مكافحة الفساد في الصين: خلط أوراق أم اصلاح جاد؟


حملة القضاء على الفساد المستشري في الصين التي يقودها الرئيس شي جين منذ تولى منصبه قبل أكثر من أربع سنوات، أسهمت وبشكل كبير في كشف العديد من الملفات المهمة، حيث اكدت بعض التقارير ارتفاع اعداد قضايا الفساد التي نظرتها المحاكم الصينية بنحو الثلث العام الماضي. وشن بينغ حربا على الفساد محذرا مثل من سبقه من الزعماء من أن المشكلة سيئة بدرجة قد تؤثر على قبضة الحزب الشيوعي على السلطة، وسجن عشرات من كبار المسؤولين في قضايا فساد واستغلال للمناصب من بينهم المسؤول الأمني الكبير السابق تشوه يونغ كانغ الذي كان يتمتع بنفوذ واسع. وفي تقرير سنوي للبرلمان الصيني قال رئيس محكمة الشعب العليا تشو تشيانغ إن المحاكم الصينية في 2016 نظرت 45 ألف قضية فساد متهم فيها 63 ألف شخص لكنه لم يفصح عن عدد من أدينوا أو يقدم أعدادا للمقارنة.

ومقارنة بالأرقام التي قدمها في تقرير العام الماضي تمثل الأرقام الجديدة زيادة بمقدار الثلث عن عام 2015. وقال كاو جيانمينغ كبير ممثلي الإدعاء في تقريره إن جهود مكافحة الفساد "لن تهدأ بالتأكيد". وتابع عدم التهاون مع الفساد سيستمر بالتأكيد. ونقل الإعلام الرسمي عن الرئيس الصيني شي جين بينغ قوله إن كبار المسؤولين الصينيين في حاجة لوضع ضوابط لضمان عدم إساءة استغلالهم ومن حولهم السلطة وإنهم ينبغي أن يمارسوا الانضباط الذاتي بدرجة أكبر وذلك في رسالة موجهة بشأن مكافحة الفساد.

وقالت وكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية (شينخوا) إن شي قال خلال ورشة عمل حول مكافحة الفساد إن كبار المسؤولين ينبغي أن يمارسوا الانضباط الذاتي وأن "يتخلوا عن المزايا الخاصة." ونقلت الوكالة عن شي قوله إن كبار المسؤولين ينبغي أن يضعوا ضوابط "ضد المزايا الخاصة لمنع أنفسهم ومن حولهم من إساءة استغلال السلطة." واستخدام نفوذهم بحيادية وحذر وبشكل قانوني. وتورط الأقارب وخاصة الزوجات والأبناء في العديد من فضائح الفساد في الآونة الأخيرة.

ويرى بعض الخبراء ان قضايا الفساد وعلى الرغم من الإجراءات المتبعة لا يمكن السيطرة عليها بشكل تام، بسبب ارتباط بعض القضايا بشخصيات كبيرة قد يصعب محاسبتها، يضاف الى ذلك تفشي المحسوبة وعدم نزاهة بعض المؤسسات القضائية.

خسائر الفساد

وفي هذا الشأن قالت اللجنة المركزية لمتابعة الانضباط وهي اللجنة المسؤولة عن مكافحة الفساد في الصين على موقعها الرسمي على الإنترنت إن الصين تمكنت من استعادة 2.3 مليار يوان (331.27 مليون دولار) كانت قد خسرتها بسبب الفساد في أول 11 شهرا من العام الماضي من أكثر من 70 منطقة ودولة. وتأتي تلك الأنباء بعد أن حولت بكين تركيز حملتها لمكافحة الفساد إلى استعادة أموال هربت للخارج بصورة غير قانونية في إطار حملة (سكاي نت) التي تشارك فيها عدة وكالات وبدأت في عام 2014.

وقالت اللجنة إن 908 مطلوبين كانوا فارين احتجزوا من بينهم 122 مسؤولا حكوميا. وأضافت اللجنة أنها ستعزز حملتها من خلال توثيق التنسيق في حملتها بالتركيز على دول وقضايا رئيسية وبزيادة التعاون الدولي. وعادت يانغ شيو تشو أكثر متهمة مطلوبة بسبب الفساد في الصين - وهي نائبة سابقة لرئيس بلدية ونتشو في إقليم تشجيانغ بشرق البلاد - إلى الصين من الولايات المتحدة في نوفمبر تشرين الثاني وسلمت نفسها بعد 13 عاما من الهروب. وقالت الصين إنها ستحاكم أحد الرؤساء السابقين لأجهزة المخابرات لديها بعد اتهامه بتلقي الرشى واستغلال النفوذ للتدخل في إنفاذ القانون.

من جانب اخر يضم البرلمان الصيني نحو مائة ملياردير ثرواتهم بالدولار وتفوق ثروة 209 من الأكثر ثراء منهم اجمالي الناتج الداخلي لبلجيكا، وفق ما نشرته مجلة "هورون" في بداية الدورة السنوية للمجالس المحلية المنتخبة في البلد الشيوعي المترامي الأطراف. وفي أروقة قصر الشعب الضخم في ساحة تيانانمين في بكين تجتمع النخبة السياسية ككل سنة وعلى مدى عشرة ايام مع كبار قادة الحزب الشيوعي. ويضم المؤتمر الاستشاري ومجلس الشعب نحو 5100 عضو بينهم 209 موفدين تتجاوز ثروة كل منهم ملياري يوان (276 مليون يورو) وفق تقرير لمعهد "هورون" البحثي.

وافاد التقرير ان ثرواتهم مجتمعة تصل الى 3500 مليار يوان (483 مليار يورو) وهو يوازي اجمالي الناتج الداخلي لبلدان مثل بلجيكا أو السويد أو بولندا. وقالت "هورون" التي تعد سنويا قائمة مرجعية للثروة في الصين، انهم في غالبيتهم العظمى رجال اعمال وليسوا كادرات حزبية ارتقت في صفوف الحزب الشيوعي.

ومن بينهم أصحاب شركات الانترنت العملاقة "تنسنت" (بوني ما) و"بايدو" (روبن لي) وصاحب شركة "خاومي" (لي جون) للهواتف الذكية وملك المشروبات غير الكحولية (تسونغ تشين هو، على رأس مجموعة واهاها). على الرغم من حملة واسعة لمحاربة الفساد اعلنها الرئيس شي جينبينغ منذ 2013 لتطهير صفوف الحزب، لا يزال أصحاب الشركات الخاصة موضع ترحيب في قصر تيانانمين مع سعي بكين الى اعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك الداخلي. بحسب رويترز.

يتم اختيار اعضاء البرلمان على مستوى الدوائر المحلية الخاضعة هي نفسها للسلطات المركزية. غير ان بعض رجال الاعمال الاثرياء قد يلجأون إلى البقاء بعيدا عن الاضواء هذه السنة في حين يضاعف الحزب الشيوعي هجماته ضد "المضاربين في قطاع العقارات" و"تماسيح قطاع المال". ومن بين البرلمانيين ارتفعت ثروات نحو مائة منهم بنسبة 64% وفق "هورون" وهو تراكم للثروة اسرع من اتساع الاقتصاد الصيني الذي تراجع نموه خلال السنوات الماضية إلى ادنى من 7%.

اصلاح الجيش

على صعيد متصل استغل الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارته التقليدية للمناطق النائية في البلاد لحث الجيش على ضمان خلوه من الفساد واتباع أوامر الحزب بشأن الإصلاح والتدريب. وأكد شي خلال زيارته لقوات متمركزة في تشانغجياكو وهي مدينة في إقليم هيبي المجاور لبكين على رسالته المتعلقة بأهمية محاربة الفساد خاصة بين صفوف القوات المسلحة.

ونقل التلفزيون الحكومي عن شي قوله إنه يدعو للتخلص من الأثر الخبيث لاثنين من القادة البارزين السابقين الذين شملتهم حملة تطهير حكومية هما قوه بوه شيونغ وشو تساي هو. وكان الاثنان نائبين لرئيس اللجنة العسكرية المركزية التي يرأسها شي. وحكم على قوه بالسجن مدى الحياة العام الماضي. وتوفي شو متأثرا بالسرطان في عام 2015 قبل محاكمته.

ويشرف شي على برنامج طموح لتحديث الجيش يشمل خفض عدد القوات بنحو 300 ألف وتطوير أسلحة حديثة مثل المقاتلات الشبح وحاملات طائرات. وكان ذلك إلى جانب تحركات الصين النشطة في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه قد أثار القلق بالمنطقة غير أن الصين تؤكد أن نواياها سلمية. ونقل التلفزيون عن شي قوله إنه ينبغي للصين بناء جيش قوي عن طريق تحسين التوعية السياسية والمضي قدما في الإصلاح وضمان اتباع القانون. وعرض التلفزيون صورا للرئيس وهو يتحدث مع الجنود في ثكناتهم ويسألهم عن ظروفهم المعيشية.

من جانب اخر قالت وزارة الدفاع الصينية إن جيش البلاد سوف يعزز الإشراف المالي من خلال قواعد المحاسبة تمت مراجعتها ويبدأ تطبيقها في أول يناير كانون الثاني مما يعني أنه سيتعين التدقيق في كل المعاملات المالية للقوات المسلحة. وبصفته قائد القوات المسلحة الصينية التي يصل قوامها إلى 2.3 مليون فرد جعل الرئيس شي جين بينغ مكافحة الفساد في الجيش أولوية قصوى له. وحذر ضباط من أن المشكلة منتشرة لدرجة أنها قد تقوض قدرة الصين على شن الحرب في وقت تستعرض فيه بكين بشكل متزايد نفوذها في المنطقة والمناطق المحيطة بها.

وتشمل حملة شي ضد الفساد جيش التحرير الشعبي بالفعل إذ جرى التحقيق مع عشرات الضباط وسجنهم ومن بينهم النائبان السابقان لرئيس اللجنة العسكرية المركزية. وذكرت وزارة الدفاع في بيان قصير على موقعها الإلكتروني أن شي أقر قواعد المحاسبة الجديدة. بحسب رويترز.

وقالت "يجب فحص كل الأنشطة الاقتصادية لجيش التحرير الشعبي والشرطة المسلحة الشعبية والمسؤوليات الاقتصادية لكوادر الزعامة والإشراف عليها." وأضافت أن التركيز سينصب على كبار الضباط الذين خرجوا من الخدمة أو من يعملون في قوات الاحتياط. وأشارت الوزارة إلى أن المحاسبين العسكريين سيحصلون على المزيد من السلطات لجمع الأدلة وفحص الحسابات البنكية ونشر نتائجها وأن المخالفات ستحال إلى ممثلين للادعاء لإجراء المزيد من التحقيق.

احكام وقضايا

في السياق ذاته قالت وسائل إعلام رسمية إن محكمة صينية أصدرت حكما بالسجن عشر سنوات على مسؤول كبير سابق في إقليم يونان بجنوب غرب البلاد كان قد رشا زوجين ظهرا في التلفزيون في واحدة من أبرز قضايا الفساد في البلاد. وذكرت وكالة الصين الجديدة (شينخوا) للأنباء أن المحكمة أدانت قاو جين سونغ زعيم الحزب السابق في كونمينغ بإعطاء وتلقي رشا وقضت بسجنه عشر سنوات.

ومن بين تلك الرشا اثنتان قدمتا لزعيم الحزب السابق في يونان باي إنبي وزوجته تشانغ هوي تشينغ المديرة السابقة لشبكة كهرباء يونان المملوكة للدولة في مقابل ترقيات. وظهر الزوجان في فيلم وثائقي للجنة المركزية للتفتيش بثه التلفزيون الرسمي العام الماضي وسرد تفاصيل رغد الحياة التي يعيشها المسؤولون الفاسدون. وصدر حكم بالإعدام مع وقف التنفيذ بحق باي في أكتوبر تشرين الأول لقبوله رشا تتجاوز 37 مليون دولار. كما أدين قاو باستغلال منصبه لمساعدة ثمانية أشخاص آخرين على الحصول على ترقيات. وأدين قاو بالحصول على رشا في مقابل تغييرات في السياسة ومنح شركات عقود إنشاء والسماح باستخدام أراض في غير الأغراض المخصصة لها.

من جانب اخر ذكرت وسائل إعلام رسمية صينية أن ثلاثة أطباء في شنغهاي وطبيبا رابعا في إقليم هونان أوقفوا عن العمل لحين انتهاء تحقيقات في مزاعم تلقيهم رشى من شركات أدوية. وفي تقرير استقصائي أذاعه التلفزيون المركزي الصيني يوم السبت ظهر مندوبو مبيعات لشركات أدوية وهم يدفعون رشى لأطباء في ستة مستشفيات في شنغهاي وهونان. وأضاف التقرير أن الرشى تتراوح بين 30 و40 بالمئة من أسعار الأدوية. بحسب رويترز.

وتحقق سلطات مكافحة الفساد في شنغهاي في الوقائع وتعهدت السلطات في هونان بتعزيز الرقابة على مبيعات الأدوية. وأرسلت اللجنة الوطنية للصحة وتنظيم الأسرة فرقا للتحقيق. وفي يونيو حزيران انتقدت أعلى هيئة لمكافحة الفساد في الصين وزارة الصحة وإدارة الغذاء والدواء بسبب مشكلات من بينها تلقي الرشى من أجل صفقات شراء للأدوية. ونظام الرعاية الصحية الصيني مثقل بالمستشفيات المكتظة والفساد وعلاقات تتسم بالتوتر بين الموظفين والمرضى وتكافح الحكومة لتنفيذ إصلاحات فيه.

الاحتجاز والتعذيب

الى جانب ذلك قالت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان وتتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها في تقرير إن حملة مكافحة الفساد التي بدأت قبل أعوام بتوجيهات من الرئيس الصيني شي جين بينغ تعتمد على نظام سري للاحتجاز والتعذيب خارج سلطة نظام العدالة الجنائية الصيني الرسمي. ودعت هيومن رايتس ووتش التي أصدرت تقريرها في هونج كونج إلى إلغاء النظام المعروف بشوانغقوي الذي قالت إنه يشمل انتزاع اعترافات من أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني بالإكراه. وقالت إن 11 شخصا على الأقل وفقا لتقارير إعلامية ماتوا بسبب هذا النظام منذ عام 2010.

وقالت صوفي ريتشاردسون مديرة المنظمة بالصين في بيان "بنى الرئيس شي حملته لمكافحة الفساد على نظام احتجاز تعسفي وغير قانوني." وأضافت "تعذيب المشتبه بهم للاعتراف لن ينهي الفساد وإنما سينهي أي ثقة في النظام القضائي الصيني." وتقول هيومن رايتس ووتش إن التقرير المكون من 102 صفحة هو أول تقرير عن نظام شوانغقوي السري يستند إلى مقابلات مع محتجزين سابقين وأسرهم.

ونقل التقرير عن أحد المحتجزين قوله "ظلوا يطلبون مني تفسير أمور... كم تلقيت من أموال. جعلوني أختلق ذلك. اضطررت لاختلاقه لو لم أفعل لضربوني." ولم تستجب اللجنة المركزية لفحص الانضباط المسؤولة عن مكافحة الفساد ووزارة الخارجية الصينية على الفور لطلب التعليق على التقرير. بحسب رويترز.

وأقرت الحكومة الصينية بوجود مشكلة تعذيب في نظامها القانوني وحاولت مرارا التصدي للأمر وكانت أحدث المحاولات في أكتوبر تشرين الأول. وتعهد الرئيس شي جين بينغ بعد وصوله للسلطة قبل أربعة أعوام بإطلاق حملة للقضاء على الفساد وحذر من أن المشكلة استفحلت حتى باتت تهدد قبضة الحزب الشيوعي الصيني على السلطة. واستهدفت الحملة مجموعة واسعة من كبار المسؤولين بينهم مسؤولون كبار في وزارات وقادة عسكريون وقضاة سابقون وعدد من رؤساء شركات مملوكة للدولة. وأورد تقرير هيومن رايتس ووتش تفاصيل عن عمليات اختفاء واستخدام مفرط للتعذيب شمل الحرمان من النوم والمياه والغذاء فضلا عن استخدام الضرب.

قروض وصور عارية

من جهة اخرى تسربت صور لمئات النساء الصينيات، وهن عاريات، حيث انتشرت بشكل واسع على الإنترنت، وهي صور قدمتها هؤلاء النساء كضمان لأجل الحصول على القروض، ويمكن للمقرضين توجيهها لعائلاتهن في حال عدم تسديدهن ما بذمتهن. وتسرب ملف يحتوي على صور لمئة و67 امرأة على الأقل، وهن عاريات، وقد التقطن هذه الصور بأنفسهن وهن يحملن بطاقات الهوية الشخصية، في مقابل الحصول على قروض عبر منصة الإنترنت "جيدايباو".

وقد أطلقت مواقع إلكترونية في العام 2015، وهي تتيح للمقرضين والمقترضين من الأفراد تحديد المبالغ المقترضة ونسب الفائدة عليها. وجاء ذلك في إطار برنامج قروض أطلق عليه اسم "قروض مقابل التعري". وتتيح هذه المواقع الحصول على قروض قد لا تقبل المصارف منحها عادة. بحسب فرانس برس.

ويتيح موقع "جيدايباو" التكتم على هوية المقرض، لكنه يفرض معرفة هوية المقترض. وفي مسعى لتقليص مخاطر عدم التسديد، اعتمد بعض المقرضين هذه الطريقة وطلبوا من الفتيات إرسال صور عارية لهن لإرسالها إلى عائلاتهن في حال لم يسددن ما بذمتهن. ونفى الموقع مسؤوليته عن هذا الأمر وأكد أن هذه الصور لم تحمل على خوادمه، وأنه لا يملك خاصية تتيح للمستخدمين إرسال صور أصلا. وقال بعد ذلك إنه تعقب هذه القروض وجمد حسابات المقرضين.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الحكم الرشيد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك