ازمة سياسية جديدة تعيشها البرازيل بعد نشر تسجيلات صوتية تثبت تورط الرئيس ميشال تامر وعدد من أفراد حكومته في عمليات الفساد كبيرة، شملت بالإضافة إلى العبث في مقدرات الشركات الحكومية وكما نقلت بعض المصادر، عقد صفقات كبرى مع شركات خاصة مقابل رشى فاقت مئات الملايين من الدولارات. وتهز البرازيل سلسلة فضائح فساد كبيرة تستهدف وبالاضافة الى تامر الرئيسين السابقين اليساريين لولا (2003-2010) وديلما روسيف (2010-2016).

آخر التسجيلات، التي بثتها شبكة غلوبو البرازيلية، ايضا كشفت عن تورط الأمين العام لمجلس الوزراء الحالي، جيديل ليما، في تلزيمات غير قانونية بإيعاز من تامر، والأخير قبل استقالة وزير الثقافة السابق مارسلو كاليرو، بسرعة، بعد اعتراضه على تجاوزات فريق تامر. كما كشفت التسجيلات، ووراء تسريبها كاليرو، عن مقايضة أجراها تامر مع رئيس البرلمان المعزول، إدواردو كونيا، ومضمونها صمت الأخير مقابل حريته وتبرئته من تهم الفساد التي يقضي بموجبها عقوبة تصل إلى السجن 15 عاماً.

وبعد دقائق على بث التسجيلات الأولى، ظهرت تسجيلات أخرى طاولت الزعيم اليميني أيسيو نيفيز الذي طلب من رئيس كبرى شركات الدواجن (JBS) رشوة بمليوني دولار مقابل خدمات ضريبية وجمركية، الأمر الذي استدعى تدخلاً سريعاً للقضاء الأعلى، الذي علق عضوية نيفيس والنائب اليميني رودريغو لوريس، ثم توجهت قوة من الشرطة الفيدرالية إلى مكاتبهما داخل مقري مجلس الشيوخ والبرلمان لإقفالهما.

بث التسجيلات كان له وقع الصاعقة على القطاع الاقتصادي، إذ انخفض سعر صرف الريال البرازيلي بحدة وفقد أكثر من 12% من قيمته في مدة لم تتجازو اليوم، ما استدعى تدخلاً طارئاً من البنك المركزي الذي أوقف تدهور أسعار الأسهم. وواكب ذلك ارتدادات في الوسط الشعبي أبرزها مطالبة «منظمة البرازيل الحرة» الرئيس بالاستقالة الفورية.

تظاهرات ضد الرئيس

وفي هذا الشأن دعت احزاب اليسار والنقابات ومنظمات الدفاع المدني الى التظاهر في عدد من مدن البرازيل للمطالبة باستقالة الرئيس ميشال تامر واجراء انتخابات جديدة. واعلن بيان نقابي ان"البرازيل ستنزل الى الشارع لتقول لهذه الحكومة كفى"، قبل هذه التظاهرات التي سيسمح حجم التعبئة فيها بمعرفة مدى استياء البرازيليين من رئيسهم الذي يواجه اتهامات خطيرة بالفساد وعرقلة عمل القضاء.

ويتوقع ان تجري التظاهرات الكبرى في ريو دي جانيرو وساو باولو. لكن سلسلة تظاهرات اخرى اعلنت عنها مجموعات من يمين الوسط الغيت. وقبل هذه التجمعات في الشارع، طلب تامر تعليق التحقيق حوله بانتظار التحقق من صحة تسجيل صوتي له يوافق فيه على دفع رشوة. وكان النائب العام رودريغو جانو اكد في طلب الى المحكمة العليا لفتح تحقيق حول الرئيس، ان تامر حاول مع عدد من السياسيين الذين يتمتعون بنفوذ كبير "منع تقدم" عملية "الغسل السريع" التحقيق الواسع في فضيحة شركة بتروبراس النفطية.

واستند طلب فتح التحقيق الى اتفاق ابرمه مع القضاء قطب الصناعات الغذائية جوسلي باتيستا الذي ادت معلومات ذكرها في افادته الى زلزال حقيقي في البلاد. وسجل رجل الاعمال هذا الذي يملك شركة اللحوم العملاقة "جي بي اس" ومجموعة "هافاياناس" لانتاج الصنادل، تصريحات للرئيس بدون علمه، يوافق فيها على دفع رشوة. وهذه التصريحات لتامر التي كشفتها صحيفة "او غلوبو" كانت تهدف على ما يبدو الى شراء صمت ادواردو كونيا الرئيس السابق لمجلس النواب المسجون حاليا لتورطه في فضيحة بتروبراس. بحسب فرانس برس.

وفي رده انتقد تامر بعنف رجل الاعمال الذي وصفه "بالواشي" واتهمه بارتكاب "جريمة كاملة". ورأى تامر ان "هذا التسجيل السري" تم "التلاعب به"، داعيا المحكمة الى "تعليق التحقيق حتى التأكد من صحته". واشار الى مقال نشرته صحيفة "فوليا دي ساو باولو" نقل عن خبير اشارته الى "اكثر من خمسين انقطاعا" في التسجيل الصوتي. وقالت المحكمة انها ستنظر في هذا الطلب. وبموجب الدستور، اذا غادر تامر السلطة، فسيحل محله موقتا نائبه رودريغو مايا الذي يواجه اتهامات بالفساد ايضا، الى ان ينتخب البرلمان رئيسا خلال ثلاثين يوما.

اسكات شاهد

من جهة اخرى ذكرت صحيفة (أو جلوبو) أن الرئيس البرازيلي ميشيل تامر أقر محاولة لدفع مبلغ من المال لشاهد محتمل في أكبر قضية فساد بالبلاد كي يكتم شهادته وذلك وفقا لرواية رجل أعمال قوي. وأقر تامر بأنه التقى رجل الأعمال جوزلي باتيستا رئيس شركة (جيه.بي.إس) في مارس آذار لكنه نفى أي دور له في المساعي المزعومة لمنع رئيس مجلس النواب السابق المسجون إدواردو كونيا عن الشهادة.

وقالت الصحيفة إن باتيستا سجل حديث تامر عن مبلغ "الإسكات" المقدم إلى كونيا. ولم يحدد التقرير ما الأمر الذي طلبوا من كونيا السكوت عنه. وأضافت الصحيفة في تقريرها الذي لم تذكر فيه مصدر معلوماتها أن تامر قال في حديث مسجل في معرض رده على باتيستا عن دفع مبلغ من المال إلى كونيا كي يظل صامتا "أنت بحاجة لمعالجة هذا الأمر.. أليس كذلك؟". وسبق وأن قال كونيا، الذي كان يوما عضوا قويا في الحزب الحاكم، إن لديه معلومات حساسة عن ساسة كبار مرتبطين بفضيحة رشا سياسية واسعة داخل شركة بتروبراس النفطية التابعة للدولة. وذكرت الصحيفة أن باتيستا وأخاه ويزلي باتيستا المدير التنفيذي لشركة (جيه.بي.إس) قدما التسجيلات للادعاء في إطار مفاوضات مساومة تجري منذ مارس آذار لصدور حكم مخفف. و(جيه.بي.إس) هي أكبر شركة لحوم في العالم.

وقف تحقيق

الى جانب ذلك أعلن رئيس البرازيل ميشيل تامر أنه سيطالب المحكمة العليا بتعليق التحقيقات التي تستهدفه، نظرا "للتلاعب" بالأدلة الرئيسية في هذه القضية. وينفى تامر جميع الاتهامات الموجهة له بالفساد وإعاقة سير العدالة. وقال في خطاب هاجم فيه الإجراءات التي اتخذت ضده، إن التسجيل الصوتي المنسوب له يحتاج إلى التحقق من صحته.

وأضاف "لم أسع أبدا لشراء صمت أحد، ولم أقف حجر عثرة أمام العدالة" وأصر الرئيس على إكمال مدته الرئاسية وعدم ترك الحكم، رغم المطالب المتزايد له بالرحيل. وبحسب التسجيل الصوتي المزعوم، فقد كان تامر يناقش مع جوزيلي باتيستا، رئيس شركة تصدير اللحوم العملاقة جي بي إس، دفع رشوة مالية لرئيس مجلس النواب السابق إدواردو كونها، المسجون حاليا بعد إدانته بالفساد وغسيل الأموال والتهرب الضريبي.

وهذه الرشوة المزعومة في مقابل عدم ذكر رئيس مجلس النواب أي شيء عن مزاعم تورط تامر في فضيحة الفساد الضخمة في البرازيل والمعروفة باسم "عملية غسيل السيارات". وبدأت التحقيقات في القضية عام 2014، واستهدفت شركات عرض عليها صفقات مع شركة بتروبراس النفطية المملوكة للدولة مقابل رشاوى مالية حصل عليها سياسيون. وطالت تلك الفضيحة سياسيين برازيليين، ويخضع ثلث أعضاء حكومة الرئيس تامر لتحقيقات بسبب مزاعم الفساد. ويخضع الرئيس السابق لولا دي سيلفا لتحقيقات ويواجه اتهامات بتورطه في القضية.

ولعب كلا من تامر ورئيس مجلس النواب المسجون دورا في إسقاط روسيف، التي خرجت من الرئاسة بعد اتهامها بالتلاعب بحسابات حكومية، وهو ما نفته تماما. وتراجعت شعبية تامر بشكل ملحوظ مؤخرا في البرازيل، لكن حزبه يمين- الوسط مازال قادرا على الاستمرار في الحكم كجزء من تحالف حاكم. وطالبت أحزاب المعارضة بتنحية تامر، الذي تولى النصب قبل عام فقط، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

في السياق ذاته قال الرئيس البرازيلي ميشيل تامر إنه لن يستقيل من منصبه على الرغم من قرار للمحكمة العليا يجيز إجراء تحقيق في مزاعم بأنه تغاضى عن رشوة شاهد محتمل في قضية فساد كبرى. وفي كلمة قصيرة وجهها إلى الشعب قال تامر إنه لم يرتكب أي جرم وإن رئاسته تساعد في إقالة اقتصاد البرازيل من عثرته وإنه يرحب بتحقيق حتى يمكنه إثبات براءته. وأضاف قائلا في إشارة إلى الاتهامات بحقه "لم أشتر صمت أحد... لن أستقيل".

غسيل اكسبرس

على صعيد متصل أكد وكيلا اعلانات في البرازيل مسجونان في اطار فضيحة الفساد الواسعة "غسيل اكسبرس" أنهما تلقّيا رشاوى بملايين الدولارات من حكومات اجنبية ولا سيما من كراكاس، مشددين على ان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دفع هذه الرشى بنفسه في 2012 حين كان وزيرا للخارجية لتمويل حملة الرئيس الراحل هوغو تشافيز. وقالت مونيكا مورا زوجة المعلن جواو سانتانا وشريكته في الاعمال، ان "مادورو كان يدفع لي كل اسبوع تقريبا، بشكل مباشر في الوزارة، ويسلّمني المال".

وجواو سانتانا هو المعلن المسؤول عن الحملات الرئاسية للرئيس البرازيلية المعزولة ديلما روسيف عامي 2010 و2014. وحكم على جواو وزوجته في شباط/فبراير بالسجن ثماني سنوات في اطار فضيحة "بتروبراس" وهي الاضخم في تاريخ البرازيل، وهما يتعاونان مذّاك مع العدالة على امل حصولهما على حُكم مخفف. وفي شريط فيديو نشرته المحكمة الاتحادية العليا في البرازيل قالت مورا انها تلقت من مادورو اكثر من عشرة ملايين دولار. بحسب فرانس برس.

كما اكد المعلنان في افادتهما امام المحكمة انهما تلقيا اموالا ايضا من بنما والسلفادور لتمويل حملات انتخابية في هذين البلدين، مشددين على ان الرئيسين البرازيليين السابقين لويس ايناسيو لولا دا سيلفا وديلما روسيف كانا على علم بهذه الرشى التي يعتقد ان حزبهما اليساري "حزب العمال" تورط فيها ايضا. لكن محامي لولا الملاحق في خمس قضايا في اطار فضيحة بتروبراس نفوا هذه الاتهامات مؤكدين انها "اكاذيب".

شبهات فساد

من جانب اخر يحقق القضاء الفرنسي في شبهات رشاوى يحتمل ان تكون اتاحت لفرنسا في اواخر 2008 انتزاع عقد ضخم لبيع غواصات للبرازيل، في صفقة بلغت قيمتها مليارات اليورو، كما افادت صحيفة لوباريزيان. وقالت الصحيفة على موقعها الالكتروني ان النيابة الوطنية المالية فتحت في تشرين الاول/اكتوبر تحقيقا تمهيديا بشبهة "فساد موظفين حكوميين اجانب" في هذه الصفقة التي ابرمت في 23 كانون الاول/ديسمبر 2008 خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي في حينه نيكولا ساركوزي الى نظيره البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا.

واكد مصدر قريب من الملف ان هناك تحقيقا في شبهات فساد حول طلبية غواصات للبرازيل، من دون اية تفاصيل اضافية. وقالت النيابة الوطنية المالية انها "لا تؤكد ولا تنفي" المعلومات المنشورة في الصحيفة. وكانت البرازيل طلبت شراء اربع غواصات هجومية من طراز سكوربين، في صفقة تضمنت ايضا نقل جزء مهم من التكنولوجيا ايضا. وسكوربين غواصة هجومية تقليدية تصنعها ورش "ادارات البناء البحري" (دي سي ان اس) الفرنسية بالتعاون مع المجموعة الصناعية الاسبانية "نافانتيا".

وقالت الشركة الفرنسية ان هذه القضية لا علاقة لها ب"الغسل السريع"، اي التحقيق الذي يجريه القضاء البرازيلي في قضية فساد واسعة. وقال ناطق باسم الشركة انها "تحترم في جميع انحاء العالم بدقة كل قواعد القانون". والفرنسية "دي سي ان اس" شريكة في البرازيل لمجموعة "اوديبريشت" للاشغال العامة التي تواجه فضيحة فساد كبيرة تهز البلاد عبر مجموعة بتروبراس النفطية الحكومية. و"اوديبريشت" متهمة بدفع رشاوى الى مسؤولين سياسيين للتلاعب بصفقات عامة.

واكد مدير "ادارات البناء البحري" ايريك بيتيلو في نيسان/ابريل الماضي ان التحقيقات البرازيلية "لا تطال سوى ادويبريشت نفسها". وكان مصدر في الرئاسة الفرنسية قدر قيمة عقد الغواصات ب6,7 مليارات يورو بينها 4,1 مليارات لفرنسا والباقي لشركات برازيلية. وقالت صحيفة "لوباريزيان" ان النيابة الوطنية المالية تتساءل عن امكانية ان تكون رشاوى دفعت في هذه المناسبة تلتها عمولات مرتجعة. بحسب فرانس برس.

وزارت رئيسة النيابة الوطنية المالية اليان اوليت البرازيل مؤخرا مع وفد ضم توما ريكولفي قائد شرطة مكتب مكافحة الفساد الفرنسي. وفي بيان في التاسع من ايار/مايو، تحدث النائب العام للجمهورية في البرازيل رودريغو جانو عن امكانية اجراء تحقيقات مشتركة حول "حالات ملموسة" من الفساد "تهم البلدين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1