إن الظروف التي شهدها العراق ما بعد التاسع من نيسان 2003 وترسبات الاستبداد السياسي للأنظمة السابقة جعلت المجتمع العراقي في مواجهة تحديات وإشكالات عديدة سياسية، اقتصادية، وأمنية، واجتماعية فرضت نفسها على الواقع العراقي وعلى مدى استقرار المجتمع، ومن ثم على إمكانية بناء الدولة العراقية على أسس جديدة، ولعل أهم تلك الإشكالات التي شكلت كابحاً أمام بناء الدولة بمؤسساتها كافة هي الإشكالات الاجتماعية، إنطلاقاً من أن تحقيق البناء الإنساني والاجتماعي للفرد يُعد حجر الزاوية في تأسيس أركان الدولة الحديثة إلى جانب الأبعاد الأخرى.

وإنطلاقاً من أن إخفاء المرض لا يشعر المرء بالطمأنينة على صحته ولا يعيد له العافية، كما أن التغلب على العدو يحتاج إلى تشخيص لنقاط ضعفنا والتخلص من بعض النزعات العنصرية إزاء الآخر في داخلنا، وقراءة واقعنا موضوعياً بروح النقد والنقد الذاتي، يمكن تشخيص أهم الإشكالات الاجتماعية التي تشكل عائقاً أمام بناء دولة عصرية في العراق وهي:

1- الإشكالية الطائفية والولاءات الفرعية:

إن النظر إلى المجتمع العراقي يؤشر لنا الطبيعة الفسيفسائية المتضمنة للتعدد العرقي والتنوع المذهبي والاختلاف الديني، هذا التنوع الذي غالباً ما يجعل الدولة أمام فكرة الصراع والانقسامات الدائمة لا سيما إذا ما توفرت بيئة حاضنة أو شرارة للنزاع، مما يجعلنا أمام حالة اللاستقرار في الدولة. ولعل هذا التعدد في بعده الطائفي دفع إلى تحويل الطائفية الموجودة في المجتمع إلى خطر حقيقي يهدد التجانس الاجتماعي وكيان الدولة ككل، والسبب يعود في تعميق تلك الظاهرة إلى التنشئة السياسية الخاطئة التي مارستها السلطة السياسية ما بعد عام 2003، والتي بنيت على أسس طائفية ودينية وعرقية متناسية وحدة العراق الوطنية، إذ وجدت الأطراف المكونة للعملية السياسية في ترسيخ الانقسامات المجتمعية والطائفية مصلحة جوهرية لها وذلك من خلال علاقة الطائفية السياسية بالسلطة والثروة والنفوذ، على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

2- غياب الشعور بالمواطنة:

إن تقسيمات البيئة الاجتماعية والتعدد الذي يتسم به المجتمع العراقي نقلت الولاء من الدولة إلى الولاءات الفرعية بحسب الإنتماء العرقي أو الطائفي أو المناطقي، ومن ثم تجاهلت المفهوم الوطني العراقي، الأمر الذي أضعف الشعور بالهوية العراقية وبالمواطنة العراقية، ولعل ما عمق من هذه الحالة هو فشل الخطاب السياسي العراقي بعد عام 2003 في إيجاد روابط مشتركة تعيد اللحمة الوطنية وتدفع بالمواطنة إلى الأمام، بل على العكس نراه عمق من الأزمة لأنه لم يستند إلى خطاب جامع واحد يصهر كل خصوصيات المجتمع العراقي وانتماءاتهم تحت الهوية الوطنية العراقية.

فالواقع يؤشر على أن هناك من روج للهوية الإسلامية كما هو حال الأحزاب الدينية، وهناك من روج لمفهوم الأمة العراقية، وهناك من روج للعلمانية، وهناك من روج للهوية العربية وآخرون يتمسكون بالهوية الكُردية، ومن ثم أسهم هذا الارتباك والتخبط في الخطاب السياسي لمعظم القوى والتيارات السياسية بجعل المواطن العراقي لا يشعر بهويته الوطنية ومواطنته لأنه يراها أما عينيه ضعيفة بفعل سيادة الولاء الحزبي الفئوي على الولاء الوطني.

ولا شك فإن هذا الواقع الاجتماعي العراقي قد سُيس في بعض جوانبه ولم يعد يأخذ بعداً خالصاً متعلقاً بكون الاختلاف مدعاة لقوة الدولة بقدر ما أصبح الاختلاف أحد عوامل عدم الاستقرار المجتمعي، وأن هذه الأسباب تلاقت مع العوامل السياسية والاقتصادية وكونت سلسلة من القهر والحرمان جعلت المواطن العراقي يلتف حول تقسيماته الطائفية والعشائرية والقومية، الأمر الذي خلق حالة من عدم الاستقرار وإضعاف مرتكزات بناء الدولة العراقية.

3- التكوينات القبلية والعشائرية:

إن أحد أهم الإشكالات الاجتماعية المؤثرة في بناء الدولة في العراق هو تنامي دور العشائر، مما يؤثر في عملية التطور السياسي والديمقراطي إذا لم يوظف بشكله الصحيح، فضلاً عن تأثيره في البناء الحقيقي للمجتمع المتحضر إذ أنها تستقطب الولاءات الأعلى لقطاعات من المواطنين مما يؤثر سلباً على الولاء للدولة ذاتها سيما بعد التشويه الذي أصاب مفهوم الدولة من ناحية التفكك البنيوي لأجهزتها ومؤسساتها، كما أن تمدد نفوذها في داخل الأحزاب السياسية نفسها سوف يضعف قدرتها على استقطاب المواطنين استناداً إلى أطر فكرية وبرامج سياسية وطنية عابرة للحدود العرقية والطائفية والدينية، كما أنه يلغي بتأثيراته على العملية الانتخابية فتصبح في جانب منها محكومة بالتوازنات القبلية والعشائرية.

4- غياب الترابط الاجتماعي:

نظراً للشرخ الكبير الذي تعرض له المجتمع العراقي بسبب تغليب العلاقات الطائفية والقومية والقبلية والفئوية في مختلف المجالات، ومن ثم توصل المواطن العراقي إلى قناعة أن الدولة منسلخة تماماً عن المجتمع ولا تعبر إلا عن مصالح فئوية ضيقة، فضلاً عن إضطراب القيم الأسرية في التنشئة من خلال التأثير السلبي للعولمة والفضائيات، مما يؤدي إلى إضعاف البناء الأخلاقي للأسرة العراقية وهو ما يدفع نحو إنتشار ممارسات سلبية وخاطئة كالفساد والسرقة والرشوة وغيرها، لها تداعياتها السلبية على استقرار المجتمع والدولة بمؤسساتها المختلفة.

5- فقدان ثقة الأفراد بالدولة ومؤسساتها الإدارية والوظيفية:

مما يعني أساساً زعزعة ثقة الفرد العراقي بمجتمعه ككل وتغيير نظرته له، ومن ثم التشكيك بمدى قدرة الدولة على تحقيق تطلعاته وأهدافه في الحياة، ولعل ما عمق من أزمة عدم الثقة تلك هو طبيعة الأزمات المجتمعية التي يعيشها المواطن العراقي والتي انعكست بشكل جذري على حياته اليومية وأصبغتها بسماتها السلبية، وقد ساهمت تلك الأزمات في إعاقة تطور الفرد العراقي وحددت الفرص أمامه نحو تقدمه ونموه وحولته في بعض الأحيان إلى شخص غريب في وطنه وفاقداً لأبسط أساسيات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة والحقوق.

فالسياسات الاقتصادية الفاشلة وعدم القدرة على التوظيف والتشغيل وعدم القابلية على الاستجابة لمطالب المواطنين، بالتأكيد سيدفع نحو المزيد من عدم الثقة والخروج والتظاهر أو اللجوء إلى أعمال العنف أو الشغب ضد النظام السياسي، وقد يصيبه بالإحباط ويؤدي ذلك إلى كراهية المجتمع, ومن ثم الانحراف في سلوكه والانضمام للجماعات الإرهابية، ومن ثم يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي اللذان يدفعان بدورهما إلى عدم الاستقرار الاجتماعي ومن ثم الحيلولة دون بناء أسس ومرتكزات الدولة العراقية وتهديد كيانها ككل.

6- غياب الاستقرار الاجتماعي:

أحد أهم ركائز بناء الدولة، إذ يشير إلى حالة الهدوء والسكينة التي تنتاب المجتمع وتجعله قادراً على تحقيق طموحاته وأهدافه نتيجة للحالة السلمية التي يمر بها بفضل التوازن الاجتماعي بين القوى والأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية والدينية في المجتمع، ولا شك فإن الاستقرار الاجتماعي في المجتمع لا يمكن أن يتحقق بصورته الكاملة من غير سيادة روح التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع، وعادة ما يعبر عن درجة التماسك الاجتماعي من خلال درجة الترابط بين فئات المجتمع، إذ أن قوة الجذب والترابط تجعل من أعضاء المجتمع في حالة من التفاعل الذي يؤدي إلى سلسلة من العلاقات الاجتماعية التي تدعم المجتمع وتحافظ على تماسكه ومن ثم تساهم في بناء ركن مهم من أركان الدولة وهو التلاحم والاندماج الاجتماعي.

وهناك عدد من الأزمات والمعوقات التي أسهمت في تكريس حالة عدم الاستقرار الاجتماعي في المجتمع العراقي، لعل أهمها:

أ‌- أزمة الهوية:

تعد أزمة الهوية عاملاً حاسماً في عملية بناء الدولة واستقرارها لا سيما في المجتمعات التي تتكون من جماعات عرقية أو دينية أو ثقافية، والعراق كأحد هذه الدول لم يصل إلى مستوى دمج هذه الانتماءات الفرعية من أجل الوصول إلى هوية مشتركة وعامة تأخذ مصالح هذه الجماعات بانتماءاتها الثقافية والعرقية والدينية، علماً أن هذا الدمج لا يعني إزالة أو تهميش الانتماءات الفرعية بقدر ما يعني عدم التعارض بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية الشاملة للجميع.

ب‌- أزمة التغلغل:

وتتمثل في ضعف الدولة العراقية في إرساء دور مؤسساتها الإدارية والوظيفية لتقديم خدماتها إلى أفراد المجتمع، وعدم القيام بإصلاحات وإنجازات عبر تلك المؤسسات في سبيل تحقيق واقع اجتماعي أفضل عبر تقديم الخدمات العامة والاهتمام بشؤون المواطن وتأمين الرعاية الكاملة له، وتوفير متطلباته الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع. إذ أن من شأن تحقيق ذلك أن يؤدي إلى إيجاد نوع من التضامن والتماسك بين أفراد المجتمع، ويشعر المواطنين بأن الدولة تعمل لصالحهم وتشعر بحاجاتهم الأساسية مما يولد علاقة إيجابية بين الفرد والدولة، ومن ثم بناء أهم أركان الدولة وهو الإنسان كونه العامل المؤثر في تحديد طبيعة أو مسار الإمكانيات التي يمثلها صانع القرار السياسي، والتي تعطيه مصدر قوة أكبر سواء كان ذلك في تطبيق سياسته الداخلية أو الخارجية.

ولا شك فأن الواقع العراقي يؤشر حالة من التراجع في العلاقة بين الفرد والدولة، ولا يمتلك مؤسسات ذات طبيعة تركيبية ووظيفية مرنة ومنسجمة قادرة على تقديم خدمات تلبي حاجات اجتماعية وإنسانية عامة، بل نجد أغلب المدن تأخذ أبعاد طبقية خصوصية في عملية تأهيلها، إذ تتمتع بعضها بخدمات عالية الجودة من حيث التصميم والإنارة وخدمات الطرق والأسواق، فيما نجد هناك العديد من المناطق تشكو البؤس والإهمال ولا تتوفر فيها أبسط أنواع الخدمات من طرق ومياه الصرف الصحي وغيرها، إلى جانب إنتشار العشوائيات والبيوت القديمة مما ينعكس سلباً على حياة المواطنين الذين يعبرون عن ذلك بتحدي الدولة بالقيام بالتظاهرات والعصيان وتحدي النظام العام، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي وتعريض كيان الدولة إلى الخطر، فضلاً عن أن هذه الهشاشة في الجوانب الاجتماعية ساهمت في ظهور مجتمع مهزوز اجتماعياً غير آمن وغير مستقر نفسياً واجتماعياً، مما يجعله أمام حالة أشبه بالفوضى وتأثر قيمه وبنيته الاجتماعية بمختلف أشكالها إلى الضعف والتفكك.

ج- أزمة التوزيع:

وتتمثل في عدم قدرة السلطة السياسية على خلق قناعة لدى الفرد العراقي بأن الثروات الوطنية بجميع أشكالها لا تعود لفئة أو جزء من المجتمع وإنما تعود لجميع أفراد المجتمع، وهو ما يتجسد في عدم تحقيق الاستقرار بالقدرة التوزيعية أي القدرة على توزيع الموارد (السلع والخدمات والوظائف) على الأفراد والجماعات بشكل يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية بصورة متساوية، وهنا نجد أن علاقة الأزمة التوزيعية بالاستقرار الاجتماعي تأتي من خلال قيام الدولة في القضاء على التفاوت الطبقي وتحقيق العدالة التوزيعية للثروات بين أفراد المجتمع، إذ أن عدم تحقيق ذلك من شأنه أن يترتب عليه آثار نفسية واجتماعية وتبرز من خلالها صراعات طبقية من شأنها أن تهدد عملية الاستقرار في المجتمع، ومن ثم تضعف إمكانات الدولة في بناء ذاتها، وهذا يتجسد من خلال عدد من المظاهر منها:

-ضعف الاندماج ما بين الفئات الاجتماعية التي يضمها المجتمع من خلال هيمنة بعض الفئات التي تستأثر بالقوة الاقتصادية أو النفوذ السياسي مما يؤدي إلى سطوتها على فئات اجتماعية أخرى، مما يؤدي إلى نوع من أنواع الصراع الطبقي الذي ينعكس على استقرار الدولة.

-إنهيار النظم والقيم والقوانين الاجتماعية واضطراب الترتيب الاجتماعي وحدوث التغيير غير المستقر والذي يحدد المكانة الاجتماعية التي يحتلها الفرد على أسس اقتصادية أو قرابية أو طائفية لا علاقة لها بشرط الكفاءة أو الجهد المبذول مما يبرز حالة من التمايز بين أفراد المجتمع تؤدي إلى الصراعات وتهدد عملية التماسك الاجتماعي والولاء الوطني وتعرض الاستقرار بصورة عامة إلى التصدع والتمزق.

-ضعف عملية الإبداع الذاتي والحافز للعمل والمسؤولية بين أفراد المجتمع من خلال مساواة الإنسان المبدع مع غيره الذي لا يمتلك الموهبة والإبداع سواء في المكانة الاجتماعية أو الأجور أو الدخل، إذ من شأن ذلك أن يؤدي إلى عدم اندفاع الفرد الذاتي للعمل والتضحية في سبيل وطنه، فضلاً عن هجرة الكفاءات العلمية إلى خارج الوطن مما يضيع على المجتمع جهود علمية ووطنية.

إن طبيعة الظروف والتحديات التي تواجه الدولة العراقية تتطلب من المؤسسة السياسية ضرورة إجراء دراسة علمية واقعية وموضوعية للظروف والإشكالات الاجتماعية التي ساهمت في تفشي تلك الظواهر السلبية والطارئة على مجتمعنا والتعرف على أسبابها وسبل مواجهتها والآليات الناجعة للقضاء عليها في المجتمع، بهدف إعادة بناء النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية وإشاعة مبدأ التعايش السلمي بين الأفراد، من خلال التأكيد على سيادة قيم الاعتدال والوسطية كونها لغة العصر التي يجب أن تسود، وتغليب مفهوم الحوار والتسامح والتقارب في العلاقات واحترام الرأي والرأي الآخر، والإبتعاد عن الخطابات الطائفية المجزئة للنسيج الاجتماعي، فضلاً عن تشكيل هوية وطنية موحدة تضم كافة أفراد المجتمع العراقي، والعمل على محاربة التشتت في الولاءات أو الولاء للهويات الفرعية تحقيقاً لوحدة المجتمع والعمل على صيانة استقراره، وهو الأساس في بناء الدولة في العراق على أسس حضارية وإنسانية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8