شهد التاريخ، في أكثر من واقعة وحدث، أن أعداء الإسلام لم يألوا جهداً في طمس فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ومحو كل ما يمت لهم بصلة، من فقه وفكر وعلوم وأخلاق، ولكن وبعد أن عجزوا عن ذلك، عمدوا إلى هدم آثار أضرحة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) أو تفجيرها أو حرقها، تلك الآثار القيمية والإنسانية التي يؤمها الملايين، فهدموا قبر الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وقبور أئمة البقيع مرات عدة، وأحرقوا حرم الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) ودار الإمام الصادق (عليهما السلام) وضريح الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، وقصفوا قبة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وقتلوا زوارهم ومثلوا بهم، والى اليوم، في وقائع يندى لها جبين الإنسانية، ولكن "يأْبى اللّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ"، فرغم كل تلك الجهود الشريرة لا تزداد آثار أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم إلا علـواً وانتشـاراً، وإن الله (عز وجل) بمنّه وفضله سيكشف هذه الغمة عن أمة نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ولو بعد حين، ويقيّض من يعمّر أضرحة التوحيد والخير المهدمة في عدد من بقاع عالمنا الإسلامي.

في إطار البحث العلمي لمسألة جواز بناء تلك الأضرحة، قدم جمع من علماء الشيعة والسنة الأدلة القاطعة على شرعية إعمار تلك الأضرحة واستحباب زيارتها وحرمة الاعتداء على تلك المشاهد التي يقدسها الملايين في العالم، إلا إن التيار التكفيري -ومنذ مئات السنين- يشن حرباً لا هوادة فيها على عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعها، ولم تنتج نداءات التهدئة ودعوات التعقل تغييراً إيجابياً في منهج التكفيريين وطرق تعاملهم مع الآخرين (فكراً ووجوداً)! فقد سدت تلك العصابات المتطرفة والمتوحشة نوافذ البحث عن الحقيقة التي ربما تكون في مكان آخر غير الذي كانوا يظنون، ورفضوا الحوار مع الآخر، فكل آخر هو جاهل ثم كافر.

وبذلك فإنه ليس للمؤمنين والمؤمنات، في كل مكان، ودعاة الحريات وحقوق الإنسان والسلام العالمي، ليس لهم إلا البحث عن حل لوباء الإرهاب التكفيري الذي يهتك القيم ويفتك بالإنسان في أكثر من مكان.

يقول الفقيه السعيد السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره): "إن من الجفاء للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أن تمر ذكرى هدم أضرحة البقيع المقدسة دون أن نتوقف عندها ونذكر بها وبالمسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين في هذا المجال، فهدم هذه المراقد المطهرة جريمة بكل المقاييس، وهي جريمة تحمل طابع التناقض مع ذاتها أولاً، ومع القيم الدينية ثانياً، ومع الحالة الحضارية ثالثاً، ومع واقع الأمة الإسلامية وتاريخها رابعاً. فإذا كان هدم القبور واجباً شرعياً، فلماذا هدمت بعضها دون بعضها الآخر؟ وإذا كانت الأبنية عليها بدعة وحراماً شرعاً، فلماذا نرى مرقد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ما يزال مشيّداً ولم يؤمر بهدمه إلى الآن؟ ولا نظن القوم يعملون بالتقية في هذا المجال، لأنهم ينكرونها ويقولون إنه لا تقية إلا مع الكفار؟ أم تراهم يكفّرون كل المسلمين، وليس ذلك ببعيد عنهم!".

ويضيف (قدس سره): "لقد كانت المراقد موجودة في مكة المكرّمة والمدينة المنورة حتى في أيام حكم الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم نسمع أنه أمر بهدمها أو نهى عن زيارتها، بل عدّت جزءاً من الشعائر المهمة، ففي مكة قبر لهاجر زوجة النبي إبراهيم (عليه السلام) وكذلك قبر ابنه اسماعيل (عليه السلام)، وفوقه بناء وهو المسمّى اليوم بحجر اسماعيل، وهكذا قبور كثير من الأنبياء (عليه السلام). لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) ولا الذين جاؤوا من بعده بهدم أيّ من تلك القبور. ولا يقتصر وجود المراقد المطهّرة عند المسلمين على الحجاز، بل هي موجودة في أكثر أقطارهم، وهذا هو واقع الأمة وتاريخها الممتد لأكثر من ألف عام!".

والسؤال هنا:

مع بقاء أضرحة البقيع مهدمة الى متى سيكتفي الشيعة بإقامة مجالس الندب ويصدرون بيانات الشجب، والبقيع ما زالت مهدمة وحوادث الاعتداء على الأضرحة متواصلة وأعمال قتل الزائرين لها مستمرة؟!.

وما ينبغي هنا:

ألا يكون احتفاء هذا العام بأحزان ومأساة وفاجعة (البقيع) شكلياً، لابد من التفكير بخطوات (واقعية – عملية) تعطي نتائج على الأرض، فهذا عصر الحريات، وهذا أوان التغيير، ولا مهرب ولا ملجأ لمن ينتهك قوانين العقل والعدل وحقوق الإنسان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0