"من رضي من الله بما قسم له استراح بدنه"
أمير المؤمنين، عليه السلام

اتفق علماء النفس وعلماء الطب على التأثير المباشر للحالة النفسية والروحية على صحة الانسان البدنية؛ سلباً، اذا كانت الحالة انفعالية، وايجاباً اذا كانت انضباطية، ثم توصل علماء الطب الى أن القلق والخوف والتوتر يترك أثره المباشر على الجهاز المناعي ويقلل من كفاءته ويجعله غير ذي تأثير في مواجهة الفايروسات القاتلة، ومنها الفايروس الذي يشغل بال العالم بأسره، وقد احتل حيزاً كبيراً وغير مسبوق من اهتمام علماء الطب، وخيّم بظلاله الكثيفة على مجمل اوضاع العالم، لاسيما الحركة والتنقل، فجمّد حركة الناس، وشلّ حركة وسائل النقل، و تسبب بتثاقل حركة الاقتصاد والتجارة في كل مكان، وقبلها أصاب المنظومة الصحية في العالم المتقدم بالصميم، حيث تتقدم الاحصائيات الى نحو عشرة ملايين مصاب بالعالم، ونصف مليون انسان يلقى حتفه خلال خمسة أشهر فقط.

وبنطرة خاطفة على سجل "كوفيد19" نجد أنه حظي بأهم عامل قوة لم تشهده عناصر من أسرة فايروس "كورونا" في السنوات الماضية وهو؛ القلق، وما يستتبعه من حالات جزع وخوف وتوتر، بينما الحقيقة التي سعى بعض الاطباء والعلماء لكشفها للناس في العالم، إن هذا الفايروس أضعف مما يتصوروه، فهو يعيش على القلق والخوف والتوتر، قبل ان يعيش في الخلايا الحيّة في الانف والحلق، ومن ثم في الرئة، وأن مواجهة هذا المرض ليس في الحجر المنزلي، والاجراءات الوقاية فقط، وإنما هي بالدرجة الاولى في الجهاز المناعي الموجود في الجهاز الهضمي، وما يهدد هذا الجهاز المناعي ويفتح الابواب مشرعة أمام "كورونا المستجد"، هي الانفعالات النفسية التي تأخذ بخناق الناس في كل مكان، الى جانب الاستمرار في فوضى الاطعمة والأشربة التي تهدد ايضاً الجهاز المناعي بالضعف والهشاشة.

فاذا كان الجهاز الهضمي يستقبل الفيتامينات والمعادن ويحولها الى عناصر قوة تعزز الجهاز المناعي وكفاءته، فمن الذي يقف بوجه الانفعالات ويخمدها في مكانها قبل ان تغلق مسارات الشهيّة وتمنع الجسم من الاستفادة من الطعام الجيد والمناعة المطلوبة؟

الرضى يعالج المرض

حالة الرضى يعدها العلماء مرتبة عالية من الإيمان بالله –تعالى-واليقين بالنتائج الايجابية لكل ما يكتبه ويقضيه للانسان في حياته الدنيا او في الآخرة.

والرضى من الناحية اللغوية ربما تكون مقابل الرفض، بيد أنها من الناحية العقدية تعني التسليم المطلق لله –تعالى- مما يعانيه الانسان من محن و بلايا بسبب الكوارث الطبيعية مثل؛ الزلازل والاعاصير والفيضانات، او بسبب الكوارث الصحية، مثل؛ انتشار الاوبئة الفتاكة، وما يسبب ذلك من فقد للأحبة وخسائر مادية كبيرة.

هذا التسليم المطلق لصاحب القوة المطلقة يدخل في نفس الانسان الراحة والطمأنينة والاستقرار، لانه يشعر انه ليس وحيداً في محنته، وأكثر من ذلك؛ يخرجه من "التناقض النفسي مع الواقع الخارجي، وما يسببه من تألم دائم"، (من محاضرة لسماحة الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي).

فالذي يواجه خطر انتشار "كوفيد19" في الوقت الحاضر، يحاول المكابرة والتغلب على المرض بايحاءات نفسية معينة، كأن يحدث نفسه بأنه أقوى من المرض، أو انه بعيد عما يعيشه الناس، بفضل امكاناته وامتيازاته، وفي احيان اخرى، يشكك بوجود المرض اساساً، او يعده لعبة بيد قوى سياسية واقتصادية في العالم، وعندما يجد النتائج على الارض بغير ما يريد ويتمنى، فان مشاعر الاحباط والخيبة ستنال منه يومياً، وتعقد وضعه النفسي، ومن ثم تنشأ الانفعالات والخوف ، بل والتشكيك بكل شيء، والنتيجة؛ مزيد من المعاناة النفسية والآلام البدنية، ثم الانعكاس المباشر على الجهاز المناعي المكلف بمواجهة "كوفيد 19".

الرضى والتسليم لله –تعالى- وحده، من شأنه المطابقة بين الرجاء، والواقع الموجود على الارض، وعدم المطالبة بتغييرات كبرى وآنية على شاكلة تحويل البحر أمام نبي الله موسى وبني اسرائيل، وبقدرة الله –تعالى- الى طريق بري سالك ينزلون فيه ويعبرون الى الجهة الاخرى دون أن تمسهم قطرة ماء، إنما القضية تنطوي على ابتلاء واختبار خاضته الاقوام البشرية، والأمم عبر التاريخ، ولعل في مقدمتهم بني اسرائيل، فكان خطأهم في تقدير نوع الابتلاء الإلهي، وظنّهم أنهم مصطفون أخيار بعد معجز النجاة من فرعون بفضل عصا موسى الاعجازية، وقد خاب ظنّهم في سقوطهم المريع باختبار الايمان والاستقامة عندما عبدوا العجل دون الله، لمجرد ان تركهم نبيهم وشأنهم أيام معدودة.

ولذا نجد الروايات عن المعصومين تؤكد على ثقافة الرضى بقضاء الله وقدره والتسلم المطلق اليه، وعدم التهرّب من الابتلاء والاختبار، ومن أشد هذه الابتلاءات ما يصاب الانسان في صحته وعافيته، فيصاب بعاهة معينة، او يكون عقيماً، او يتعرض لمرض عضال يواكبه فترة طويلة وهو على فراش المرض حتى الموت، فضلاً عن الابتلاء بلقمة العيش وأزمة العمل وايضاً السكن، وغيرها مما يتوقعه الانسان لراحته وهنائه في الحياة.

وكم من معسر في حياته واجه الازمات والابتلاءات بالتمرد على واقعه، مما يسبب الضغوط على نفسه وعلى المحيطين به، فتنتج الامراض مثل؛ القرحة في المعدة، وما يُعرف بالقولون العصبي، وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل في القلب والجهاز العصبي والدماغ.

ينقل الفقيه الشيرازي –طاب ثراه- حكمة من أحد العلماء بأننا نقرأ في أدعية السحر أيام شهر رمضان المبارك: "و رضّني من العيش بما قسمت لي"، وذلك بشكل عابر، بينما نطبق العبارة المعاكسة لها في حياتنا دونما شعور؛ "إقسم لي من العيش ما هو رضىً لي"، فالانسان المحب للمال والبنين والجنس والجاه بشكل غريزي، يرجو دائماً الحظوة بها جميعاً او إحداها، ولكن في لحظة غفلة عن حقيقة نفسه، وأن الامور في الحياة ليست كلها طوع إرادته، إنما هي بيد الله –تعالى-، فهو الذي يحدد مصلحة الانسان، لانه عارف بنفسه، وبمصيره ومستقبله، وليس الانسان الذي يجهل ما يحدث غداً.

وهذا لا يعني القبول بالمعاناة والمحن في الحياة مطلقاً، فالله –تعالى- يستجيب لعباده المؤمنين دعائهم وتوسلاتهم بتغيير أحوالهم الى أحسن الحال، وحسب قول ذلك العالم فان "النتيجة واحدة، سواء قسم الله للإنسان من العيش ما هو رضىً له، أو رضّاه بما قسم له، مع فارق أن الأول فيه ثواب و أجر، أما الثاني ربما لا يكون فيه ثواب ولا أجر".

إن الراحة النفسية والمعنوية قرينة للراحة البدنية، وضمان السلامة، بل هي وسيلة لدفع ما يهاجم الانسان، ليس الفايروس الذي دوّخ شعوب العالم، وإنما أخطر الامراض واكثرها فتكاً عندما يتيقن الانسان أن هذه الامراض بمنزلة قاعة اختبار لمستوى التكافل الاجتماعي والتواصل والتراحم بين افراد المجتمع الواحد، بل والامة الواحدة، واحياناً بين الأمم المتباعدة، كما لاحظنا كيف أن المجتمع الايطالي اكتشف لأول مرة في تاريخه بأنه كان مخدوعاً بعضويته في المنظومة الغربية، وفي المؤسسات الاقتصادية الاوربية، فقد سقط صريعاً امام "كوفيد19" في الاشهر الاولى من انتشار المرض في العالم، فيما كانت اوربا كلها تتفرج على موت مئات الايطاليين وإصابة الآلاف رغم نداءات الاستغاثة والنجدة التي أتتهم ليس من فرنسان وبريطانيا والمانيا، وإنما من الصين وروسيا في أقصى الشرق.

فاذا استفاد الايطاليون من هذا الاختبار، فحريٌ بنا الاستفادة ايضاً ونحن نحمل كل هذا التراث الحضاري العظيم، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: "إرضَ تسترِحْ"، و يقول الإمام الصادق، عليه السلام: "الروح والراحة في الرضى واليقين، والهم والحزن في الشك والسخط أو السُخط"، فاستيعاب المرض بروح رياضية ورضى نفسي كامل، يؤهلنا لمزيد من التماسك الاجتماعي والتواصل بين ابناء المجتمع الواحد، وبين المجتمعات والشعوب.

الدعاء نقاهة الروح والبدن

إن الرضى بقضاء الله وقدره لا يعني الانطواء على النفس والقبول بالواقع المرير، لان الاوبئة وسائر الكوارث التي تصيب البشر تبقى امتحانات وابتلاءات وليست الحياة الطبيعية التي ارادها الله –تعالى- للانسان، وفي القرآن الكريم نقرأ أن الجبال والبحار والحيوان والنباتات، وحتى الشمس والقمر والنجوم والفضاء جعلها الله في خدمة البشر ليعيش بسعادة وهناء في حياته، إنما يجري القضاء الإلهي على البعض بتعريضه لبعض الابتلاءات التي نؤمن أنها لن تكون إلا لمصلحة مرصودة للانسان من قبل الله –تعالى-، كما في قصة الخضر مع نبي الله موسى، وكيف أنه قتل الولد، وثقب الزورق، وأقام الجدار في قرية رفضوا ان يضيفوهما، وكما في إبقاء نبي الله زكريا عقيماً حتى تجاوز التسعين من العمر، ثم رزقه بالولد عندما {نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً}، أي دعا ربه بصوت خافت لئلا يُشرك ربه أحداً في طلب الولد، وكان له ذلك.

ويؤكد العلماء أن القضاء المبرم ربما يتغير بالدعاء والتضرع الى الله –تعالى- بأن يغير الحال ويزيل المرض والوباء بمصلحة أخرى فيها رضى الانسان ورضاه –تعالى- كما يحصل مع الصدقة التي "تدفع البلاء المبرم"، كما في الحديث الشريف، لأن في الصدقة حركة اقتصادية واجتماعية في آن، تغير من الحالة النفسية للفقير ولأسرته، مما ينعكس على المجتمع بأسره، وهذا التغيير هو الذي يغير البلاء المبرم، حتى وإن كان صاحبه على حافة الموت.

والدعاء الذي نرجو ان يكون هذه الايام بمنزلة فترة نقاهة روحية لنا، يخترق الحجب عندما يكون بنفوس بعيدة عن القلق والاضطراب والتشكيك، مفعمة بالحب والطمأنينة بقضاء الله وقدره، وإسداء الشكر له عل كل حال.

وما أروع ما نقرأه من دعاء مما جاء في أعمال النصف من شعبان: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به رضوانك، ومن اليقين من يهون علينا به مصيبات الدنيا، اللهم امتعنا باسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثارنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا يا أرحم الراحمين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8