بينما يبحث بعض الناس عن التطورات الجديدة كي يتعلم ويتطور، هناك آخرون يحفرون الأرض وينبشون التاريخ كي يحصلوا على معلومات وعلوم جديدة، إذ هناك صلة بين الماضي والمستقبل لارتقاء الإنسان وتطوره، لذلك نلاحظ اهتماما كبيرا للدول والشعوب بآثارها الباقية من الأزمنة الغابرة، وهي تحترم ماضيها لتكون أقوى وأفضل من الدول التي تتخلص من الماضي والآثار.

كما أن هناك علم يُسمّى بعلم الآثار (Archeology)، وهو علم يهتم بدراسة ماضي وتاريخ المجموعات الإنسانية السابقة، والموروث المادي للإنسان "فالآثار تزودنا بأخبار الأجيال السابقة وكيف كانوا يعيشون ويبين لنا دائرة اهتماماتهم وما وصلوا إليه من تطور في العلوم المختلفة، وتبين هناك تاريخ عظيم يكمن في معرفة الأجداد والآباء ومن سكنوا هذه الديار سابقاً، حيث من خلال هذه المعرفة يستطيع الإنسان أن يكون أكثر نجاحاً في المستقبل، لذلك يعد علم الآثار والتاريخ محط اهتمام الغربيين في عالم اليوم، وكما نرى العكس يحدث في الدول الشرقية أو معظمها حيث أن الآثار تُسرق أو تدمَّر كي يضيع الفرد ويتيه في عالم مجهول فلا يعرف ما حدث في ماضيه وكيف كانت أرضه مهبط العلم والارتقاء.

تلعب الآثار دوراً مهماً في تكوين هوية المواطن، حيث يجد الانتماء إلى أرضه أكثر فأكثر أو إلى دينه.. من هنا تكون أول خطوة لأجل الخلاص من أية ثقافة أو أي شخص أو أي شيء، هي محو الآثار التي تعود إليه، ففي هذه الحالة سوف ينسى الأشخاص الموجودين في هذا الزمان ما حدث من جرائم في حقهم بمرور الزمن، وتأتي الأجيال اللاحقة ولا تدري ماذا حدث في أرضهم عبر التاريخ؟ وكيف حدث!.

وهنا ندرك السبب وراء تخريب قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام في البقيع الغرقد، لأن الهدف من ذلك هو إخفاء التاريخ وتضليل الأجيال وإخفاء مناشئ المصادر عن أراضي المسلمين، وفي هذه الحالة تصبح الأفكار والقيم الناشئة بالية حيث ينظرون إلى الخراب في كل بقعة من بقاع أرضهم ويكرهون التواجد فيها.

ولم يكن الجيل اللاحق هو الهدف الأساسي من وراء فاجعة الهدم، وانما الهدف هو القضاء على الإسلام وإخفاء طريق الحق وتضليل الناس عن طريق خلق معلومات وفتاوى جديدة لم تكن لها أي أثر فيما مضى من زمن الرسول صلى الله عليه وآله إلى القرن السابق، فتدمير الآثار الإسلامية يفتح المجال لانتهاكات أخرى والتعدي بما لا يجوز.

تعظيم العظماء وتقديسهم

في كل بقاع الأرض نجد بأن العظماء يدفنون في أماكن خاصة حيث يعظم ذلك العظيم ليبقى اسمه مخلّدا ويكون أسوة للآخرين، ولكن ما حدث في البقيع كان خطة مدروسة لمحو اسم أصحاب الحق وأئمة أهل البيت عليهم السلام، كي لا يثير التساؤل لمن يتشرف للحج وزيارة النبي صلى الله عليه وآله، فهذه القباب كانت تثير السؤال في نفس الزائر كي يعرف من هؤلاء ويجد رأس الخيط ليصل إلى الحقيقة ولكن بعد القضاء عليها لن تكون هناك تساؤلات وهذا من أهم أهداف فاجعة هدم قبور البقيع!.

ونرى في أماكن أخرى هناك قباب ومراقد لأهل السنة لم يتم تدميرها، ونلاحظ هنا التناقض الواضح، وسنعرف الحقد الدفين الذي دفع بهؤلاء للقضاء على قبور أئمة البقيع وبعض الآثار الأخرى حيث هدم الوهابية قبور الأئمة وتركوا آثارا أخرى وجلسوا على جانب.

إذاً فهدم البقيع يتناقض مع الحالة الحضارية، حيث نجد أن العالم يهتم بآثاره وقبور عظمائه ويحاول أن يحتفظ بآثاره ويسلط الضوء عليها، ويدعو الآخرين الى التعرف عليها كما أن المسيحيين بنوا كنيسة في المكان الذي يزعمون ان حافة دابة عيسى لامسته.

وكذلك نلاحظ أن البناء فوق القبور كان موجوداً منذ بداية الإسلام، ولم يعترض النبي صلى الله عليه وآله ولا المعصومون عليهم السلام على ذلك، وكانت المراقد موجودة في مكة المكرمة والمدينة في حياتهم ولم نجد أن النبي صلى الله عليه واله قام بتخريب أي قبر أو دمر آثار الماضين، كقبر زوجة إبراهيم ومقام إسماعيل في مكة.

فقد تم القضاء على تلك القباب ليبتعد الناس عن أهل البيت عليهم السلام، كما كانت هناك محاولات كثيرة لإغواء الناس في حياة المعصومين عليهم السلام، ولكن سوف يرفع علم الاحتجاج في كل عام وترفع الأيادي لتستنكر هذا العمل الشنيع وغير الحضاري، لتناشد اليونسكو والمنظمات العالمية مما حدث في البقيع وتقول أين أنتم من هذه التجاوزات الشنيعة على الإرث الإنساني؟.

ألم تكن رسالتكم الحب والدفاع عن حقوق المظلومين في أنحاء العالم، والحفاظ عن الممتلكات والآثار، فهل حدوث هذه الفاجعة هو تواطؤ باسم الحرية؟.

سوف يكتب الكتاب، وستنعى المنابر، ويخطب الخطباء، كي يعلم العالم أن هناك أنوارا دُفنت في هذا المكان المقدس، وهنا قبر النجل الأكبر والسبط الأول للرسول صلى الله عليه واله الذي قال في حقه انه سيد شباب أهل الجنة، وهنا مقام سيد الساجدين الذي تحمل عناء السفر والأسر وأهدى للبشرية أعظم رسالة حقوق وأبلغ الأدعية، ومقام باقر العلوم الذي مهد الطريق للعلم والتطور وصادق آل محمد الذي كان منجي الإسلام والتشيع، ولولاه لما كان للإسلام السليم والتشيع أي أثر..

فسلام على تلك الأنوار الذين ظلموا في حياتهم، لكن سوف يظهر الحق بعد هذه الجريمة النكراء عاجلاً أم آجلاً، ويعرف الجميع أي جفاء صدر في حق هؤلاء الأنوار، وكيف قامت زمرة الهدم بهذه الفعلة الشنيعة وكيف أضلوا العباد عن طريق الحق، وحاولوا إلغاء معرفة المسلمين لعظمائهم (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0