدر وتبذير معظم موارد البلد مما يهدد عملية الاستقرار الاقتصادي فيه.

ومن أهم مظاهر الفساد هو الفساد السياسي الذي يتمثل في الاستبداد السياسي بمعنى الاستيلاء على السلطة والاستئثار بها، ومنع مداولتها وإساءة استغلالها والتوصية أو إعطاء المناصب إلى (الابن، الأخ.. الخ) أو من يختاره المستبد، أي مصادرة حق الأمة في أن تختار من يحكمها أو من يتقلد المناصب وحسب كفاءة الشخص، وعدم الأخذ بنظر الاعتبار الكفاءات في شغل المناصب.

إلى جانب ذلك فإن الفساد الإداري والمالي شكل تحدياً آخر للعملية التنموية في العراق، إذ احتل العراق المرتبة (171) في مؤشر مدركات الفساد الخاص بمنظمة الشفافية العالمية، وطبقاً للتقرير السنوي لعام 2014 لمنظمة الشفافية العالمية فإن العراق جاء في مراكز متأخرة لأكثر الدول نزاهة من بين الدول المشمولة في مؤشر المنظمة، تلته جنوب السودان وأفغانستان والسودان وكوريا الشمالية والصومال، وبين التقرير أن هذه النتائج تظهر بأن البلدان الأكثر فساداً هي المصابة بالنزاعات السياسية على المدى الطويل التي مزقت البنية التحتية للحكم، ويشير إلى تفسخ منظومة القیم الاجتماعية وضعف المبادئ والقیم الأخلاقية العليا، وأن انتشاره یؤدي إلى الإحباط وانتشار اللامبالاة بين أفراد المجتمع وبروز التطرف في الآراء وعدم تكافؤ الفرص، ويؤدي إلى سوء توزيع الدخل والثروات واستغلال أصحاب السلطة والنفوذ لمواقعهم ومناصبهم المميزة في المجتمع والدولة، الأمر الذي يكرس التفاوت الاجتماعي وتراجع العدالة الاجتماعية وتدني المستوى المعاشي لأغلبية أفراد المجتمع.

ومن أبرز مظاهر وأساليب الفساد الإداري والمالي في العراق:

- المحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية وعدم الأخذ بنظر الاعتبار إلى معايير الكفاءة والتخصص والإستقلالية، وذلك نتيجة طبيعة لأسلوب التعيين والتصعيد والإختيار في توزيع الوظائف والمناصب، معتمدة بذلك على المعايير القومية والمذهبية والحزبية، وقد امتدت هذه الظاهرة لتشمل المناصب العليا في الدولة ودخلت في زاوية المحاصصة.

- منح القروض والتسهيلات المصرفية والإدارية قدر تعلق الأمر بالأموال للمقربين والمتنفذين في مؤسسات الدولة دون تقديم ضمانات أو إجراءات مالية صحيحة، وهي تعرف بالعامية (قروض المجاملة).

- التلاعب في العقود والمناقصات والمشاريع الاستثمارية والعمل على بيعها بنظام النسب التي تضمن حصول المقاول (أ) على مشروع (بناء، تبليط.. الخ) وبيعه إلى مقاول (ب) وقيام مقاول (ب) ببيعها إلى مقاول (ج) حتى يحصل على سلف تشغيلية دون القيام بأعمال المشروع.

- التهرب الضريبي أو السكوت عنه من قبل الراشي والمرتشي ومجموعات الأثراء السريع، وتبذير المال العام والاستهانة بسلامة الموجودات الخاصة بمؤسسات الدولة من آليات ومركبات وأجهزة فنية ومعدات وأثاث وغيرها، والأثراء غير المشروع بشكل يتجاوز مجرد الحصول على رشوة، بحيث أصبح هناك استجابة كاملة للمال العام والوقت العام والموجودات العامة دون أي ردع.

- الإفلات من المسؤولية والمساءلة القانونية -إن وجدت- ففي الحالات القليلة التي قامت فيها المحاكم بإصدار إدانات واضحة بناءاً على اعترافات موثقة من المدنيين فإن بعض الجهات الحكومية أو الحزبية عادة ما تتدخل لمنع تنفيذ أو إشهار أو لتخفيف أو حتى إلغاء تلك العقوبات المستحقة بالكامل، والعمل على تهريبهم خارج البلاد.

ولا شك فإن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب، فتهدد الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات، ومن ثم تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب مزيدا من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فقط بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة اليومية المباشرة مع حياة الناس.

وعليه، وفي إطار مواجهة تلك التحديات الكبيرة والمتمثلة بأتساع ظاهرة الفساد في كافة مفاصل الدولة، تقع على عاتق الحكومة العراقية القادمة مسؤوليات كبيرة من أجل القضاء على هذا الخطر الذي لا يقل خطورة عن الإرهاب، مما يستلزم ضرورة وضع إستراتيجية شاملة لمرحلة تتضمن وضع حلول سياسية واقتصادية واجتماعية لمعالجة الإرهاصات والتوابع السياسية والمجتمعية التي أفرزتها تلك الظاهرة، والبحث في الأسباب الرئيسة التي دفعت إلى تفشي هذا المرض المخيف، إذ تشكل مسألة القضاء على الفساد المالي والإداري واحدة من الصعوبات التي تواجه عمل الدولة، نتيجة توطن الفساد في مختلف مؤسسات الدولة العراقية (السياسية، الاقتصادية، العسكرية) منذ عام 2003، وتحوله أشبه بالمافيات الإدارية والمالية التي تعرض منتقدها أو من يتصدى لها إلى التصفية الجسدية.

لذلك تقع على الحكومة القادمة مهمة تشكيل هيئة رقابية عليا لمكافحة الفساد الإداري والمالي تكون مخولة بالصلاحيات كافة وتوفر لها الحماية الكافية. وذلك من خلال:

1- تعزيز قدرات الهيئة الوطنية للنزاهة وديوان الرقابة المالية.

2- تطبيق المعايير المحاسبية والتدقيقية وتفعيل دور المراقبة الداخلية واستقلاليتها وتبني سياسة الحد من الفساد قبل وقوعه، واعتماد قواعد وضوابط سلوك أداء الموظفين الحكوميين، ورفع مستواهم المعاشي.

3- التطبيق الجاد لقانون الفصل العام والكشف عن الأرصدة.

4- اعتماد حملة توعية وطنية شاملة حول مكافحة الفساد وإبرازه كونه حالة سلبية وخطرة على حاضر ومستقبل أبناء المجتمع ليس فقط لكونه مخلاً بالسمعة وحسن السلوك وأن القانون يعاقب مرتكبيه، وإنما مرفوض حقاً وشرعاً، ويعتبر فضح مرتكبي الفساد والغش من الوسائل المهمة لمكافحته.

5- تفعيل دور وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في الرقابة.

فالفساد الإداري والمالي يشكل الخطر الأكبر والمناخ الملائم في إستدامة الإرهاب وتناميه فهو من أكبر التحديات والمخاطر التي تواجه الدولة العراقية وتجعلها هدفاً سهلاً للإرهاب وغاياته وعامل إعاقة حقيقي لإنقاذ القانون وتعطيل مشاريع التنمية الشاملة في كافة المجالات وهدر الثروة الوطنية وإستنزافها، كما أنه يضر بسمعة العراق الدولية ومكانته، لذا يعد من المخاطر الحقيقة والفاعلة التي تعيق تحقيق مفهوم الأمن الوطني في العراق، مما يتطلب تكاتف الجهود وتسخير كافة الآليات والوسائل الكفيلة بمواجهته والقضاء عليه وتحجيمه في أضيق الحدود وبما يحقق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمجتمعي في البلد.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2018Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0