منوعات - بيئة

كارثة نيبال.. حين لم تعد الطبيعة وحدها في قفص الاتهام

انهيار جليدي في الهيمالايا فتح نقاشاً يتجاوز أسباب الفيضان إلى أثر الاحترار العالمي وهشاشة الجبال وحدود أنظمة الإنذار المصممة لعالم مناخي لم يعد كما كان.

كشفت كارثة نيبال عن تحول في طبيعة الأخطار الجبلية، بعدما أدى انهيار جليدي مفاجئ إلى فيضانات مدمرة دون أمطار أو إنذار تقليدي. وبينما لم يثبت العلماء أن تغير المناخ تسبب مباشرة بالحادث، فإن الاحترار وذوبان الجليد وضعف أنظمة الرصد تزيد هشاشة الهيمالايا، ما يجعل الكارثة نتاجاً لتقاطع الظواهر الطبيعية مع التأثير البشري المتراكم على البيئة العالمية المعاصرة...

في أعالي جبال الهيمالايا، حيث تحتاج التحولات الطبيعية الكبرى عادة إلى سنوات طويلة كي تصبح مرئية، تحولت كتلة من الجليد والصخور خلال دقائق إلى كارثة واسعة عبرت الوديان والأنهار ووصلت إلى مناطق مأهولة وبنى تحتية حيوية. لم تبدأ الكارثة بعاصفة شديدة، ولم تسبقها أمطار استثنائية أو زيادة تدريجية في منسوب المياه يمكن لأنظمة الإنذار التقاطها، بل جاء الخطر من الجبل نفسه، بعدما انهارت كتلة جليدية ضخمة قرب لانغتانغ ليرونغ، وانطلقت نحو الوادي حاملة معها الصخور والطين والمياه، قبل أن تتضخم أثناء حركتها وتتحول إلى تيار جارف.

في الساعات الأولى للحادثة، بدا الزلزال تفسيراً محتملاً لما حدث، خصوصاً بعدما سجلت أجهزة الرصد إشارة زلزالية قوية، إلا أن التحليلات اللاحقة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية رجحت أن الإشارة لم تكن زلزالاً سبق الانهيار، وإنما نتيجة سقوط الكتلة الهائلة من الصخور والجليد نفسها، بطاقة تعادل تقريباً زلزالاً بقوة 5.2 درجات. وبذلك تغير اتجاه البحث عن السبب، فلم يعد السؤال مرتبطاً بقوة خارجية هزت الجبل، وإنما بالظروف التي جعلت كتلة جليدية وصخرية بهذا الحجم تفقد استقرارها بصورة مفاجئة.

اندفع الانهيار إلى مجاري المياه أسفل الجبل، وحمل معه كميات كبيرة من الجليد والرواسب والصخور، وتشير التحليلات إلى أن الركام ربما شكل حاجزاً مؤقتاً أمام المياه قبل أن ينهار أو تتجاوزه، مطلقاً موجة ضخمة باتجاه المناطق الواقعة في الأسفل. وارتفع منسوب نهر تريشولي بنحو تسعة أمتار خلال ثلاثين دقيقة، في تطور يكشف حجم السرعة التي انتقلت بها الكارثة من أعالي الجبال إلى التجمعات البشرية.

هذه التفاصيل هي التي تجعل تصنيف ما حدث بوصفه كارثة طبيعية خالصة أكثر تعقيداً. فالسبب الفيزيائي المباشر واضح ويتمثل في انهيار الجليد والصخور وتحولها إلى تدفق من المياه والركام، إلا أن الظروف التي سبقت الانهيار تدخل ضمن بيئة جبلية تشهد تغيرات واسعة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء الجليدي واضطراب التربة الصقيعية.

وتشير البيانات التي نقلتها رويترز إلى أن جبال نيبال فقدت قرابة ثلث غطائها الجليدي خلال أكثر بقليل من ثلاثة عقود بسبب الاحترار العالمي، وهو تغير لا يقتصر أثره على تقلص مساحات الجليد، بل يصل إلى التوازن الذي يحافظ على استقرار المنحدرات والكتل الصخرية في المناطق المرتفعة. فالجليد يؤدي دوراً في تثبيت أجزاء من الجبال، وعندما يتراجع تتسرب المياه الناتجة عن الذوبان إلى الشقوق، فيما تتغير دورات التجمد والذوبان وتتراجع قوة التربة الصقيعية التي تمسك بأجزاء من الصخور والمنحدرات.

ومع ذلك، لا يذهب العلماء إلى حد القول إن تغير المناخ تسبب بصورة مباشرة وحاسمة بالانهيار الذي شهدته نيبال، لأن إثبات العلاقة السببية بين حادثة واحدة والاحترار العالمي يحتاج إلى دراسات تفصيلية لا تزال في مراحلها الأولى. غير أن التحفظ العلمي لا يلغي حقيقة أن الكارثة وقعت في منطقة تشهد تغيراً مناخياً واضحاً، وأن ارتفاع الحرارة وذوبان الجليد يجعلان البيئات الجبلية أكثر هشاشة أمام الانهيارات.

هنا يصبح الحديث عن مسؤولية الإنسان أكثر دقة. فالإنسان لم يصنع الانهيار بصورة مباشرة، ولم يضغط زراً أطلق الكتلة الجليدية نحو الوادي، لكنه ساهم عبر الانبعاثات المتراكمة في تغيير الظروف المناخية التي تعمل داخلها الأنهار الجليدية والجبال، وهو ما يطرح مفهوماً مختلفاً للكوارث لا يفصل بصورة كاملة بين ما هو طبيعي وما هو بشري.

كما كشفت الكارثة عن مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن تغير المناخ، وهي محدودية أنظمة الإنذار التقليدية. تعتمد نيبال، مثل كثير من الدول الجبلية، على مراقبة الأمطار ومستويات المياه في الأنهار باعتبارها المؤشرات الرئيسية لاقتراب الفيضانات، إلا أن حادثة الهيمالايا بدأت في منطقة مرتفعة ومن دون عاصفة أو أمطار غزيرة، ولذلك لم تقدم المؤشرات التقليدية التحذير الذي كان يمكن أن تمنحه في حالة فيضان موسمي اعتيادي.

هذا النوع من الكوارث يفرض إعادة النظر في مفهوم الإنذار المبكر نفسه، لأن مراقبة الأنهار لم تعد كافية إذا كانت بداية الخطر تقع على ارتفاع آلاف الأمتار فوقها. وقد يصبح من الضروري توسيع أنظمة الرصد لتشمل حركة الأنهار الجليدية والمنحدرات والتربة الصقيعية والبحيرات الجليدية، والاستفادة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار لرصد التغيرات الصغيرة قبل تحولها إلى انهيارات واسعة.

وتكشف نيبال أيضاً أن الكارثة لا تنتج من قوة الظاهرة الطبيعية وحدها، وإنما من المكان الذي تقع فيه وطبيعة النشاط البشري المحيط بها. فالانهيار الجليدي في منطقة خالية قد يبقى ظاهرة جيولوجية محدودة، لكنه يتحول إلى مأساة كبيرة عندما تتقاطع مساراته مع القرى والطرق والجسور ومحطات الطاقة والمناطق السياحية والممرات التجارية.

لقد ضربت التدفقات الناتجة عن الانهيار بنية تحتية ومناطق سكنية ومشروعات للطاقة، وأظهرت الكارثة مدى هشاشة المناطق الجبلية التي توسع فيها الإنسان عمرانياً واقتصادياً خلال العقود الماضية، من دون أن تتطور منظومات الحماية بالسرعة نفسها.

كما أن الخطر لم يتوقف عند الموجة الأولى من الفيضان، إذ أدى تراكم الصخور والجليد والركام إلى تشكيل بحيرات وحواجز طبيعية جديدة يمكن أن تنهار لاحقاً وتولد موجات إضافية من المياه، وهو ما يجعل الكارثة مثالاً على ما يعرف بالكوارث المتسلسلة، حيث يقود حدث واحد إلى سلسلة من الأخطار المتلاحقة التي يصعب التحكم بها بعد بدايتها.

ومع ارتفاع حجم الخسائر، انتقلت القضية من مستوى الإنقاذ إلى الاقتصاد وإعادة الإعمار، إذ تحتاج نيبال إلى مليارات الدولارات لإصلاح الطرق والجسور والمنشآت ومشروعات الطاقة التي تضررت، وهو عبء ثقيل على اقتصاد محدود الإمكانات مقارنة بحجم الخسائر.

وهذه النقطة تفتح جانباً آخر من النقاش، يتعلق بعدالة توزيع كلفة التغير المناخي. فدول مثل نيبال لم تكن بين أكبر الدول المسؤولة تاريخياً عن الانبعاثات العالمية، لكنها تقع في مناطق شديدة الحساسية لارتفاع درجات الحرارة، وتجد نفسها مضطرة إلى تحمل تكاليف ضخمة لحماية السكان وإعادة بناء ما تدمره الكوارث التي قد تتفاقم مع استمرار الاحترار.

كارثة نيبال لا تقدم حتى الآن دليلاً يسمح بالقول إن الإنسان صنع الانهيار بصورة مباشرة، لكنها تقدم مثالاً واضحاً على أن الحدود القديمة بين الكارثة الطبيعية والكوارث المرتبطة بالنشاط البشري أصبحت أقل وضوحاً. فالطبيعة أطلقت الانهيار، إلا أن البيئة التي وقع فيها تغيرت بفعل الاحترار العالمي، كما أن حجم الخسائر ارتبط بالتوسع البشري وضعف أدوات الرصد والإنذار في مواجهة نوع جديد من المخاطر.

لذلك قد يكون الوصف الأكثر دقة لما حدث هو أن نيبال شهدت كارثة طبيعية في آلية حدوثها، لكنها وقعت داخل بيئة أصبح الإنسان جزءاً من عوامل تغييرها وتضخيم أخطارها. وبين ذوبان الجليد، وتراجع استقرار الجبال، والتوسع العمراني، وقصور الإنذار المبكر، تبدو كوارث المستقبل أقل قابلية للتقسيم بين ما تصنعه الطبيعة وما يصنعه البشر، وأكثر ارتباطاً بالعلاقة المتغيرة بين الاثنين.

اضف تعليق