2382

ان مصطلح الاستقلالية (autonomy)، مشتق من الاصل اليوناني "اوتوس" و"نوموس" (الذات+القانون) ويشير الى حق الافراد او مقدرتهم على حكم أنفسهم. الافراد يقال مستقلون اذا كانت افعالهم هي حقا تعود لهم، ويحوزون على حرية اخلاقية.

ان ضرورة هذه الحرية الاخلاقية اُعلن عنها بوضوح في اعمال العديد من الفلاسفة كجان جاك روسو، على سبيل المثال، الذي ناقش في عقده الاجتماعي ما اعتبره علاقات مركزية هامة بين ما اسماه الرغبة العامة، الحرية، المساواة. وتأتي من هذا العمل ايضا عبارة روسو الثورية الشهيرة "الانسان ولد حرا وهو مقيد بالسلاسل في كل مكان".

مصطلح الاستقلالية هو ايضا حجر الزاوية في نظرية كانط الاخلاقية التي تكون فيها حيازة استقلالية الرغبة شرطا ضروريا للفرد الاخلاقي. يرى كانط ان الاستقلالية تعمل بمثابة القدرة على معرفة ما تتطلبه الاخلاقية منّا بدلا من ان تكون حرية في السعي لتحقيق غاياتنا. ان حيازة الاستقلالية تسمح للفرد بالتصرف وفق قواعد موضوعية وعالمية صالحة تستمد شرعيتها من العقل وحده. في المعجم الكانطي نجد هذه الفكرة منفصلة كليا عن مصطلح الـ"heteronomy" (التأثر بقوى خارج الفرد) وهو المصطلح الذي استخدمه كانط ليشير الى ظروف التصرف وفق الرغبات والتي لم يشرعها العقل. في (الفصل الثاني صفحة 46 من المبادئ الاساسية لميتافيزيقا الاخلاق) يجادل كانط اننا يجب ان نرفض كل الاحكام التي لا تنسجم مع ارادة سن قانون عالمي و"اننا يجب ان نتصرف فقط وفق الاحكام التي تصبح بها الرغبة في ذات الوقت قانونا عالميا". يرى كانط ان اي تفكير قائم على رؤية ان القانون الاخلاقي يتم فرضه من الخارج هو قانون مشابه تماما لقانون الآخر (heteros).

بالنسبة للاخلاقي الكانطي، لايمكن انجاز النضج الاخلاقي بدون القبول بالحاجة للاستقلالية كما عُرّفت اعلاه. قبول النظريات الخارجية التي تتطلب الطاعة العاجلة لأوامر الدولة او المجتمع او للإيمان الديني، ستضع الافراد في موقع الإذعان وقبول الاوامر المفروضة عليهم كي يعملوا بطرق لم يقوموا ولا يستطيعون القيام بها. ومن جهة اخرى، اذا كان الافراد يميزون بشكل مستقل ويقررون قيمهم الاخلاقية الخاصة، فهم عندما يتصرفون طائعين لها، انما يقومون بهذا ولديهم الاحساس العميق بحريتهم في تقرير طبيعة افعالهم. التصرف بهذه الطريقة، كما جادل كانط ذاته، يعني التصرف باسلوب من استخدام القدرات العقلانية المشتركة لدى جميع الناس لأغراض اكتشاف القانون الاخلاقي الذي هو ايضا قابل للتطبيق بشكل عام وكوني.

هذا الموقف لايشبه فكرة ان الاستقلالية تمثل السيادة الكلية للفرد على خياراته للقيم الاخلاقية وافعاله وتطوره الذاتي. الفرق بين هذين الموقفين الموقف الكانطي والموقف الذي يوصف بالنسخة الوجودية المتطرفة، يؤثر بوضوح وبشكل هام على رؤيتنا للمفاهيم المتصلة بالحرية والمسؤولية. "الحرية"، في هذا المعنى الاخير تمنح اهمية عظيمة لـ"الاصالة" وتجنّب الايمان الزائف(1). طبقا لهايدجر، الاصالة هي ظروف اولئك الذين يفهمون البناء الوجودي لحياتهم، الذين يقودهم القلق العميق لتحمّل المسؤولية عن حياتهم وبالتالي اختيار هوياتهم الخاصة بهم والعيش بطريقة هامة وملائمة عاطفيا. "اللااصالة"، من جهة اخرى، يعرّفها هايدجر بالحالة التي تنسلخ بها الحياة عن الهدف والمسؤولية وهي بهذا يتم الانحدار بها انسانيا وشخصيا.

عند الذهاب الى ما وراء الاصل الكانطي لفكرة الاستقلالية، فان الاستقلالية الاخلاقية بهذا المعنى الهايدجري "فهم البناء الوجودي للحياة"، بدلا من الاعتماد السلبي على انظمة القيم التقليدية ستساعد الافراد تجاه الوعي بقيمة واهمية تجاربهم المتميزة والخاصة بهم وبهذا يصبحون في موقف يمكنهم فيه الانخراط كأفراد بالأسئلة الاخلاقية المعقدة كتلك الناجمة عن الحاجة لتطبيق التحليلات الاخلاقية على المجالات الجديدة والممتدة من المعرفة الانسانية والتي لاتزال شائكة اخلاقيا.

ان التحفظ من القبول اللانقدي للمواقف الاخلاقية بشأن الاسئلة الاساسية يمكن اعتباره كرغبة من جانب الافراد لبناء الفكر الفلسفي على تجاربهم الخاصة بالحياة والقضايا اليومية اكثر ما هو على سلطة الاخرين. هذا التطور، مع انه ليس جديدا، لكنه بوضوح يمثل انعاشا لنمط التحقيق الاخلاقي الذي انعكس على سبيل المثال في تفكير الفلاسفة الاغريق والرومان حول اسئلة مثل كيف يجب ان نعيش وكيف يجب ان نموت. وبالمثل، كتب هيوم عن الانتحار، وفي القرن التاسع عشر، كتب جميع فلاسفة النفعية الكبار عن قضايا الاخلاق التطبيقية.

ان الانهماك بالعلاقة بين الاستقلالية الذاتية والقضايا الاخلاقية يجب اعتباره شديدة المركزية وهو ايضا تعبير عن الطبيعة المستمرة لاثنين من النقاشات ذات الصلة: الاول نقاش حول ما اذا كانت الاخلاق ذاتها مستقلة وقادرة على تزويد حقائق اخلاقية موضوعية لا تستمد سلطاتها من مصادر غير اخلاقية مثل الأوامر الدينية او حقائق الطبيعة او اوامر العقل الخالص، والثاني، السؤال المنفصل (طالما ليس من الضروري ان الايمان بالأسباب الموضوعية للفعل تنطوي على تصور اخلاقي مطلق للقيم الاخلاقية) عن مدى مقبولية الاتجاهات المطلقة اخلاقيا وليست النسبية للقضايا الاخلاقية المعاصرة. لو حدث ان الافراد يؤمنون بان الحقائق الاخلاقية تتقرر بالأحداث في مجالات اخرى للفعالية، او ان المواقف الاخلاقية النسبية تعرض فعلا وسائل عقلانية اكثر قبولا تحاول بواسطتها تحليل ما يمثل السلوك الصحيح او الخاطئ في موقف معين، فانه من المحتمل ان يبرز بين هؤلاء الافراد مناخا من النقاش الاخلاقي المتعدد والذرائعي والاكثر انفتاحا.

اذا كان الاخلاقي التجريدي يجادل، بطريقة تُظهر في تفكيره بعض العناصر الدينوتولوجية (المتعلقة بالواجب والالتزام)، وان انواعا معينة من الافعال هي دائما خطأ او دائما الزامية، فمهما كانت النتيجة، فان الاخلاقي النسبي سيتخذ رؤية ان التقييم الاخلاقي هو بالضرورة معتمد على المعايير التي تعرّف نظام او دليل اخلاقي معين وعلى الممارسات والمعتقدات المقبولة من جانب جماعة اجتماعية في مكان وزمان محددين.

في ظل وجود التعددية في مثل هذه الجماعات الاجتماعية، كل واحدة لها عاداتها وقيمها الخاصة، فان النسبي يجادل بعدم وجود مرجعية يمكن بها تقييم تلك النظم الاخلاقية ذاتها، ولا وجود لمعيار مطلق يمكن بواسطته انتقادها. وفي دعم موقفه، يُحتمل للنسبي ان يشير الى دليل انثربولوجي للتنوع الثقافي وليشير الى ان هناك الكثير يُعرف الآن حول العالم وسكانه مقارنة بما كان ايام كانط وهيوم.

من الواضح ان هناك حجة معارضة من المحتمل ان تبرز وهي على سبيل المثال امكانية ان يبالغ النسبي في دلالات بياناته، او ان يوجد هناك بين الجماعات المختلفة ثقافيا قيم انسانية اساسية مشتركة، مثل الادانة الاخلاقية للقادة الذين يستغلون شعوبهم، او الاعتراف بالحاجة الى بعض اشكال الوساطات الموضوعية والاحكام في النزاعات المتعلقة بالملكية او الحقوق. السؤال يبقى مفتوحا ما اذا كانت هذه الحجة مقنعة كنقد للموقف النسبي.

حين يباشر اعضاء المجتمع تحولات سريعة ومزعزعة للاستقرار في طريقتهم التقليدية للحياة سوف يحتاجون دائما الى زمن اكبر مما لديهم يكيفون ويعيدون فيه دراسة الاسس التي اقاموا عليها قراراتهم بالطرق المعتادة. عندما يفرز التغيير مشاكل جديدة ومعقدة في مجالات لا تتوفر فيها العادة او المألوف او القوانين كبدائل للتعامل، فلابد من تطوير معايير جديدة للسلوك والتشريعات. احيانا هذه يتطلب انجازها بنفس سرعة التغيير المحفز لها لكي تواكب التغيير وتستمر في السيطرة عليه، او لأسباب تتعلق بالاستقرار او بالنظام السياسي والاجتماعي. في مواقف كهذه، يجب على الفرد الذي يرغب الاحتفاظ بالاحساس بالمشاركة في هذه العملية ان يجد وسائل يمكن بواسطتها استيعاب القيم الجديدة ضمن مجموعة قيمه الموجودة سلفا، او انه يجب عليه تحدي القيم الجديدة: "ماذا ينبغي ان اعمل؟ اي موقف يجب ان اتبنّى؟ اي نوع من الافعال ينبغي ان اقوم؟".

بالنسبة للفرد الذي لأجل جميع الاهداف العملية، يرى نفسه كفرد مستقل يتحمل المسؤولية عن قراراته وعن نتائجها، فان دلالات كل هذه والعدد الكبير من الاسئلة المتصلة الاخرى هي هامة جدا. انها، على سبيل المثال، ربما تقود الى الاحساس بضرورة النظر بمدى امكانية الاستمرار بمراقبة الاعراف والعادات المتبعة ضمن جماعته الاجتماعية، وعملية التحليل الذاتي التي ربما تجعله يعاني من الاتهامات بالخروج عن المالوف، والاحساس بالاغتراب والتهميش والاضطهاد. ربما يبدو من الضروري ايضا تبنّي مواقف بشأن القضايا الاخلاقية التي تتطلب مشاركة في اعمال العصيان المدني والتحدي او حتى خرق القوانين.

ان الفرد الذي يأخذ على محمل الجد معنى استقلاليته كفرد اخلاقي ولن يواجه هذه المآزق او ليس لديه الوعي بمدى نطاق ونوعية حقوقه والتزاماته، قد يشكل في نفس الوقت تحديا لحقوق الاخرين او الى نسيج العقد الاجتماعي الذي يمثل الاساس للمجتمع الذي نعيش فيه. ان تعقيدية وخطورة هذا الموقف عبّر عنها بشكل واضح الكسندر سوزينش Alexander Soizhenitsyn (2) الذي تحدّث عن "ان هناك العديد من المستويات المختلفة للقيم في العالم، هناك مستوى للأحداث القريبة ومستوى للأحداث البعيدة، مستوى للمجتمعات القديمة ومستوى للمجتمعات الشابة، مستوى للأحداث السعيدة وآخر للأحداث التعيسة. من الواضح ان تقسيمات المستويات هذه تفشل في الانسجام، انها تؤذي العيون وتسبب الدوار...".

المسألة التي يشير لها سوزينش هي واضحة. التعقيدية اللامتناهية للعالم تجعل من الصعب للأفراد اكتشاف القيم التي بواسطتها يجب ان يعيشوا او يكونوا متأكدين من الافعال التي هم اما يجب او لا يجب ادائها. وبالنتيجة، ليس من السهل للمجتمع تصميم العمليات، الانظمة والمؤسسات التي تلبي بشكل ملائم حاجات مواطنيه او يكون متأكدا انه فهم بشكل صحيح طبيعة المستقبل الذي يتحركون نحوه. ولهذا، من الصعب للافراد انجاز اجماع اخلاقي او، على سبيل المثال، تأكيد الفيلسوف البريطاني جورج ادوارد مور G. E. Moor المطلق، في "مبادئ الاخلاق ص 249"، عندما يجادل ان المعايير التي يجب ان يُحكم فيها على الفعل الخير اخلاقيا هي المدى الذي يُخلق فيه المزيد من الخير في العالم قياسا باي بديل ممكن اخر. يستمر مور بالقول ان مثل هذه الاشياء الخيرة هي خيرة بطبيعتها ولذا يجب ان توجد لأجل ذاتها. هو يؤكد ايضا انه من المستحيل رفض الاعتراف بهذه الخيرية الفطرية حتى عندما لا يمكن اثبات او عدم اثبات وجودها، لأن طبيعة "الخير" كما يرى لايمكن تحليلها.

بالنسبة للفرد المهتم بتعظيم استقلاليته الفردية، وشق طريقه عبر التعقيدات الاخلاقية للحياة ومع ذلك يبقى مندمجا كليا ضمن نسيج المجتمع، فان العالم لايبدو منسجما بشكل صريح امام هذا الاطار. في الحقيقة، ربما يرى البعض ان الشك في نفعية المبادئ الاخلاقية في الحياة اليومية يبرز تماما من مثل هذا الوعي السطحي وبشكل كبير من التنظير غير المبرر كما في مور.

عند تطوير معنى لكيفية الاستجابة للمآزق الاخلاقية، يحتاج الافراد للشعور بالثقة في الاحاطة التامة بالحقائق المتصلة بمواقف اخلاقية معينة والشعور بالاطمئنان قدر الامكان، لا ان يفسروا موقفهم في ضوء المبادئ الاخلاقية التي تعلموها كأطفال، بل ان رؤيتهم الاخلاقية يجب ان تكون واضحة ومركزة حيثما امكن. هذه الخصوصية في الاستجابة تبدو مصيرية. عند التعامل مع كل من المعرفة الجديدة والمأزق الاخلاقية المصاحبة لها، هناك حاجة واضحة للواقعية، وبما ان الافراد يجب ان يفعلوا ويفترضوا المسؤولية عن افعالهم، فهناك القليل من القيمة تُكتسب منها كما يرى الكاتب McNaughton(2) في كتابه رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق ص57" انه حيثما تكون هناك العديد من الرؤى المتصارعة فسوف لن يكون هناك جواب صحيح". لأن الفرد اذا كان مهتما بربط احساسه بالاستقلالية الفردية بالبحث الحقيقي عن الحقيقة الاخلاقية، فسيكون من الضروري الاحتفاظ بالايمان الراسخ بوجود الحقيقة حتى وان كانت يصعب اكتشافها.

Personal autonomy and individual moral growth, pathways school of philosophy

............................
الهوامش
(1) الايمان الزائف bad faith مفهوم فلسفي استخدمه الفيلسوف الوجودي جين بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من جانب القوى الاجتماعية ليتبنّى قيما زائفة لاترتبط بحريته الفطرية، وبهذا سيعمل بلااصالة.
(2) هو روائي سوفيتي (1918-2008)، انتقد في اعماله النظام السوفيتي ثم سُجن ونُفي الى سيبريا بعدها رُحّل الى الغرب عام 1974. في عام 1991 اُسقطت عنه جميع التهم وعاد الى روسيا ثم حصل على جائزة نوبل في الادب عام 1970.
(3) كتاب رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق للكاتب McNaughton David، صدر عام 1992 عن دار بلاكويل.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4