بما أن الأخلاق هي التي ترافق حياة الناس، وليست الصلاة والصيام، فان الحكام، ومعهم "كَهَنة الإسلام" من أشباه علماء الدين، رأوا ضرورة فصل المنظومة الاخلاقية عن المنظومة الأحكامية في ثقافة الناس، ليكون الدين مجرد طقوس عبادية، أما الاخلاق فيأخذونها منهم على شكل مناهج مدونة في القصور وفي الغرف المظلمة، قابلة للتغيير وفق مصالحهم...
ما ميّز المنظومة القيمية في الإسلام؛ شموليتها لجميع نواحي حياة الانسان والطبيعة المحيطة به، وما يستشعر الحاجة اليها، أو لا يستشعر في حياته اليومية ثم يجدها أمامه في قادم الأيام مثل؛ قيم العفو، والتسامح، والسلام، والتكافل، والتعاون، وغيرها كثير.
هذه القيم ربما لا يجد أحدنا حاجة اليها وهو يقضي أيامه بشكل طبيعي بين عمله وبيته وبين أفراد عائلته، مع رقم لا بأس به من الوارد المالي الكافي لتغطية نفقات المعيشة، ولكن عندما يتعرض لضائقة مالية، او فشل في العمل، سيجد الحاجة شديدة للتضامن والتكافل للتخفيف من وطأة تكاليف المعيشة، وستكون جاهزة للعمل فوراً.
هكذا كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يجسد هذه الخصيصة للعالم خلال حركته الرسالية لنشر قيم الدين والأخلاق في منطقة الجزيرة العربية، فهو كان يدعو الناس للعمل والانتاج والإثراء، وفي نفس الوقت كان يدعوهم الى الإنفاق والإحسان، كما في قصته مع ذلك الرجل الفقير الذي طلب منه ان يكون تاجراً وغنياً وتم له ذلك، بيد أنه تنصّل من قيمة الإنفاق ومسؤولية العطاء فعاتبه النبي الأكرم، واستردّ منه الدرهم الواحد الذي أقرضه إياه، كما أنه شرّع استثمار الأرض و"الأرض لمن عمّرها"، ولكن في نفس الوقت شرّع لمفهوم المحافظة على حقوق الآخرين في قصة ذلك الرجل الذي أبقى على شجرة له وسط بستان باعه لأحد المسلمين، ورفض بيعها، وكادت ان تتحول الى أزمة وشجار مع صاحب البستان، وعندما وجد النبي إصرار صاحب الشجرة وعناده، اقتلع الشجرة وأعطاها إياها وقال: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار في الإسلام"، وهو يدعو المسلمين الى جهاد أعداء الدين وقيم السماء في سوح القتال، بيد أنه يذكرهم، لدى عودتهم من المعركة بأن لهم موعدٌ لن يخلفوه في الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، و لعل النبي الأكرم يكون انعكاساً لثقافة القرآن الكريم في طرحه التكاملي للقيم مثال الآية القرآنية الداعية للصلاة؛ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، فإصدار الأمر للأبناء بأن يكونوا مصلين ليس المطلب كله، وإنما تكتمل مع الصلاة قيمة الصبر على التهاون والتثاقل المحتمل.
وكذا الحال في سوح الجهاد مع المشركين فالنبي الأكرم ليس حريصاً فقط على دماء المسلمين وغيرهم، خلال غزواته الثمانين او اكثر لأوكار الشرك والتآمر، وإنما كان حريصاً على الطبيعة بإعلانه منع اقتلاع الشجر وإن كان للمشركين، كما حصل مع مشركي الطائف عندما حاصرها بعد فتح مكة، وقد بلغ المشركين أن المسلمين يريدون قطع أشجارهم، إذ كانت الطائف معروفة بكثافة الأشجار المثمرة، وكانت تمثل مصدر القوة الاقتصادية لهم، فبعثوا الى رسول الله يرجوه بعدم قطع اشجارهم، فكان الرد بالايجاب منه، صلى الله عليه وآله، علماً أن التاريخ يتحدث لنا عن إصرار أهل الطائف وعنادهم أمام دعوة التوحيد ورسالة الإسلام، وقد غضّ النبي الأكرم النظر عنها ولم يدخلها عنوة، بل انسحب من ساحة المواجهة حتى حان الوقت المناسب وأسلم أهلها طواعية بأجمعهم في وقت آخر.
هذه التكاملية فقدت بريقها عندما قفزت جهات اختزلت الاسلام في افكارها وسلوكها فصار الاسلام في الاسماء والواجهات وليس في القيم المتكاملة والنظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يجهله اليوم معظم المسلمين، وهذا ما ابتليت به الأمة من بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، عندما انحرفت المسيرة الرسالية عن المنهج القرآني باتجاه المنهج السلطوي المعهود في الجاهلية، ففي عهده، كانت "الفتوحات الاسلامية تؤدي الى تحول الشعوب الى الإسلام تدريجياً، لما رأوه من حسن الأخلاق والقيم لدى المسلمين"، (محاضرات ثقافية- السيد جعفر الشيرازي)، فالغاية لم تكن إجبار الناس على الاسلام لزيادة مساحة الدولة الاسلامية، ومن ثم؛ زيادة الايرادات المالية، كما حصل فيما بعد، بل للتثقيف على الإيمان الذاتي، بما يجعل الانسان الداخل حديثاً في الإسلام، داعية الى الإسلام بين افراد قومه وموطنه، مثال ذلك؛ الصحابي الجليل؛ أبي ذر الذي عاد الى جماعته؛ قطاع الطرق، ليرشدهم الى الاسلام، وايضاً؛ الاشخاص الذين كانوا يستبصرون على يد الأئمة المعصومين، عليهم السلام، كانوا يتحولون الى دعاة مخلصين للدين، ويفدون بأرواحهم من أجلهم، رغم عدم وجود سابق معرفة وعلاقة وطيدة بهم، كما حصل يوم عاشوراء، فصاحب البشرة السوداء (العبد جون مولى أبي ذر)، و وهب المسيحي، وآخرين لزموا قافلة الإمام الحسين حتى النهاية، لمسوا بشغاف القلب أخلاق وانسانية الامام قبل ان يتعرفوا على مشروعه السياسي، او كونه قائد عسكري وحاكم سياسي.
و لا أجدني بحاجة الى سرد مشاهد ساطعة أخرى من ملحمة الطف الإنسانية- الرسالية، مثل الالتفاتة الكريمة للإمام الحسين لذلك الفتى الصغير الذي استشهد أباه للتوّ، فقال، عليه السلام: "ارجعوه لعلّ أمه تكره خروجه"، والامام الحسين في تلك اللحظات العصيبة التي يحتاج فيها من ينصره.
أما اليوم من الصعب أن تجد مسلماً واحداً من أقصى الشرق الى أقصى الغرب يقتنع ويتفاعل مع دعوة "للعمل من أجل الاسلام"، لأنه سيجيبك: أيّ إسلام تقصد؟! هل إسلام هذا الحاكم الفاسد؟ أم إسلام تلك الجماعة التي كان كرسي الحكم المحطة الاخيرة في مسيرتها الفكرية والنضالية؟ بلى؛ التفاعل الموجود حالياً مع حالة الدفاع عن النفس، كما حصل في العراق في فتوى الجهاد الكفائي لمواجهة العدوان التكفيري عام 2014، وكانت القيم الأخلاقية المجتمعة مرة واحدة يوم عاشوراء مثل؛ الإيثار، والصبر، والصدق، والوفاء، هي الحافز الأكبر للاقتداء بأبطال الطف، وتحقيق ذلك النصر الباهر أمام أنظار العالم.
إن مشكلة الأمة اليوم، وطوال تاريخها لم تكن في الدين مطلقاً، فقد كانت الصلاة تقام، والصيام في وقته، والحج متاح للجميع؛ الحاكم الظالم والسفاح، والمنافق، والخائن، ومرتكب الكبائر، كما هو متاح للمؤمنين، إنما المشكلة في الأخلاق، وفي التطبيقات العملية، وليس في النظرية، وهذا ما تنبه اليه مبكراً الحكام منذ الساعات الاولى لرحيل رسول الله عن دار الدنيا، عندما قال قائلهم أمام جموع المسلمين، وبتلك الطريقة الفجّة: "من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حيٌ لا يموت"! أي أنه يتهم مباشرة بوجود من يعبد النبي الأكرم بين المسلمين! ويقصد طبعاً؛ المحبين والمؤمنين بقيمه ونظامه في الحياة.
وبما أن الأخلاق هي التي ترافق حياة الناس، وليست الصلاة والصيام، فان الحكام، ومعهم "كَهَنة الإسلام" من أشباه علماء الدين، رأوا ضرورة فصل المنظومة الاخلاقية عن المنظومة الأحكامية في ثقافة الناس، ليكون الدين مجرد طقوس عبادية، أما الاخلاق فيأخذونها منهم على شكل مناهج مدونة في القصور وفي الغرف المظلمة، قابلة للتغيير وفق مصالحهم، وما القسوة والعنف المتفشية في ثقافة الأمة كالسرطان، إلا أحد الامثلة على تبني الحكام ومعهم بعض اصحاب "الايديولوجيات الاسلامية" كمنهج عملي في الحياة بدلاً من قيم العفو والتسامح والسلم الاجتماعي.
ولذا من يتحدث اليوم عن القيم الأخلاقية والانسانية في المجتمع، سيذكره الناس بأنه لا يعيش في عهد النبي الأكرم، او في عهد أمير المؤمنين، وإنما في عهد آخر، مثلاً؛ من يريد الزواج أو فرصة العمل أو السكن، فلا الدولة ولا المجتمع مسؤولين عن مساعدته بدعوى ضرورة الاعتماد على نفسه، فالغني لم يصبح غنياً إلا ببذل جهد وعناء، فهل يقدم أمواله بالمجان؟! وهذه الثقافة مصدرها السلطة والحاكم رسخها في النفوس طيلة القرون الماضية، واذا كنا فخورين بوجود حالات تكافل هنا وهناك، فهي بفضل جهاد خاضه علماء دين و رجال مؤمنون، ضحوا بحياتهم وسمعتهم وحتى أرواحهم لنشر هذه الثقافة الأصيلة.



اضف تعليق