إن دراسة مسببات الفساد وعواقبه لها تاريخ طويل في علم الاقتصاد، اذ ترجع على الاقل الى المساهمات كل من (بهاكواتي 1982) و(كروكر 1974) و (وروز- أكرمان 1987) و (تولوك 1967) وأخرون، بيد أن الاعمال التجريبية التي تمت في هذا المجال كانت محدودة، ويرجع ذلك الى حد ما الى أن قياس كفاءة المؤسسات الحكومية ليس بالعمل السهل، والفساد بحكم طبيعته ذاتها يجعل من الصعب قياسه. وقد قضى الاهتمام المتجدد بهذا الموضوع الى ان يحاول عدد من الباحثين قياس المدى الذي يتغلغل الفساد به في التفاعلات الاقتصادية، مستخدمين تحليل الانحدار والمؤشرات القياسية التي تضعها وكالات تصنيف المخاطر، وتستند هذه المؤشرات في الغالب الى اجابات على استيبانات معيارية يضعها خبراء استشاريون.

أسباب الفساد

تحلل الدراسات التجريبية، وهي تبنى على المساهمات النظرية والاسباب المتمثلة بمدى تدخل الحكومة في الاقتصاد، وحيثما تكون القواعد التنظيمية متغلغلة والمسؤولون الحكوميون لديها قدرة كبيرة وصلاحيات واسعة في النفوذ وتطبيق هذه القواعد، بالشكل الذي يترافق معه استعداد الاطراف الخاصة على دفع رشاوي للحصول على منافع ومكاسب.

ومن دواعي الفساد الاقتصادي هو القيود على التجارة باعتبارها احد مصادر الايرادات التي تحصل عليها الحكومة، فمثلا تفضي القيود الكميات المفروضة على الاستيرادات الى جعل تراخيص الاستيراد بالغة القيمة، مثال ذلك ان حماية الصناعات المحلية من المنافسة الدولية تولد حافزاً للفساد من خلال قيام أصحاب المشاريع المحلية بدفع مبالغ للمسؤولين من أجل الحفاظ على موقعهم في السوق المحلية، كما يمكن للدعم الحكومي أن يكون مصدراً للفساد بأعتباره دالة للسياسة الصناعية، بالمثل فأن تحديد الاسعار من خلال قيام أصحاب المشاريع بدفع مبالغ للمسؤولين الحكوميين من أجل توفير المدخلات بأسعار أقل من السوق.

كذلك فأن نظم سعر الصرف المتعدد وأسواق الصرف الموازية تفضي الى تعضيد الفساد، فعلى سبيل المثال، اذ قام مديروا المصارف التجارية المملوكة للدولة على تحصيص النقد الاجنبي وفقاً لاولويات وضعوها بأنفسم، مما يدفع أصحاب المشاريع والتجار على دفع مبالغ اضافية للحصول على النقد الأجنبي من أجل قيامهم بالأستيراد، كما أن الأجور المنخفضة مقارنة مع أجور القطاع الخاص، تعد مصدراً محتملاً للفساد بسبب تفاوت الأجور.

ولا ترجع مصادر تعاظم الفساد الى سياسة الحكومة وانما الى صفات معينة كامنة في الاقتصاد أو المجتمع، ويتعين أن يكون صناع السياسات على على بأحتمال نشوء سلوك يدفع الى حدوث الفساد، كذلك يتعين أن تاخذ المحاولات المبذولة لتقييم آثار السياسة الحكومية على الفساد تلك العوامل في الحسبان، وهناك مسببات غير حكومية للفساد مثل أن ثروات الموارد الطبيعية نموذج نمطي للحصول على مكاسب غير مشروعة، اذ أن هذه الموارد يمكن بيعها لقاء سعر يتجاوز تكلفة استخراجها بكثير، حيث يرى البعض أن الاقتصادات الغنية بالموارد قد تكون أكثر عرضة للسلوك التكسبي المتطرف عن الاقتصادات الفقيرة في الموارد.

وقد تساهم العوامل الاجتماعية في خلق بيئة مسوغة للفساد، فعلى سبيل المثال يرى البعض، أن مؤشر التشرذم اللغوي – الأثني مرتبط بالفساد، كما يرجحون أن يقوم المسؤولون بالمجاملات لاصدقائهم وأقاربهم في المجتمعات التي تتصف العلاقات فيها بطابع شخصي الى حد كبير، أي بمعنى أخر أن للمحاباة والمحسوبية دور في تفشي الفساد، فضلاً عن الفئوية والتمايز الطبقي بين شرائح المجتمعات من أجل الحصول على سلع وخدمات أفضل قد يدفع الكثير الى اتباع وسائل غير مشروعة في توفيرها، وبالتالي احياناً يكون التنوع العرقي أو الاجتماعي حافز لمثل هكذا اساليب ووسائل.

عواقب الفساد ونتائجه

للفساد عدد من العواقب المعاكسة، اذ تشير الأدلة التجريبية الحديثة على وجه الخصوص، الى أن الفساد يخفض مستوى النمو الاقتصادي، فحيثما يوجد الفساد، فأن أصحاب المشاريع يعرفون أن المسؤولين الفاسدين سيطالبون في بعض عوائد الاستثمار المستقبلية، وكثيراً ما يشترط دفع مبالغ قبل اصدار التصاريح الضرورية، وبالتالي ينظر المستثمرون الى الفساد على أنه ضريبة تقلل من حوافز الاستثمار، ففي تحليل يستخدم مؤشرات الفساد التي وضعتها شركة (بيزنس انترناشيونال)، تسبب تحسن في انحراف معياري واحد في مؤشر الفساد في أن يرتفع الاستثمار بنسبة 5% من الناتج المحلي الاجمالي.

ويرى أخرون بأن الحالات التي يوفر فيها التكسب غير المشروع فرصاً مجزية أكثر مما يوفره فرص العمل المنتج، فمن المحتمل أن ينغمس الافراد الموهوبون الحاصلون على تعليم عال في التكسب بأكثر من انغماسهم في الاعمال الانتاجية، وهذا ينعكس سلباً على معدلات نمو بلادهم، ومن الامور المهمة بالنسبة للبلدان النامية على وجه الخصوص، هو امكانية تعميق الفساد من خلال المعونات وتحويلها عن مسارها ومشاريعها المستهدفة واستخدامها في تمويل نفقات غير انتاجية، وهذا ما دفع الكثير من البلدان المقدمة للمعونات أن تركز على أساليب الحكم الصالح والرشيد، وهذا مادفعهم الى تقليل مستوى المنح والمساعدات تدريجياً.

كما أن الفساد يسبب خسائر في الايرادات الضريبية عندما يتخذ شكل التهرب من الضرائب أو إساءة استخدام الاعفاءات الضريبية بما يخدم المحاباة والمحسوبية والحزبية، ولا تدخل هذه الظاهرة على وجه الدقة في تعريف الفساد الا عندما يُدفع مبلغ مناظر للمسؤول الضريبي المعني. ومن الممكن أن يكون للفساد عواقب معاكسة على الميزانية من جراء تأثيره على الحصيلة الضريبية أو على مستوى الانفاق العام، ومن ناحية أخرى فعندما يأخذ الفساد شكل إساءة استخدام مؤسسات القطاع العام المالية للأقراض الموجه المشفوع بسعر فائدة أقل من سعر السوق، فسينتج عن ذلك وضع نقدي غير مستقر، وبالمثل يتم الاشارة الى الانفاق الكبير على البنود المتخصصة مثل السلاح والجسور والحدائق، والتي يصعب تقدير قيمتها السوقية بشكل دقيق تؤدي الى تنامي الفساد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0