مع اختلاف الأفكار والأذواق والأخلاق التي يوجد في مشارق الأرض ومغاربها، ربما تكون فكرة الحكومة الواحدة المشتركة في زمن صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف، تكون صعبة المنال، ويبقى السؤال هل من الممكن أن تحكم العالم كله حكومة واحدة؟.

ولكن هذا الأمر ليس مستحيلا إذا راجعنا القرآن والكتب الدينية، فقد ورد في القرآن الكريم: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

وورد في الأخبار والروايات بأن الزمان الذي يغلب فيه الدين الإسلامي على باقي الأديان سيكون زمن القائم من آل محمد، وربما في الوهلة الأولى يستغرب العقل البشري من هذه الفكرة، وكيف ممكن أن يسود الإسلام العالم كله، ولكن مع الرجوع إلى الآيات القرآنية والروايات، سنجد بأن هذا الأمر سوف يحصل ويعم عموم المعمورة.

اما في المرحلة التالية، هل يعقل هذا الأمر وهل العلم والتطور يقبل هذا الشيء؟، ومن حسن الحظ بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت طريقة تفكير علماء الإجتماع، حيث يقولون باستطاعة حكومة واحدة أن تحكم العالم، وهذه الفكرة موجودة حيث يقول العلماء، إن البشرية أمام طريقين إما حكومة شاملة أو دمار شامل بسبب الحرب.

كما نقرأ في التاريخ، أن الانسان في البداية كان يهجم على بني جلدته ويحاربهم، وأحد الأسباب التي تشعل نار الفتنة هو الغضب والعصبية وحس التجاوز الموجود في النفس البشرية، كما يذكر القرآن الكريم: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).

و يقول:ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

ويقول أيضا: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ

في بداية الحياة لم يشعر أحد بالراحة اتجاه الشخص الآخر، عندما كان الإنسان يذهب ويجمع الثمار، فقد كان في خوف مستمر، وكان يشعر بعدم الأمان، ويفكر مع نفسه باستمرار، ماذا لو هجم عليّ جاري وأخذ ثماري؟

ماذا لو قتلوني كي يأخذوا مكاني؟

مشاعر الخوف والجشع كانت تأكل روح البشر منذ البداية، ولكن فكروا بأن يتآلفوا معا كي يتخلصوا من هذه الأفكار والمصاعب، ومن ثم تعايشوا رويداً رويداً، هكذا بدأت الحياة الجماعية وبعد ذلك نمت الأفكار وبدأوا يعيشون على صيغة تجمعات بشرية، كالعشائر ومن ثم المدن وهكذا انتقل الإنسان إلى صيغة الاجتماع في السكن...

إلى أن فرضت السلطة نفسها عليهم وهكذا أصبح الناس ديمقراطيين ودكتاتوريين، ووصل عدد المجموعات البشرية إلى ما يفوق الملايين بل المليارات، كما في الصين حيث يفوق عدد الصينيين 800 مليون شخص، واليوم بلغ قرابة مليارا ونصف، والسؤال كيف وصل البشر إلى هذا المستوى من الرشد وبدأ يتأقلم مع الوضع ويخضع لأقوال وقوانين معينة؟.

ما هو معيار القبول؟

كما يقول بعض علماء الإجتماع يكمن السر في طريقة تفكير البشر ورشد عقولهم، وكلما يكون الشخص أكثر تعقلا، سيكون أكثر قدرة على التعايش مع الآخرين بصورة أفضل، كما ورد في الروايات، وثمة أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه واله، منها: (المداراة رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حقّ).

كما جاء في الحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "عنوان العقل مدارة الناس".

فالانسان عندما يكون أنانياً يقترب من العيش الحيواني، حيث يتناول الحيوان طعامه وحده ولا يهمه أي أحد، ولكن عندما يسمو العقل وتزدهر النفس ويصفو القلب، سوف يفكر الإنسان بالآخرين ويهتم بهم ويشعر في معاناتهم ويفرح لفرحهم، لذلك بات العالم في تطور مستمر والعقل البشري في تطور أيضاً، كما تطورت التجمعات البشرية، إذن باستطاعة البشر أن يعيشوا في حكومة واحدة ويحملون شعارا واحدا.

الاقتصاد من عوامل تغيير الملل

يعد الاقتصاد من العوامل التي تؤثر في القضاء على الملل الذي قد يتسلل إلى عقل وفكر البشرية، وقد ثبت أن أحد العوامل التي يكون باستطاعتها التأثير على رشد الدولة وسموها هو عامل الإقتصاد، فعندما يكون متينا مبنيا على قواعد علمية رصينة في دولة ما، سنجد هناك أناسا كثيرين يلجؤون إلى هذه الدولة كي يبنوا مشاريعهم ويستفيدوا من إقتصاد الدولة، خصوصا عندما يكون جميع الأفراد في رفاهية، فإن مؤسسات الدولة سوف تكبر وتكبر من حيث عدد والأفراد وتكبر معها الغنائم والواردات.

دور الثقافة المشتركة

العامل الآخر في تغيير الملل عند البشر، وجود الثقافة المشتركة بين الناس، كما يسعى العلماء والمحققون في اليونسكو الى تحقيق هذا الأمر، حيث أصبح شعارهم "الإنسانية" ويقولون يجب أن نغير العالم بالطريقة التي يكون فيها الناس أعوانا للحق، الإنصاف، الصدق، الأمانة، الحب، ويسعون لمساعدة الآخرين، في هذه الحالة نستطيع أن نقرب الأمم إلى بعضها البعض ونجمع الناس تحت راية واحدة.

ثقافة حفظ النفس

القران الكريم يقول: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

فجميع أفراد البشر في خسارة، إن كان أمريكيا، أروبيا، أسيويا أو إفريقياً ، إن الله يقسم بالعصر بأن الإنسان لفي خسر، ولكن هناك أداة إستثناء إلا، حيث يقول تعالى: إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.

فهناك ثقافة واحدة تستطيع أن تنجي البشرية من الهلاك والخسارة، وهي ثقافة "حفظ النفس" مقابل السيئات، وعندما يبتعد الانسان عن الجشع والتكبر والرذائل والانحطاط الأخلاقي، يتعلم أن يعيش مع الآخرين وينجو ويكون في أفضل حال.

كيف يتم التحوّل الذاتي؟

العامل الآخر في بناء الأمم والوحدة بين الأفراد هو التحول الذاتي، فعندما يطلب الناس التغيير، في هذه الحالة تكون روحية الفرد في شكل خاص، وتتقبل بعض الأمور، إذ باستطاعة الشخص المقابل أن يؤثر عليه عن طريق معرفة مشاعره، وما يحب أو يكره، وعندما ألغى ابراهام لينكلن قضية العبودية كان الشعب جاهزاً لقبول هذا الكلام، واعتبرت العبودية شراً ولا تتفق مع روح ومبادئ الاستقلال، حيث نص الدستور الأمريكي على إلغاء العبودية، إذا فالتحول الذاتي تسبب أو ساعد على تغيير الأمم كما يقول القرآن الكريم: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

إذاً فالاقتصاد والثقافة والتحول الذاتي من أسباب التحول والتغيير، وعندما يصل الانسان الى قناعة فكرية سيقبل كثير من الأمور والقضايا التي كان يرفضها بسبب قلة الوعي، وعندما يكون في حالة اقتصادية جيدة يكون مرتاح البال واكثر راحة من الآخرين، وبالتالي اكثر انفتاحا.

هذا الأمر يحصل بشكل تام في زمن الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف، حيث يصل الناس الى اعلى مراتب الرشد والفهم كما يقول الامام الباقر عليه السلام: عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم, وكملت بها أحلامهم يد الرحمة تمسح على رؤوس العباد مهما كان عرقهم ومن أي بلد كانوا كي يصلوا الى أعلى مراتب السعادة، إذا الشرط الأول للحكومة العالمية رشد العقول، وربما يسأل السائل هل يمكن أن يكون هناك حكم واحد وحكومة واحدة؟، فيكون جواب البسطاء وذوي العقول البسيطة بـ كلا، أما جواب العقلاء والراشدين سيكون بـ نعم.

كما حصل مع مئتي مليون شخص في امريكا وأربعمائة مليون شخص في الهند وثمانمائة مليون في الصين، فعندما يصل جميع من في الأرض إلى المستوى المطلوب من حيث الرشد والسمو العقلي، ستكون هناك حكومة واحدة وفي هذه الحالة سيكون هناك اقتصاد عظيم، ويصل المجتمع إلى آماله وأهدافه، وليس هناك أثرا لأصحاب الأعمال والرأسماليين المنحطين و"انه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الأرض خراب إلا يعمره".

ويصبح المجتمع محكوما بالعدل، حيث تصبح الرحمة والشفقة والعدل عنوان المعاملة بين الناس، ويصبح العالم مثالياً خالياً من التبعيض والاختلاف والفروقات المفسدة، بعيداً عن الحرب والدمار، فارغاً من ضحكة الاستعمار وآهات الفقراء والمساكين، وسيكون هناك أناس منفتحين راشدين وذوو ألباب، حيث يعملون في سلم وسلام ويعيشون في صلح وأمان.

نعم سيظهر المهدي الموعود عجل الله فرجه الشريف، ذلك المصلح الذي يحكم العالم بالعدل وينشر ثقافة الإسلام في جميع الأرجاء, والجميع يخضع وينحني أمام هذه الحكومة والدولة الكريمة والحاكم العادل وهل يوجد وقت أجمل وأرقى من عصر الظهور؟ لكن يجب أن يتهيأ القلب والعقل وتتهيأ الأرضية المناسبة لهذا للتحوّل العظيم..

تًرى هل نحن مستعدون؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0