يولد الانسان وينمو مع مرور الزمن، وتنمو معه الرغبة الجامحة للنجاح في الحياة؛ من الحصول على الاشياء، ثم النجاح في تحقيق الذات وسط محيطه الاجتماعي، ثم النجاح في طلب العلم، وفي الحياة الزوجية، وفي علاقاته الاجتماعية، وفي ميدان العمل.

وعكف العديد من علماء النفس على دراسة الطرق والوسائل لتحقيق هذا النجاح، وكان التركيز على الجهد الذاتي، وامكانية التوصل الى الحقائق والحكم على الاشياء من خلال التجربة الشخصية الحسيّة، بما يكشف الحد الفاصل بين الصحّ والخطأ، او بين الحق والباطل، وليست ثمة حاجة لعامل خارجي يعين على تحقيق مهمة الكشف هذه، كأن يكون من المقربين؛ مثل، الابوين، او الاصدقاء، او الحكماء في المجتمع، فبالامكان دائماً تحقيق النجاح والتغيير ذاتياً بغضّ النظر عن النتائج.

بين النصيحة والتجربة

يستند الكثير في العالم على دور التجربة في تحقيق النجاح في شتى المجالات، ويعزون تقدم مسيرة العلم ومسلسل التطورات المتلاحقة بشكل مذهل، الى فضل التجارب الحسيّة التي كشفت لهم آفاقاً واسعة في امكانية الحصول على امكانيات وقدرات لم يتوقعها الانسان طيلة القرون المتمادية، وهذا في جانب منه صحيح جداً عندما يتعلق الأمر بالمرحلة اللاحقة للنجاح في الانتاج وتحويل الافكار والنظريات الى واقع عملي ملموس، كما فعل العالم الكيميائي الفرنسي لوئي باستور عندما اكتشف بتجاربه جرثومية الامراض، وهو أول من ابتكر تعقيم الحليب، ثم الحدّ من الوفيات في بلاده من حمّى النفاس واعداد اللقاحات من داء الكلب والجمرة الخبيثة، وبذلك أسس علم الاحياء الدقيقة في العالم. وفعل الشيء نفسه توماس اديسون بتجاربه المتعددة للتوصل الى طريقة توهج المصباح لفترة طويلة، وهي المسيرة ذاتها التي أمضاها جميع العلماء والمكتشفين في العالم.

أما في مرحلة التأسيس الفكري، وتحديد الرؤية الكاملة للحياة، فان التجربة المادية لن تكفي لتحقيق النجاح في الحياة، إنما المعايير الثابتة في النفس البشرية هي التي تعيننا للتوصل الى الطريق الصحيح، وهي تسمى في الادبيات الحديثة "المسبقات الفكرية"، وفي المصطلح الديني، وتحديداً في القرآن الكريم؛ "السنن الإلهية"، فمسائل مثل؛ العلم باستحالة التناقض والصدفة، وقبح الظلم والشر، وإمكانية الخلق والإبداع، وحسن العدل والخير، لم تكن من المسلّمات من خلال التجربة، وإنما من نور العقل الكاشف لهذه الحقائق.

مع ذلك؛ نلاحظ البعض يسعى جاهداً للخروج من هذه المسلّمات والقوانين الثابتة والنابعة من فطرة الانسان، وحثّه، او الإيحاء بامكانيته صنع مسلّمات وقوانين خاصة به تتفق مع ظروفه المكانية والزمانية، ولعل أقرب مثال على ذلك؛ تداعيات السفور لدى النساء، فقد طرح السؤال الطويل – العريض منذ سنوات مديدة حول مصداقية الاضرار الناجمة عن تخلّي المرأة عن الحجاب، وأن ظهور المرأة بشعرها ومفاتنها في الشارع يؤدي الى إثارة الغريزة الجنسية لدى الرجل، وتعزيز احتمالات تعرض هذه المرأة لمختلف انواع المضايقات، تصل احياناً على الاغتصاب، وما يسمى تخفيفاً هذه الايام "التحرّش الجنسي"؟ ونفس المحاججة طرحها اصحاب القنوات الفضائية فيما مضى من الزمن، وحتى الصحافة الاباحية قبل أن تدور الدائرة عليهما، بأن بالامكان تغيير القناة، او عدم اقتناء هذه المجلة او ذاك الكتاب، وقد لاحظنا مؤخراً كيف علت أصوات الاحتجاج عبر العالم حول الاضرار الكارثية للاباحية الجنسية في وسائل الاعلام، وفي مقدمتها اليوم؛ الانترنت، بقرار تتخذه الصين –مثلاً- لحجب المواقع الاباحية عن حوالي مليار انسان لديها.

وفق هذا المنهج انزلق العالم نحو تجارب مريرة لم يكن يفترض الخوض فيها لو لجأ الى العقل والنور الكاشف الحقائق، منها؛ مسألة تحديد النسل، بل وحتى النظام السياسي الشائع في العالم تحت اسم "الديمقراطية"، الذي وصفه السياسي البريطاني المعروف؛ ونستن تشترشل، بأن "افضل الخيارات السيئة"، كل ذلك؛ لان العالم المتحضر والمتوثب نحو التطور العلمي، عدّ ما يتوصل اليه من نتائج وأحكام هو ذات العقل، لذا لم يكن ليسمح –حتى الآن- بالتشكيك بهذه الاحكام والاستنتاجات التي توصل اليها، كونها منتهى العقل، بينما في الرؤية الدينية، وما نزلت به الرسالات الإلهية فان النور الموهوب إلهياً مع تدرجه في العمر، هو الذي يساعد العقل على اكتشاف حقائق الحياة والكون، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: "العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء".

النصيحة، تجربة جاهزة

السؤال الذي يقفز امامنا: كيف تكون النصيحة؛ وهي حديث من إنسان الى نظيره الانسان، بمنزلة التجربة العملية الجاهزة له؟ واذا صحّ ذلك، كيف الحصول عليها؟

بالنظر الى دلالات هذه المفردة الدينية ذات البعد الانساني، يكون الاجابة الى السؤال الثاني أولى ومؤسس للاجابة على الأول، لاسيما اذا عرفنا أن النصح في اللغة يعني؛ الصدق والإخلاص، فاذا عرفنا حقيقة النصح على أنه كلام خالص ونقي من الغشّ، ومدعاة للصدق في الغاية، حينئذ نعرف كيف يتحول الى تجربة عملية جاهزة يقدمها الأب أو المعلم أو الصديق لمن يحبونه ويعتزون به.

فالقدرة الذاتية على التفكير والتدبير والابداع، لا تلغي بأي حال من الاحوال الحاجة الى وجهات نظر الآخرين، ومشاورتهم، بل إن النصيحة من شأنها ان تعضد هذه القدرات الذاتية وتحصنها من الخطأ، اذ ليس بوسع الانسان الإحاطة بكل شيء، كما لا يمكنه رؤية نقطة سوداء على وجهه إلا عندما يواجه شخصاً آخر ينبهه على ذلك، كذلك الحال بالنسبة للتجارب العملية التي مر بها الكبار في ميادين الحياة، وما فيها من مطبّات واخفاقات بالامكان تجنبها بفضل النصيحة، كما يحصل أن يلوم البعض، البعض الآخر على عدم تنبيهه بوجود عامل فشل في الطريق، وإلا لما كان ماضياً فيلحق به الضرر المادي او المعنوي.

وجدوائية النصيحة نعرفها من خلال وجودها في منهج الانبياء والرسل عبر التاريخ خلال تعاملهم مع مجتمعاتهم بغية الهداية الى التوحيد وتجنب الانحرافات والمظالم، والغريب أن هذه المفردة الرائعة أوردها القرآن الكريم في قصة تمرّد ابليس على الخالق –عزّوجلّ- بعدم السجود لآدم، عليه السلام، فقد تقمّص ابليس رداء الناصحين لغواية آدم وزوجته حواء وإخراجهما من الجنة، وفي الآية الكريمة من سورة الاعراف جاء أن ابليس أقسم لهما بـ {إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ}! فصدّق آدم هذه النصيحة، وحسب الروايات عن المعصومين، أن آدم لم يتصور أن هنالك من يجرؤ على الكذب في الجنة!

وفي نفس هذه السورة، وردت مفردة النصيحة في آيات عديدة تبين أن أكبر ما قدمه الانبياء لمجتمعاتهم؛ النصيحة، وهي مجموعة محاذير من منزلقات سقطت فيها أقوام سابقة بسبب كفرهم وطغيانهم وظلمهم، ولكن مشكلة البشر دائماً (العزّة بالإثم)، والنتيجة: (وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).

وفي النظام الاجتماعي في الاسلام نجد النصيحة تمثل حقّاً مسلّماً لإفراد المجتمع، بعضهم على بعض، بنصّ حديث النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، عندما قال للمسلمين: "من حقّ المسلم على أخيه المسلم النصيحة"، والحديث المروي عنه أيضاً: "المؤمن مرآة أخيه المؤمن".

هذه النصيحة الصادرة من مقربين وبدوافع مخلصة، ونوايا صادقة، تمثل نتاجاً لما اكتشفه عقول الآباء والكبار في السنّ من حقائق وقوانين، وايضاً من ظواهر مروا بها في سني حياتهم الماضية، فالمسألة لا تعود لظواهر الامور، كأن يكون الأب أمي يعود الى سنوات الظلام، والابن متعلم من جيل ثورة الاتصالات، أو أن الأب –مثلاً- كان يسكن الريف ويعيش حالة شبه بدائية بوسائل متواضعة، فيما يحيط بالإبن مختلف وسائل الراحة، وكل شيء لديه يعمل بالأزرار، بل وبالبصمة، من السيارة الى فتح باب الدار، وفتح باب الثلاجة، والإنارة و... القائمة تطول، إنما في مخاطر الانقياد خلف الغرائز والنزعات النفسية، أو في مخاطر أكل المال الحرام، سواءً من الربا، او من حقوق الآخرين، وما له من آثار تكوينية على افراد الأسرة في سلوكها وطريقة تفكيرها.

وربما تكون الارقام المخيفة للطلاق في صفوف الشباب، وبعد ايام قلائل على زواجهم، احد نتائج تراجع النصيحة في مقابل التقدم السريع في الزواج القائم على العلاقات خارج إطار الأسرة وفي أجواء متعددة في الوقت الحاضر، وكذا الحال بالنسبة لكوارث اخرى يشهدها المجتمع والامة برمتها والسبب: "دعنا نجرّب"! حتى وإن بقينا في ظلام الجهل والغفلة! في حين وهبنا الله –تعالى- نعمة العقل وسهولة الاستفادة منه للحؤول دون السقوط في مهاوي الفشل، ثم التطلع الى مراتب النجاح، بل والتفوق في الحياة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1