استقبلت المملكة العربية السعودية أكثر من مليوني مسلم قدموا من مختلف بقاع الأرض لأداء مناسك الحج في أحد أكبر التجمعات الدينية في العالم والتي تجري هذا العام بحسب بعض المصادر في أجواء من الحر الشديد. وبحسب الاحصائيات الرسمية ويشارك هذا العام أكثر من مليوني مسلم في الحج مقابل 1,86 مليون حاج في 2016 و24 الفا فقط في 1941. ويؤدي الحجاج الطواف حول الكعبة مع بداية الشعائر، ثم يقومون بالسعي بين الصفا والمروة قبل أن يتوجهوا إلى منى في يوم التروية، ومنها إلى عرفات على بعد عشرة كيلومترات.

وبعد يوم الوقوف في عرفات، ينزل الحجاج إلى منطقة مزدلفة في ما يعرف بالنفرة، ويجمعون الحصى فيها لاستخدامها في شعيرة رمي الجمرات. وفي اليوم الأول من عيد الأضحى، يقوم الحجاج بالتضحية بكبش ثم شعيرة رمي الجمرات في منى. ويشكل الحج تحديا لوجستيا كبيرا للسلطات السعودية التي اعلنت أنها مستعدة لتأمين حسن سيره.

ويترافق الحج عادة مع تدابير أمنية مشددة، إذ تخللته خلال أعوام سابقة حوادث تدافع أودت بحياة 2300 شخص في 2015، بينهم عدد كبير من الحجاج الإيرانيين. ويشارك حجاج إيرانيون في مناسك هذا العام، بعد أن كانت طهران علقت مؤقتا إرسال مواطنيها إلى الحج بعد حادثة. كما أكدت السلطات السعودية هذه السنة السماح للحجاج القطريين بحضور الحج.

ومرّ موسم الحج العام الماضي من دون حوادث كبرى، إلا أن الأزمة مع قطر ألقت بظلالها على الحدث الديني السنوي وتبادلت الرياض والدوحة الاتهامات بتسييس المناسك. وكانت الإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين ومصر قد قطعت علاقاتها مع قطر في الخامس من حزيران/يونيو 2017 بعدما اتهمتها بدعم "الإرهاب"، وهو ما تنفيه الدوحة. واتخذت هذه الدول إجراءات عقابية بحق قطر. كما تأتي مناسك الحج هذا العام بينما تشهد السعودية موجة غير مسبوقة من التغييرات والاصلاحات المختلفة، بينها السماح للسيدات بقيادة السيارات الذي بدأ تطبيقه في حزيران/يونيو الماضي، وانفتاح على الخارج، ووسط أزمات سياسية وامنية داخلية وخارجية مستمرة.

والحج ايضا هو العمود الفقري لخطة تهدف لتوسيع السياحة في إطار حملة لتنويع اقتصاد المملكة بعيدا عن النفط. ويحقق الحج والعمرة عائدات للسعودية بمليارات الدولارات نظير الإقامة والتنقل وشراء الهدايا والرسوم التي يدفعها الحجاج والمعتمرون. ويهدف المسؤولون إلى زيادة عدد المعتمرين إلى 15 مليونا والحجاج إلى خمسة ملايين بحلول عام 2020 ويأملون في مضاعفة عدد المعتمرين مجددا إلى 30 مليونا بحلول عام 2030.

بين الحرب والخلاف

وفي هذا الشأن نسي هشام مصطفى للحظات الحرب في وطنه سوريا ومتاعبه المالية وهو يتطلع للمرة الأولى إلى أقدس البقاع الإسلامية ويقف وسط مئات الآلاف من المسلمين في ملابس الإحرام البيضاء والذين تجمعوا في مكة لأداء فريضة الحج. وقال مصطفى البالغ من العمر 50 عاما وهو ينظر إلى الكعبة ”أول مرة أرى الكعبة والمسجد الحرام... أفضل شعور في حياتي شعوري بالحج لبيت الله الحرام“. وسافر المحاسب السوري إلى السعودية قادما من تركيا التي عاش فيها خمس سنوات منذ فر من حلب بسوريا. وقال ”الحرب دمار لكل شيء... الحياة في تركيا صعبة ويدوب (بالكاد) المصروف بيكفي“. لكنه استطاع أن ينضم إلى نحو مليوني مسلم، بينهم 1.68 مليون من خارج السعودية، يتوافدون على مكة من أجل الفريضة.

وقال نايف أحمد، وهو يمني عمره 37 عاما، إنه اضطر لبيع قطعة أرض في بلده من أجل الحج. ويشهد اليمن حربا بالوكالة منذ ثلاث سنوات بين السعودية وإيران. وقال أحمد وهو جالس ينظر إلى الكعبة ”بسبب الحرب الأسعار غالية جدا... لكن أشعر هنا بالراحة والطمأنينة... أدعو الله أن تنتهي الحرب“. وتقرن السعودية سمعتها برعايتها لأقدس الأماكن في الإسلام وتنظيم أداء الحج في سلام. وشهد موسم الحج من قبل تدافعات مميتة وحرائق وأعمال شغب.

وقال متحدث باسم وزارة الداخلية إن الوزارة اتخذت إجراءات لمواجهة أي تهديد أمني من هجمات المتشددين إلى الاحتجاجات السياسية، لكن لم يتم رصد تهديدات بعينها. وقال المتحدث منصور التركي”أنظمتنا تمنع أي أعمال تخرج عن مناسك الحج وتمنع أي أعمال يمكن أن تؤثر على سلامة الحجاج أو تؤثر على أدائهم لنسكهم“.

من جانب اخر اتهمت قطر السعودية بمنع القطريين من الحج هذا العام، وهو أمر تنفيه الرياض، فيما قالت الدوحة إن نزاعا دبلوماسيا لن يمنع مواطنيها من أداء الفريضة. وعلى الرغم من أن نظام الحصص يجعل من حق 1200 قطري أداء الحج فإن قطر تقول إن استخراج التصاريح أصبح من المستحيل ملقية باللوم على قرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع الروابط التجارية والدبلوماسية مع الدوحة.

وقال عبد الله الكعبي من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بقطر التي تديرها الدولة إن السعودية أغلقت نظاما إلكترونيا تستخدمه وكالات السفر للحصول على تصاريح من أجل الحجاج القطريين. وأضاف”ليس أمام مواطني قطر وسكانها أي فرصة هذا العام للسفر لأداء الحج... مازال إغلاق تسجيل الحجاج من دولة قطر مستمرا ولا يستطيع سكانها الحصول على تأشيرات لعدم وجود بعثات دبلوماسية“. وقال مسؤول سعودي إن قطر حجبت عددا من روابط التسجيل المخصصة لحجاجها.

وقال مسؤول في وزارة الحج السعودية إن مجموعة من القطريين وصلت لأداء الحج ، لكنه لم يحدد عددهم ولا ما إذا كانوا قد جاءوا مباشرة من قطر. وأضاف أن 1624 قطريا أدوا شعائر الحج العام الماضي. وقالت السعودية إن الحكومة القطرية تستغل القضية لأهداف سياسية. وقال المسؤول السعودي، مشترطا عدم الكشف عن هويته، إن الرياض ”ترفض بأي شكل من الأشكال تسييس الحج، أو إقحام الخلافات السياسية“ في الحج.

وقالت السعودية إن بإمكان الحجاج القطريين القدوم عن طريق أي شركة طيران عدا الخطوط الجوية القطرية. لكن ثلاث وكالات سفر في الدوحة قالت إنها توقفت عن محاولة بيع برامج الحج، مما قد يكلفها ما يصل إلى 120 ألف ريال (33 ألف دولار). وقال مدير في إحدى وكالات السفر بالدوحة، رافضا الكشف عن هويته نظرا لحساسية المسألة ”خسرنا العام الماضي أموالا كثيرة بسبب بدء الأزمة بعدما حجزنا كل شيء في مكة والمدينة واضطررنا لإعادة المال للناس“. وأضاف ”أما هذا العام، فلا أحد يحاول فعلا لأن الناس أدركوا أنه لا سبيل للذهاب إلى هناك في ظل هذه الظروف“. بحسب رويترز.

وكانت الرياض قد قررت فتح الحدود البرية مؤقتا من أجل الحج العام الماضي، لكنها لم تفتحها هذا العام. وقالت وكالة سفر تقدم خدمات للعمالة المهاجرة في الدوحة إن الأمر أضر بعملها. وقال مدير الوكالة ”نبيع رحلات حج بالحافلة مع الإقامة مقابل نحو 12 ألف ريـال... لكن ليس بمقدور أحد الحصول على تأشيرات والحدود البرية مغلقة لذا لا توجد أي حجوزات هذا العام“.

الحج الذكي

الى جانب ذلك أطلقت السلطات السعودية هذا العام مبادرة "حج ذكي" الذي يتمثّل بتطبيقات هاتفية تساعد الحجاج في كل شيء من الترجمة إلى الخدمات الطبية مرورا بمناسك الحج. ووضع الهلال الأحمر السعودي تطبيق "أسعفني" لمساعدة الحجاج الذين يحتاجون إلى مساعدة طبية عاجلة. وبإمكان السلطات تحديد مكان الحجاج باستخدام التطبيق. كما أطلقت وزارة الحج والعمرة تطبيق "مناسكنا" للترجمة للحجاج الذين لا يتكلمون العربية ولا الإنكليزية.

واستغلت السعودية التكنولوجيا لإدارة تدفق ملايين الحجاج في نفس المكان وفي نفس الوقت. ويشمل ذلك أساور إلكترونية تحدد هوية الحاج مرتبطة بنظام تحديد المواقع العالمي (جي.بي.إس) بدأ استخدامها بعد مقتل المئات في حادث تدافع في 2015. كما أطلقت وزارة الحج والعمرة تطبيق "مناسكنا" للترجمة للحجاج الذين لا يتكلمون العربية ولا الإنكليزية. ويعدّ الحج من أكبر التجمعات البشرية سنويا في العالم. ويشكل أحد الأركان الخمسة للإسلام. وقال محمد بنتن وزير الحج والعمرة السعودي ”الآن هناك أجندة إلكترونية متكاملة لكل حاج أو معتمر. أيضا وفرنا تطبيقات... بإمكانهم استخدامها للإرشاد“. وأضاف ”لدينا أكبر أسطول للحافلات لنقل الحجاج، ما يزيد على 18 ألف حافلة جميعها مرتبطة بنظام تحكم يحدد مواقعها“. وتابع قائلا إن القطار السريع الذي يربط بين مكة والمدينة اكتمل ويجري اختباره الآن.

ودخلت السعودية موسوعة غينيس للأرقام القياسية كصاحبة أكبر عدد من المشاركين في "هاكاثون" مسابقة البرمجة العالمية المرموقة، والتي خصصت هذ العام لموسم الحج. وانضم نحو ثلاثة آلاف مبرمج من كافة دول العالم للفعالية التي أفضت لابتكار حلول تكنولوجية متقدمة لتجاوز عوائق عادة ما يشهدها موسم الحج.

واجتمع مبرمجون من أنحاء العالم في السعودية للعمل على ابتكار حلول تكنولوجية متقدمة للعوائق التي عادة ما يشهدها موسم الحج، ضمن مسابقة برمجة ماراتونية، "هاكاثون الحج"، نظمت بالتزامن مع بدء توافد الحجاج إلى المملكة. وتنافس آلاف المبرمجين المتخصصين والطلاب لساعات طويلة في قاعة في مدينة جدة الساحلية غرب المملكة، ضمن فاعليات أول "هاكاثون"سعودي، قبل بدء موسم الحج التي يتوقع أن يشارك فيها أكثر من مليوني شخص.

وانكب المبرمجون في جدة طوال36 ساعة ومن دون توقف على حل معضلة رئيسية من خلال توظيف التكنولوجيا :كيفية تفادي حوادث مميتة في المستقبل؟ وعملت مجموعة مؤلفة من خمس شابات منقبات من السعودية واليمن وإريتريا على تصميم تطبيق يتيح للمسعفين سرعة الوصول إلى الأشخاص الذي يحتاجون إلى مساعدة طبية عبر استخدام تكنولوجيا التعقب الجغرافي. وتقوم فكرة التطبيق على إعطاء الأولوية للحجاج الذين يحتاجون لمساعدة طبية أكثر من الآخرين.

وقام أربعة طلاب ببرمجة تطبيق هو عبارة عن "مقود افتراضي" يساعد حامله على تحديد موقع أقربائه المفقودين، مستعينا بسوار يعمل بتقنية "بلوتوث". كما صمم أربعة سعوديون جهاز استشعار ينذر عمال النظافة عندما تمتلئ أكياس النفايات. واستخدمت نساء سعوديات رموز برمجة وحلولا حسابية متقدمة من أجل تصميم تطبيق يساعد الحجاج الذين لا يتحدثون اللغة العربية على ترجمة التعليمات إلى عدد من اللغات من دون الحاجة إلى وجود شبكة الإنترنت. بحسب فرانس برس.

وصرحت نوف الراكان المديرة التنفيذية للاتحاد السعودي للأمن السيبراني الذي نظم الفاعلية "هدفنا تطوير تجربة الحجاج من كل أنحاء العالم". وتابعت "هذا (التجمع) يغني تجربتهم ويمنحنا الكثير من الأفكار والحلول التي يمكن أن نعتمدها ونستثمر فيها". ويقول كريتسيان أولريشسان الباحث في معهد "بيكر "الأمريكي إن "السلطات السعودية تواقة لتفادي حوادث الماضي التي قد تؤثر سلبا، لو تكررت، على فكرة ترسيخ مفهوم الحداثة المرتبط بولي العهد الأمير محمد بن سلمان". ومن خلال "رؤية 2030" التي طرحها، يسعى الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى وقف ارتهان الاقتصاد السعودي، الأكبر في المنطقة العربية، للنفط عبر تنويع مصادره وبينها تعزيز السياحة الدينية عبر استقطاب ستة ملايين حاج خلال موسم الحج و30 مليون معتمر على مدى العام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1