إن فشل السياسات الحكومية المركزية ولاسيما في الدول النامية التي تبنت منهج المركزية كإسلوب في إدارة شؤون البلاد، من أجل تحقيق تنمية إقتصادية شاملة لمجتمعاتهم، أدى إلى المطالبة باللامركزية كإسلوب للإدارة، بهدف تحقيق عملية التنمية من خلال تهيئة الحاجات الأساسية للأقاليم والمحافظات، كالتعليم، والصحة، والمياه، والكهرباء.

فالحكومات المركزية، وبسبب سياساتها التنموية غير العادلة جعلت السكان في المجتمعات المحلية غير راضية عن عملها، مما شجعها على المطالبة باللامركزية، فضلاً عن التطور الذي شهده العالم في القرن الحالي، والمتمثل بظهور مفاهيم العولمة، واللامركزية، والتنمية المحلية عززت من خيارات تبني اللامركزية، والحد من نفوذ الإدارات التقليدية، وسلطة تركيز القرارات بأيدي السلطات الحاكمة المركزية، ولا سيما في البلدان التي تشهد تنوعاً دينياً وعرقياً وأثنياً.

وفي هذا الاتجاه، ذهب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن إدارة الحكم الرشيد تتطلب مشاركة الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، فمن دون المشاركة من أدنى إلى أعلى لن تتمكن أجهزة الحكم المحلي من هيكلة أو إدارة الخدمات العامة وتحقيق التنمية المحلية وكلما صغر النطاق الجغرافي للمجتمع، زادت قدرة الناس على المشاركة الفعالة في نسق للحكم الرشيد وقل احتمال إهمال (الأطراف) نتيجة لسيطرة (المركز) على المجتمع كله، وهي من آفات الحكم في البلدان النامية.

وعليه، فإن اللامركزية الإدارية بما تمنحه من صلاحيات أوسع للهيئات المحلية تمثل إطاراً ملائماً لإشراك المجتمعات المحلية في تخطيط وتنفيذ ومتابعة تنميتها الذاتية، ولعل مساهمة اللامركزية في تحقيق التنمية المحلية تتمثل في كونها تساعد على الحد من البيروقراطية الإدارية وتسريع وتسهيل عملية صنع القرار الإداري والتنموي، مما يساهم في إيجاد توزيع عادل نسبياً لسلطة صنع القرار والاستثمارات والموارد داخل الدولة، فضلاً عن تخفيف العبء الإداري والتنموي عن مؤسسات وهيئات الحكومة المركزية، إذ تخلصها من العديد من المهمات والصلاحيات بإسنادها إلى هيئات إقليمية ومحلية، وهذا الوضع يُمكن هيئات التخطيط المركزية من أخذ الوقت الكافي في الإشراف بشكل فعلي وعملي على متابعة خطط التنمية المختلفة.

وفي ضوء ما تقدم، فإن اللامركزية الإدارية كونها فعل تقوم الحكومة عبره بنقل السلطة والمسؤولية رسمياً إلى فاعلين ومؤسسات على مستوى أدنى في تراتبية سياسية وإدارية ومناطقية، يؤشر لنا بأن هنالك علاقة وطيدة بين تطبيق اللامركزية بأبعادها بما فيها اللامركزية السياسية، وعملية تحقيق التنمية الاقتصادية.

فالتنمية الاقتصادية أصبحت في ضوء تطورات القرن الحادي والعشرين لا تتم على المستوى الكلي للدولة، وإنّما على المستوى المحلي الجزئي، وكمثال على التطبيق الحقيقي للامركزية هو الذي تجسد في التجربة الماليزية لما حققته هذه التجربة من نجاحات كبيرة على صعيد التنمية البشرية، والقضاء على البطالة والفقر، بعدما كانت تعاني منه لسنوات طويلة، ومما ساعد على نجاح تلك التجربة هو طبيعة نظامها السياسي القائم على التعددية، والديمقراطية، ومشاركة الآخرين، ومن ثم فإن التطبيق الناجح للامركزية جعلها من البلدان حديثة التصنيع، واستطاع معها تحقيق تنمية اقتصادية محلية لكل أقاليم البلد، وأيضاً القضاء على النعرات العرقية، والاثنية التي كانت حاجزاً لتحقيق التنمية الاقتصادية، فالتطبيق الناجح للامركزية يؤدي إلى ضمان الوحدة الوطنية بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي إطار تلك الأهمية، فإن التغيير السياسي في العراق عام 2003 وتأسيس نظام حكم جديد قائم على الدستور والقانون، جعل مبدأ اللامركزية الإدارية ومجالس المحافظات تأخذ اهتماماً واسعاً من الطبقة السياسية وشريحة المثقفين وعموم قطاعات الشعب العراقي، وهذا ما أكده قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية لعام 2004 الذي منع تأسيس إدارة مركزية في العراق في المادة (52) منه، للتخلص من الإقصاء والتهميش والحرمان الواسع الذي عانى منه جميع أبناء الشعب العراقي بجميع مكوناته إبان مراحل الحكومات السابقة على الرغم من وجود ثروات وموارد اقتصادية ومالية ضخمة والتي لم ينتفع بها أبناء الشعب العراقي بأي شكل من الأشكال.

وعليه، فإن تبني العراق للنظام الفيدرالي وتبني اللامركزية الإدارية في دستوره الدائم لعام 2005 كان حاجة داخلية ملحة، وضرورية في حفظ وتماسك الدولة وقوتها في المجالات والأصعدة كافة، ولاسيما في جانب الإدارة المحلية السياسية عن طريق إعطاء صلاحيات واسعة للمحافظات سبيلاً لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وفي الوقت نفسه يكون للحكومة المركزية المشاركة بعملية التنمية، لأن الوضع العراقي يستوجب المشاركة من كل الأطراف.

فطبيعة الوضع العراقي الداخلي والمتمثل بالأزمات والتحديات الموروثة من الأنظمة السابقة لاسيما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية كان يتطلب منح المحافظات قدراً من الاستقلالية في اتخاذ القرارات الإدارية الخاصة بحدود محافظاتها. وهذا الاستقلال ليس منحة من الحكومة المركزية، وإنما هو مقرر من قبل المشرع ويخضع لمقتضيات القانون. ولا يراد بذلك الاستقلال الفصل المطلق بين المصالح المحلية ودائرة المصلحة الوطنية، كما لا يراد بذلك الاستقلال جعل كل جماعة محلية في معزل عن الأخرى وإنما ثمة صلة تربط تلك الجماعات مع بعضها البعض في إطار مبدأ التعاون والتكامل والتعايش لأنها تؤلف في الواقع جزءاً من جماعة أوسع نطاقاً هي المجتمع الوطني.

ولاشك فإن الخلل في التنمية على مستوى المحافظات له انعكاسات سلبية على الاستقرار السياسي للدولة العراقية، ومبدأ اللامركزية يؤدي إلى ضمان التوازن الاقتصادي والخدمي والاستقرار الأمني لعموم المحافظات. وخلاف ذلك، فأن تردي الأوضاع الاجتماعية لأية محافظة قد يقود شرائح المجتمع التي تعاني من سوء الاوضاع المعيشية إلى حالة تمرد على الواقع المتردي وتدفع إلى المطالبة بإجراء تغييرات جذرية في الواقع السياسي.

وقد يكون هذا الخلل سبباً لإثارة الفتن في المناطق المعنية بهذا الواقع وتبلور ضررها من حيث دوافعها ونتائجها على وحدة وقوة الدولة العراقية على المستوى الداخلي والدولي، ثم قد تكون سبباً في تعرض وحدة الدولة العراقية من خلال الدعوة إلى نشأة الأقاليم قبل أوانها أو التقسيم، كما أن هذا الخلل من شأنه أن يولد صراعاً نفسياً وإرباكاً سياسياً للواقع الاجتماعي المناطقي ويضر بمبدأ العدالة والمساواة الذي كفله الدستور.

لقد أشار الدستور العراقي لعام 2005 في الفصل الأول من الباب الخامس في المادة (116) أن جمهورية العراق تتكون من عاصمة ومحافظات لامركزية وإدارات محلية، إذ نص: "يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية".

واستناداً لذلك، فإن من مقاصد الديمقراطية هو تفعيل مبدأ اللامركزية لأنه ضمان التوازن الانمائي والاستقرار الامني في المحافظات غير المنتظمة بإقليم، إذ يؤدي في تطبيقاته إلى تعميم التجربة الديمقراطية على الإدارات المحلية قبل ولوجها في نظام الاقاليم. وهذا ما ذهب إليه المشرع العراقي عندما أصدر قانون مجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم (21) لسنة 2008، كونه مصدراً قانونياً مهماً لاعتماد مبدأ اللامركزية الإدارية كما جاء في نص القانون: "تكون الحكومات المحلية مسؤولة عن كل ما تتطلبه إدارة الوحدة الإدارية وفق مبدأ اللامركزية الادارية".

وعلى الرغم من أن اللامركزية الادارية مثبتة دستورياً إلا أن هذه الاستقلالية تصطدم بمعارضة قوية من مختلف القوى التي لا تزال تحبذ تعزيز صلاحيات الحكومة المركزية على حساب الأطراف، ومن البديهي أن الاستقلالية الادارية للسلطات المحلية لن تترسخ على أرض الواقع دون استنادها إلى أساس مالي متين.

ومع أن الدستور منح سلطات المحافظات الحق في زيادة إيراداتها بشكل مستقل، ولكن الواقع يبين أن السلطات المحلية لا تزال تعتمد في تمويل الحصة الأكبر من نفقاتها على ميزانية الدولة الاتحادية. وهي حقيقة تعطي لوزارة المالية في المركز، وبغض النظر عن النوايا، سلطة فعلية لممارسة النفوذ والتأثير والتي يمكن استغلالها في ظل ظروف سياسية معينة.

إن ذلك يؤكد أهمية إيجاد نظام واضح لتوزيع الموارد المالية، وهو جانب أكد عليه الدستور العراقي الذي ينص على تخصيص حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً للأقاليم والمحافظات وبما يكفيها للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الأخذ بنظر الاعتبار نسبة السكان فيها.

ومع ذلك، تظهر الكثير من الخلافات بهذا الشأن، ويعود ذلك أساساً إلى عدم وجود قواعد قانونية واضحة وتفصيلية تحدد كيفية توزيع الموارد المالية بين السلطات المختلفة. وهنا يجب التفكير بتطوير النظام المالي للبلاد بحيث تصبح للسلطات المحلية أيضا ميزانية مستقلة تعتمد بالأساس على مصادرها الذاتية وبما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص التبعية المالية السائدة حالياً بين الأطراف والمركز، وبما يضمن تعزيز مبدأ اللامركزية.

كما أن فشل مشاريع التنمية التي تنفذها الدوائر الحكومية في المحافظات بسبب عدم اعتماد معايير صحيحة للجودة وبسبب قلة الكادر وعدم التأهيل الكافي لأعضاء المجالس وعدم المحاسبة الجدية لمدراء الدوائر التنفيذية التي تفشل في أداء عملها لاسيما في تنفيذ المشاريع المختلفة الممولة من الخزينة العامة للدولة، ومن ثم أدى هذا الفشل إلى هدر مبالغ ضخمة من المالية العامة على مشاريع تحتية سيئة التخطيط والتنفيذ سرعان ما تحتاج إلى صيانة وصرف مبالغ أخرى، وهكذا فقدت الإدارة المحلية الكثير من ثقة المواطن.

هذا الفشل ولد لدى الكثير من المواطنين إحباط كبير تجاه هذا الجهاز الحكومي المهم ووصل هذا الإحباط حد مطالبة الكثيرين بإلغاء مجالس المحافظات وإلغاء المجالس المحلية.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن تقويم تجربة اللامركزية الإدارية في العراق ابتداءً من التشريعات الدستورية والقانونية، ومن ثم التطبيق لهذه التشريعات والطريقة التي تعاملت بها الكيانات السياسية مع هذه التشريعات والمقترحات التي نجدها مناسبة لمعالجة هذه الأخطاء وهي:

1- النصوص الدستورية التي تحدثت عن الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات كانت غير واضحة وتداخل فيها المفهوم الاتحادي مع مفهوم اللامركزية الادارية، فكما هو معروف قانونياً أن هناك فرق بين صلاحيات اقليم اتحادي وصلاحيات محافظة غير تابعة لإقليم وتعمل باللامركزية الإدارية، ولكن الدستور العراقي خلط بين الإقليم والمحافظة في مواده وهذا يحتاج إلى مراجعة وتنقيح بحيث تخرج هذه المواد واضحة المعالم.

2- الاختصاصات إلى الإقليم وهذا يدعونا هنا إلى الخروج من التصور القومي او المذهبي لقضية تشكيل الأقاليم والتركيز على القضية الإدارية والفوائد المتحققة في حالة إنشاء أقاليم جديدة في العراق تساعد الحكومة الاتحادية في التركيز على إدارة ملفات مهمة كبرى مثل الدفاع والامن الوطني والمالية والبيئة والنقل والموارد المائية والاقتصاد القومي وترك باقي الملفات الى حكومات الأقاليم تعمل عليها لأنها تتصف بالخصوصية الجغرافية مثل ملفات الخدمات والتعليم والزراعة والصحة وغيرها.

3- إن التنازع والتخاصم السياسي الذي نراه واضحاً في الحكومة الاتحادية وابتكار وزارات اتحادية كثيرة لترضية الاطراف السياسية المختلفة يؤدي الى تفريغ مبدأ اللامركزية الادارية من محتواه لكون هذا الكم الهائل من الوزارات والوزراء سوف يطالبون بصلاحيات هي بالحقيقة ليست لهم بل للأقاليم والمحافظات، إلغاء هذه الوزارات في حالة تحديد اختصاصات الحكومة الاتحادية سوف يجبر الكيانات السياسية على الالتزام بعدد محدد من الوزارات قد لا يتجاوز العشرة او أقل بما يقابل الاختصاصات الحصرية لها ويحول اهتمام الكيانات السياسية إلى الأقاليم والمحافظات التي يمثلون أغلبية فيها.

4- كان من الخطأ أن ينص في الدستور العراقي على أن العراق يتكون من أقاليم ومحافظات وأقضية ونواحي، لأن التقسيم الإداري الثلاثي المتكون من المحافظة والقضاء والناحية أستهلك فائدته ولم يعد يجاري الواقع الحالي، فهذا التقسيم اعتمد من عقود طويلة من قبل الدولة العثمانية عندما كانت تحتل العراق، وكان الأفضل إدارياً أن يكون التقسيم إلى الإقليم، والمحافظة، والوحدة الإدارية الأصغر (قد تسمى البلدية او المدينة او اي تسمية أخرى)، وهذا التقسيم هو شبيه للتقسيم المعتمد في فرنسا.

5- إن مؤهلات أعضاء المجالس إن كان مجلس المحافظة أو المجلس المحلي ليست على المستوى المطلوب، وهذا سبب كثير من المشاكل وقد يكون السبب هو اهتمام الكيانات السياسية بالولاء الحزبي وتقديمه على الكفاءة والمؤهلات العلمية والعملية. ومن جهة أخرى، إن عدم اهتمام الناخبين بمؤهلات المرشحين بسبب نقص الثقافة الانتخابية لدى المقترع وعدم توعيته بها، كان سبباً آخر في وصول شخصيات غير كفؤة إلى مراكز القرار في محافظاتهم. لذا لا بد من فرض شروط يجب توفرها في المرشح لعضوية المجالس، إن كان مجلس اتحادي او مجلس محلي.

وفي ضوء ما تقدم، نخلص إلى القول: إن تجربة اللامركزية الإدارية في العراق تُعد تجربة وليدة من حيث النشأة والتطبيق، وهذه التجربة بحاجة إلى سنوات من الممارسة لتأخذ الشكل الأفضل والذي يخدم تطلعات المواطنين بمختلف مكوناتهم وإنتماءاتهم في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، وفقاً لمبدأ العدالة والمساواة، وأن تحقيق ذلك يتطلب بالضرورة إسناد مسؤولية ادارة الوحدات الادارية وفقاً لمبدأ الكفاءة والنزاهة، وتغليب المصالح الوطنية على حساب المصالح الشخصية الضيقة، الأمر الذي يعني بالنتيجة تعزيز الوحدة الوطنية، وتماسك الدولة العراقية في وجه التحديات والمخاطر المحتملة سواء في الوقت الحاضر او في المستقبل.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1