الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، شعور غريب انتابني جعلني اترك فراشي وافزع نحو النافذة، السماء كانت ترتدي حلة من السواد الفاحم، والنجوم غيرت مسار رحلتها، طالما اشغلني المنظر وهرب النوم مني، حاولت ان ارتب افكاري واشرع في كتابة شيئا ما قد يكون خاطرة او قصة، واعلم جيدا ان الحزن هو الطراز الذي اضيف عليه صورتي القصصية، فكثيرا ما كان يلازمني في السرد.

قطعني عن الكتابة صوت اخي، فكان صوته عال ولا يخلو من الحزن، اسرعت نحوه والخوف ينخر في جسدي، ماذا حصل، تتصاعد أصوات البكاء من الحجرة، أرُصّ اوراقي إلى صدري وبي رغبة أن أدخلهما إلى قلبي وأغلق عليها، وولولةٌ تتناهى إلى سمعي، فقدت التركيز في الوجوه، حالة اخي كانت عجيبة ساعة ينعى، واخرى يصرخ، وبينها ينظر الى الهاتف ويعلو صرخته المدوية في فضاء البيت، ما بال هذه الليلة، طلبت منه ان يتوقف عن البكاء لعرف ما الخبر؟.

اشار لهاتفه، مترددة خوفا من رؤية شيئا لا اود ان اراه، لكن حالته كانت تدفعني نحو المعرفة، اول صورة ظهرت لي قد نشرت في وسائل التواصل (سيارة محطمة، ودماء على الارض وعمامة سوداء مغبرة على التراب) سحبته من يده نحو الباب قل لي من مات .. من هذا .. هل السادة ال الشيرازي بخير..

بصوت حزين قال لي : لا. لا ليسوا بخير فقد رحل السيد محمد جواد.. وهذه عمامته

تحترق وجنتاي من أثر البكاء، هائمة على وجهي ما هذا الخبر يا الهي، أي ليلة كئيبة هذه، كم تمنيت ان يكون كابوساً وسينتهي، وجهي الشاحب من سماع الخبر، كان دليلا على ظمى روحي، ما شعرت الا بقطرات من الدموع تصل الى فمي، احداث القصة التي كتبتها تدور امامي، و من حولي وتضيق حتى تخنقني، وأكاد أفقد الوعي.

وأهرع كالمجنونة إلى جهاز الهاتف لتفقد عن اخية السيد مصطفى الشيرازي، لأجد ان السيد في حالة غير مستقرة في المستشفى، بينما اسرع اخي نحو النجف الاشرف ليواسي سماحة السيد الاب، يهدأ قلبي لوهلة واسرح في مخيلتي كيف كانت والدته في هذه الليلة، زوجته كيف علمت وماذا فعلت، اولاده ماذا كان جوابهم عندما علموا ان ابائهم قد رحل.

كيف السبيل أن أصل واشارك العزاء معهم، لماذا لا تنطوي المسافات بينا، لا احد يمكنه ان يخفف العزاء وحده الله القادر على الصبر والسلوان، اتجهت نحو اوراقي وكتبت خاطرة تصف حال السيد محمد جواد واسميتها( بوح الخلود) ما انهيت منها حتى سحبت ورقة اخرى وكتبت ( رحل الجواد) الحروف كانت كريمة معي جدا اشعرتني بخجل كبير امام عطائها حتى تيقنت بانها هي الاخرى تشاركني العزاء فتمنحني هذه الكلمات ونقدمها لولده الفقد الراحل الملاك الشيرازي ..

كان يوما مغبر رحلت فيه خيوط الشمس ، خنقتني السماء بسواد سحابها، ابحُتُ بينها لعل هناك من ينير هذه العتمة المخيفة، عكر الظلام روحي، فهي دائمة تخطف مني كل قريب وحبيب ، ابحث عن أبره بين اكوام من القش هكذا كنت ابحث عن النور، شاب رأسي، واحدودب ظهري، فلا أدري كم من العمر سأحتاج لأستوعب ان هذه الظلمة ستعيش معي ؟.

الغروب بدا يخنقني، والظلام يخيفني، اين انت ايها النور؟ في مقلة العين دموع لا تذرف، وخلجات الحزن تتكسر في قاع صدري، فكم أتمنى أن اتوسد تحت التراب عندما تمر ذكراهم ولا اجدهم، تناغي ليلي صورهم ويختفي عني نجمهم، فتحضر الذكريات كعادتها، عامٌ مضى يا ولدي وانا احتضن بقايا الوجع وحنايا العمر، ما انفردت لوحدي إلا وتمثلت أمام عيني بنظراتك الهادئة وبنبرة صوتك الحنونة تناديني، فتفيض عيناي، وما وضعت رأسي على وسادتي الا وكنت حاضرا، تشطرني الذكريات عن ايام حملك ووضعك، عن طفولتك وريعان شبابك، أستحضر كل الشواهد والاحداث، هنا قلت امي هنا جلست، هنا تحدثت معي، عامٌ قضى على رحيلك يا جواد، مازال حرقة فقدك جمرة تسعر قلبي كلما ذكرت اسمك وشاهدت صورتك، عام قضى كئيب طويل، صدى صوتك يناغي مسامعي عند الفجر، سكناتك الهادئة تحفر في ذاكرتي، قرطاسك وعطر ثيابك، يعقوب بكى على ولده حتى ابيضت عيناه من الحزن ويعلم ان ولده يوسف على قيد الحياة، فكيف بحالي يا ولدي وقد دفنت جسدك واحضرت عزائك، هل لي بعودة يا ولدي، لتقر عيني اما ان الرحيل حان، ولا فرار منه، فلا أملك سوى القليل من الدموع ، والكثير من الحسرات قد تقطع نياق قلبي واموت بغصة الحزن عليك يا ولدي، كنت ملاك رحيم، ولكن أين أنت الآن، لقد رحلت عني يا والدي، تاركاً وراءك أنفسا يقتلها الشوق لرؤية وجهك السميح، وسماع صوتك المليح، والتفاؤل بابتسامتك العذراء، ماذا اقول واي شيء اصف فيك، لا املك من القول الا ما ذكره ربي في كتابة (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )كل ما أملكه الآن الدعاء لك كلما ذكرتك، وقراءة سورة الفاتحة، وشمعة اوقدها من نار قلبي، وبيدي امسح على قبرك وارتل ((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ، يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ، خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ، وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ).

اضف تعليق


التعليقات

الشيخ علي العاملي
لبنان
وجدت هنا بوح شفاف يلامس شغاف القلب، وحزن عميق فلا أحد منا يمتلك نفسه عندما يقرأ هذا الرثاء العظيم،
راق لي كثيرا شكراً جزيلاً سيدتي وبالتوفيق الدائم.2016-12-30