"وفي سلامة من ديني"؟!

هكذا تساءل أمير المؤمنين؛ علي بن أبي طالب، فور سماعه نبوءة رسول الله بأنه سيقتل على يد المبغضين له، وكان في ختام خطبة النبي على اعتاب شهر رمضان المبارك، عندما بكى، صلى الله عليه وآله، بشكل مفاجئ أمام المسلمين، فسأله الإمام عن ذلك، فأخبره بأنه يُقتل في هذا الشهر، فكان السؤال الآخر من الإمام: "وفي سلامة من ديني"؟ فأجابه، صلى الله عليه وآله: "في سلامة من دينك".

أيّ شخص آخر له شيء بسيط مما كان للإمام علي، عليه السلام، بما في مستوانا في الوقت الحاضر، كأن يكون حظوة لدى مسؤول كبير في الدولة، او رصيد علمي، أو رصيد مالي، أو رصيد سياسي، و يسمع بمن يخبره بخبر كهذا، فان أول ما يفكر به اللجوء الى تلكم الأرصدة، والتشبث بمن تصل اليه يده من اصحاب المناصب والمتنفذين حتى لا يصيبه مكروه، فهو، ربما لن يفكر حتى بأهله واصدقائه، وهذه تبدو مسألة غريزية عند كل انسان محب لسلامته، ومتحذراً من أي خطر يهدد حياته، وهو ما أكده العلماء من أن الخوف من الموت، وكل ما يستدعي في الذهن من مؤشرات عليه، يمثل غريزة إلهية تمكن الانسان من الديمومة والاستمرار في الحياة.

هذه المعادلة التكوينية (الطبيعية) ترافقها معادلة معنوية (روحية) تقدم ما هو أهم من الحفاظ على النفس والاستمرار في الحياة، هذه المعالدة الثانية جسدها أمير المؤمنين بشكل رائع خلال تلك الخطبة التاريخية، ولعله، عليه السلام، يدوّن لنا "شريعة التضحية" بالنفس، ليس فقط خلال المواجهة المباشرة مع جبهة الباطل كما نصّت الآية القرآنية ووعدت المؤمنين بـ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}، وإنما في جبهات أخرى تأخذ اشكالاً مختلفة مع مرور الزمن، فالتضحيات تتنوع، فيما تبقى الغاية ثابتة؛ سلامة الدين، وهو ترجمان مفهموم: "في سبيل الله".

عوامل الايجاد وعناصر التنمية

تبدو القضية سهلة، فثمة أفراد كُثُر في المجتمع الاسلامي يهتفون بالعمل في سبيل الله في إطار نشاطات وأعمال خيرية وثقافية، إنما الذي يعطينا المصداقية أكثر؛ تنمية هذه الروح العابرة للذات والمحطمة للأطر الضيقة للنفس البشرية الحريصة دائماً على سلامة النفس والمال والامتيازات والعقار والعيش الرغيد، لترتقي الى سلامة الدين، وهذا ما بينه سماحة المرجع الديني، آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي –دام ظله- في كتابه "نفحات الهداية" بأن "بلوغ السلامة في الدين أمر ايجادي وتكويني واختياري"، وهذا يبين أن تفضيل الدين على النفس وعلى حياة الانسان يحتاج أولاً: الى قرار وإرادة ثابتة، ومن ثم أيجاد هذه الروح في النفس، وإعطائها المصاديق العملية على الارض، فهذا النوع الخاص من السلامة لا يأتينا بالتمني، لاسيما وأن الانتساب الى الدين يستدعي مميزات اجتماعية تفيد صاحبها بالثقة والاطمئنان بين أفراد المجتمع على سلامة الطوية، وتوفر الايمان ومخافة الله.

ومن نافلة القول في هذا الإطار تحديداً؛ أن أمير المؤمنين في تجلياته الإيمانية الفريدة، وتجسيده للتكامل الروحي، لم يكسب من تدينه الحقيقي والعميق والشامل إلا التهميش، ثم المحاربة، ثم التكفير الى حدّ الموت.

وهذا يدعونا الى توفير مؤهلات السلامة الروحية حتى يتسنّى إيجاد السلامة في الدين، وأن "يكون على نصيب منه –الدين-"، كما يوضح سماحة المرجع الشيرازي في تعريفه المقصود من السلامة في الدين، وهذا النصيب نحصل عليه من خلال الحرص على أمرين: الاول: "الايمان بالطريق والاسلوب ، وهو يعد من أصول الدين"، والثاني: "العمل والالتزام بهذا الطريق والاسلوب، وهو يمثل فروع الدين، من صلاة وصيام، الى جانب المحرمات، والمستحبات، والمكروهات، والأخلاق والآداب".

الجانب العملي في الدين يوفر فرص عديدة على مدار أيام السنة للتنمية الروحية، فالاجواء الروحية لا تقتصر في أيام شهر رمضان المبارك، ولياليه، بل هي ترافق صاحبها مع الصلوات الخمس، الى جانب المستحبات، الى جانب المداومة على قراءة القرآن الكريم والتدبر في آياته، والادعية والزيارات ذات المدخلية المباشرة في حياة الانسان، وفي علاقاته الاجتماعية، "فالمعيار الذي يُعرف به سلامة الدين هو في معرفة مدى استيعاب الانسان لمفاهيم القرآن وكلمات أهل البيت، عليهم السلام".

السلامة وآفاق المستقبل

كما الخدمة الحسينية، سائر أعمال البر والإحسان، والالتزام بالواجبات وتكره المكروهات، والتعبّد والتهجد، لا تضمن لصاحبها العاقبة الحسنة الى آخر لحظة من حياته إلا أن بحرصه الشديد ومواظبته على الحفاظ على هذا المكاسب العظيمة وعدم الاغترار بها طرفة عين، "لان هناك بعض الاشخاص يبدون ظاهراً أنهم يقضون حياتهم في سلامة من دينهم، ولكن عواقبهم في آخر حياتهم تكون الى شرّ"، والسبب في ذلك يبينه سماحة المرجع الشيرازي في عدم اهتمام الانسان بالصيانة الذاتية للجانب الروحي والمعنوي، كما يفعل ذلك في الجانب المادي من حياته، من البيت، والسيارة، وحتى الوظيفة والعمل التجاري، فهذه كلها يطالها التجديد والتحديث والتقوية لئلا يصاب بالتصدّع وربما الانهيار والخسران.

واذا كانت المواد الانشائية لقوام البيت، والتطوير المهني لفرص العمل، فان ثمة طرقاً سريعة من شأنها تعزيز السلامة في الدين منها؛ الورع عن محارم الله التي جاءت في خطبة النبي الأكرم في الإجابة على سؤال أمير المؤمنين بأفضل الاعمال في شهر رمضان المبارك، علماً أن صفات معنوية مثل الورع والتقوى يجب أن تنسحب على سائر أيام السنة الخالية من المناسبات الدينية، هذا الى جانب تعزيز المصداقية للأخلاق العملية، وحسن التعامل مع الناس بما من شأنه ليس فقط تعزيز السلامة في الدين لديه، بل يكون فاعل خير وسبيل معروف للآخرين لأن يتعلموا كيف يطمئنوا على سلامة دينهم الى آخر ساعة من حياتهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0