عاملان مشتركان أحدهما من اختيارنا جميعا، والآخر كان مفروضا علينا جميعا..

اخترنا جميعا العمل على إشباع ثقافتنا بفن قراءة الرأي الاخر وتوجيه النقد البناء إليه بما يثري هذه الثقافة على أسس من مكوناتها..

وفرض علينا جميعا الصبر على محنة الاستبداد حيث نالتنا سهام الكراهية والفصل الطائفي من كل جانب ومكان..

‏كل الاتجاهات الشيعية عبرت عن رأيها في النظرية الأفضل لتنمية ثقافة "كشف المزايا والعيوب" بمنهج انتقاد مثمر، والارتفاع بمجتمعات التشيع إلى مستوى الإدراك الكامل لمسئولية التغيير بذات المنهج..

وكان ذلك بالقلم والمحاضرة والندوة والكتاب والصحيفة والفضائية وما أشبه.. كل الاتجاهات الشيعية ساهمت في ذلك.

‏لو قررت اليوم إصدار كتاب أو بث محاضرة أو ندوة أو نشر صحيفة، كلها تتحدث عن فن استعمال منهج الانتقاد الأمثل للإنتاج الثقافي الشيعي لما أثرت انتباه أحد من الشيعة..

فالآلة هذه أشبعت نقاشا وتنظيرا إلى حد التخمة، وبات اجترار الحديث فيها مثيرا للاستخفاف والاشمئزاز. فقد انتهى الشيعة إلى الاجتهاد في العمل بمسؤولية عالية المستوى والجودة بحسب ظن الجميع.

ومحنة الاستبداد والفصل الطائفي التي لم تستثن أحدا من الشيعة بشكل مباشر أو غير مباشر؛ صقلت الأذهان وعمرت النفوس، وعرَّفتهما بالطريقة المناسبة لتوحيد الطاقات الشيعية وتجاوز أسباب العصبية الحزبية الحادة والفئوية المرجعية الضيقة، من أجل حماية الوجود الشيعي.. فالمصير مشترك!

منهج الانتقاد السليم المجرد من العصبيات والجمبزة السياسية والدعائية، والمحنة التي عرَّفت كل جهة وفرد بحجم طاقاته الحقيقية المحدودة ومدى صدقه ونزاهته واخلاصه.. هما عاملان إنْ نحن نبذناهما وراء الظهور من غير اعتبار؛ فنحن لا نستحق أن نكون طليعة التغيير في إطار الأصول والثوابت المعلومة، بل سنكون مصدر فساد في الأرض.. فأنت تبني ونظيرك الأحمق في النضال يهدم!

‏سبعون عاما من العصبية الحزبية الحادة والفئوية المرجعية الضيقة بعنوان "الأصالة" والحق المنفرد في زعامة الشيعة.

وسبعون عاما من الطعن في الآخر والإفتراء عليه سرا وإعلانا بعنوان التنافس والتفاضل والانتقاد الحر.

وسبعون عاما من المحن التي تهوي على رؤوسنا مثل شهب من نار..

ألا يدفعنا كل ذلك إلى البحث عن العوامل المشتركة من أجل بلوغ ساعة الخلاص؟!

لقد حان وقت العدل والجد في الإنصاف والإصرار على تحكيم العقل بين مكونات الشيعة.

العصبية الحزبية لا تفارق ثلاثة أجيال مهزومة!..

يصور بعض الشيعة فوضى العصبية الحزبية تصرفا فرديا. فلا يحق لأحد رشيد أن يعمم صفة العصبية على كل أفراد الهرم الحزبي بمن فيهم القيادات العليا والكودار المتقدمة.. يستحيل على القيادة وصفوفها أن يتعصبوا حزبيا وهم في موقع المثال والقيمة العليا في ثقافة الحزب!..

التحزب ليس من ثقافة الشيعة. إنه اقتباس من ثقافة أجنبية. فيمكننا الإقرار بتقمص قيادة الحزب الشيعي للعصبية الحزبية وتعميم موقفها في صورة سلوك ضروري بين كوادره المتقدمة. فيتحول الحزب بذلك إلى ممثل وحيد للشعب بالقوة والفعل، ويمتنع على الآخرين منافسته!..

التعصب الحزبي في هذه الحال ليس تصرفا فرديا وإنما صورة من صور التوجيه القيادي لعناصر الحزب= أن تحزبوا وامتنعوا عن دور المنافسة، لأن المنافس "مخرب" لساحة النضال ومعطل للنصر "المبين" وخارج على الولاية في علم المنافس وإدراك منه تامين!.. هو يخدم جهة الإستبداد شاء الاعتقاد بذلك أم أبى..

يمكنك أن تحسن الظن في قيادة المتعصبين المتحزبين في الجيل الأول، وتلتمس العذر لها ولكونها قيمة ومثالا لجيل قليل الخبرة، غير ملتزم بالمقررات والتوجيهات القيادية، ويصعب على القيادة التمكن من ضبط الكادر في ساحة نضال معقدة الإتجاهات..

وكيف تحسن الظن إذا ما تكرر التعصب الحزبي في ثلاثة أجيال متتالية وعلى نفس النمط والتقليد.. في هذه الحال تيقن بأن التعصب الحزبي راسخ في ذهن القيادة، تمليه على عناصر حزبها جيلا بعد جيل.. فلا تعجب لتكرار الهزائم وخيبة الآمال التي يجنيهما الحزب من وراء تعصبه.

زعامات شيعية كامنة في بيات سياسي

في عهد توافق الاستراتيجيات العظمى أو تصادمها يفقد صغار الزعماء السياسيين أمنهم ويتقرر مصيرهم بالانتماء إلى هؤلاء أو الى هؤلاء. وفي كلا الحالين يصبحون ضحايا ووقود السلم والحرب معا.

هنا يأتي دور المفكر السياسي فيبحث عن موطئ قدم راسخ لينجي به وطنه وأهله بعيدا عن مغامرات الهزيمة والمهاترات البينية.

‏ المفكرون السياسيون الصغار ايضا فاشلون لأن رؤيتهم في صراع الكبار محدودة إذ يبحثون دائما عن كل إجراء منقذ يشمل سلامة أمنهم الشخصي في حدود زمن جيلهم فحسب. على غير سجية الذين يفكرون في تقديم أنفسهم ضحية من أجل سلامة من يخلفهم.. هؤلاء هم العظماء الذين نفتقدهم وتحن أوطانهم إليهم..

‏المفكرون السياسيون الصغار يتيهون دائما في زحمة صراع الاستراتيجيات العظمى فيضيعون، لان صناعتهم كانت تقليدية ومن إنتاج الدعاية الحزبية والفئوية الحادتين. وما أكثرهم في المجتمع الشيعي "إنهم كالأنعام" تراهم شعوبهم الساذجة عظماء وهم هينون عند الجد..

‏أسماء مفكرة لامعة في عالم التشيع من صنع مزيف، نالت شهرة وكنا نعلمها ولا نجد لها اليوم أثرا.. إنها كامنة اليوم في بيات سياسي انتظارا منها لموسم توزيع الأرباح. فإذا ما حان الموسم؛ خرجت من جحورها تطالب بثمن تضحية لا وجود حقيقي لها على مسرح الواقع!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6