هل تتحمل المجتمعات المحلية الضغط على المياه والكهرباء والضوضاء والتلوث، بينما تتوزع المنافع الاقتصادية والتقنية على شركات ومستخدمين بعيدين؟ يتحول السؤال إلى قضية أكثر حساسية في المناطق الفقيرة أو الجافة، حيث تكون قدرة السكان على الاعتراض أو الحصول على المعلومات محدودة. وقد تجد مدينة نفسها أمام مشروع ضخم...

خلف الخدمات الرقمية التي تبدو غير مادية، تتوسع بنية تحتية تستهلك الكهرباء والمياه، وتنتج الانبعاثات والنفايات الإلكترونية، فيما يثير ضعف إفصاح الشركات تساؤلات حول التكلفة البيئية الحقيقية للثورة الجديدة.

في العاصمة التشيلية سانتياغو، لم يعد الجفاف حدثًا استثنائيًا. بعد سنوات متواصلة من شح الأمطار، اقتربت المدينة في بعض الفترات من تطبيق خطط لتقنين المياه وقطعها بالتناوب عن السكان. وفي هذه البيئة الحساسة، ظهر مشروع جديد لمركز بيانات تابع لشركة غوغل، يحتاج إلى تبريد آلاف الخوادم التي تعمل على مدار الساعة.

بالنسبة إلى تانيا رودريغيز ومجموعة من سكان منطقة سيريلوس، لم يكن المشروع مجرد مبنى تقني آخر، بل منافسًا صناعيًا محتملًا على مورد تتوقف عليه حياة المدينة.

شاركت رودريغيز في تأسيس حركة اجتماعية وبيئية محلية اعترضت على نظام التبريد المقترح للمركز. ووفقًا لتقرير مجلة "تايم"، ساهم تحرك السكان في دفع غوغل إلى تعديل خطتها واختيار نظام يعتمد على التبريد الهوائي بدلًا من النظام المائي.

قالت غوغل للمجلة إن مشروعاتها تأخذ الظروف المحلية في الحسبان، وإنها تعمل على إنشاء بنية حوسبة عالية الكفاءة تستخدم المياه بمسؤولية. لكن القضية التي أثارها سكان سانتياغو تجاوزت حدود تشيلي: من يملك حق استخدام المياه والطاقة عندما تتنافس حاجات السكان مع البنية التحتية التي تشغّل الذكاء الاصطناعي؟

بنية مادية خلف عالم افتراضي

يُقدَّم الذكاء الاصطناعي عادة بوصفه خدمة موجودة في السحابة. يكتب المستخدم سؤالًا أو يطلب صورة، فتظهر النتيجة خلال ثوانٍ. غير أن السحابة ليست فضاءً افتراضيًا؛ إنها شبكة من المباني والخوادم والكابلات ومحطات الكهرباء وأنظمة التبريد.

تضم مراكز البيانات آلاف المعالجات التي تدرب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغلها بعد طرحها للمستخدمين. وتحتاج هذه المعالجات إلى إمدادات متواصلة من الكهرباء، فيما تتحول كمية كبيرة من الطاقة إلى حرارة يجب التخلص منها لحماية الأجهزة.

لهذا تستخدم المراكز أنظمة تبريد تعتمد على الهواء أو السوائل أو تبخر المياه. كما تمتد بصمتها إلى الكهرباء المستخدمة خارج المنشأة، والمياه اللازمة لبعض محطات التوليد، واستخراج المعادن وتصنيع الرقائق، ثم التخلص من الخوادم بعد انتهاء عمرها التشغيلي.

ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتسابق الشركات على بناء منشآت أكبر وأكثر كثافة. وتثير سرعة التوسع مخاوف من أن يتجاوز نمو الطلب التحسن الذي تحققه التقنيات الجديدة في كفاءة الطاقة والمياه.

بصمة عالمية آخذة في الاتساع

أظهر تقرير لوكالة أسوشيتد برس، استنادًا إلى تقييم صادر عن جامعة الأمم المتحدة، أن مراكز البيانات استهلكت عالميًا نحو 448 تيراواط/ساعة من الكهرباء خلال السنة التي تناولها التقييم.

وقد ارتبط توليد هذه الكهرباء بانبعاث نحو 189 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى بصمة مائية كبيرة مرتبطة بقطاع الطاقة. ويتوقع التقييم أن يرتفع الطلب الكهربائي للمراكز بحلول عام 2030 مع استمرار التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة. فمراكز البيانات لا تخدم الذكاء الاصطناعي وحده؛ إنها تشغّل أيضًا خدمات التخزين والبث والحوسبة السحابية والمواقع الإلكترونية والعمليات المالية. غير أن الذكاء الاصطناعي يمثل حصة متنامية من أحمالها، ولا سيما بسبب المعالجات المتخصصة والتوسع الهائل في عدد الطلبات اليومية.

كما يجب التمييز بين تدريب النموذج وتشغيله. فتدريب نموذج ضخم قد يحتاج إلى قدر كبير من الكهرباء خلال فترة محددة، لكن تشغيل النموذج لملايين أو مليارات الطلبات يمكن أن يصبح المصدر الأكبر للاستهلاك بمرور الوقت.

من السؤال الرقمي إلى محطة الكهرباء

تبدأ الصلة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ من شبكة الكهرباء. فكلما ارتفع الطلب على خدماته، احتاجت الشركات إلى خوادم إضافية ومراكز أكبر وقدرة كهربائية جديدة.

إذا جاءت الكهرباء من الشمس أو الرياح أو مصادر منخفضة الكربون، انخفض الأثر المناخي للتشغيل. أما إذا استدعى الطلب الجديد تشغيل محطات تعمل بالفحم أو الغاز أو إطالة عمرها، فإن البصمة الكربونية ترتفع حتى لو لم تظهر أي مداخن داخل مركز البيانات نفسه.

وتعلن شركات التكنولوجيا الكبرى استثمارات واسعة في الطاقة المتجددة، كما توقع عقودًا لشراء الكهرباء النظيفة. غير أن شراء مقدار من الطاقة المتجددة يعادل الاستهلاك السنوي لا يعني بالضرورة أن المنشأة تعمل بطاقة خالية من الكربون في كل ساعة. فقد تحتاج في الليل أو أثناء ضعف الإنتاج المتجدد إلى كهرباء من شبكة تعتمد جزئيًا على الوقود الأحفوري.

هناك أيضًا انبعاثات لا تظهر كاملة في حسابات التشغيل، مثل الانبعاثات الناتجة عن تصنيع الخوادم والرقائق، وإنشاء المباني، ونقل المعدات، وتشغيل مولدات الديزل الاحتياطية.

لهذا حذر خبراء، في تقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، من أن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي يجري أحيانًا وفق سباق نحو الحجم والقدرة الحسابية، من دون اهتمام كافٍ بكفاءة الموارد.

لا يعني ذلك أن مراكز البيانات أصبحت أكبر مسبّب لتغير المناخ، أو أن إيقاف الذكاء الاصطناعي سيحل الأزمة. لكن القطاع ينتمي إلى مجموعة محدودة من الأنشطة التي يُتوقع أن يرتفع طلبها على الكهرباء بسرعة في وقت يحاول فيه العالم خفض الانبعاثات.

المياه: أزمة عالمية ذات آثار محلية

تختلف مشكلة المياه عن مشكلة الكربون. فالانبعاثات تنتشر في الغلاف الجوي ويصبح أثرها عالميًا، بينما يترك استهلاك المياه أثره المباشر في المدينة أو الحوض المائي الذي تقع فيه المنشأة.

تستخدم بعض المراكز المياه في أبراج التبريد، حيث يتبخر جزء منها أثناء طرد الحرارة. وقد تعمل منشأة أخرى بنظام مغلق يعيد تدوير السائل، لكنها تظل مرتبطة ببصمة مائية غير مباشرة من الكهرباء وتصنيع أشباه الموصلات.

ولهذا لا تكفي معرفة كمية المياه التي تدخل إلى مركز البيانات. يجب أيضًا طرح أسئلة عن مصدرها، ونوعية المياه المستخدمة، ودرجة الإجهاد المائي في المنطقة، والكمية التي تعاد إلى المصدر، والبصمة المرتبطة بمحطات الكهرباء والمصانع التي أنتجت المعدات.

يشير تحليل لوكالة رويترز إلى أن مراكز البيانات الجديدة قد تستخدم كميات أقل من المياه مقارنة بالتصميمات القديمة، لكن جزءًا منها ما زال يُقام في مناطق تعاني ضغوطًا مائية. كما أن تحسين التبريد داخل المنشأة لا يعالج تلقائيًا المياه المستخدمة في توليد الكهرباء أو تصنيع الرقائق.

وتقول شركات التكنولوجيا إنها تطور أنظمة تبريد مغلقة أو قليلة الاستهلاك، وتستخدم المياه المعالجة في بعض المواقع، وتمول مشروعات لاستعادة الموارد المائية. غير أن مفهوم "تعويض المياه" يواجه معضلة جغرافية: توفير المياه في منطقة لا يعوض بالضرورة الكمية المستهلكة من حوض آخر يعاني الجفاف.

كانت هذه تحديدًا نقطة الصراع في سانتياغو. لم يعترض السكان على التكنولوجيا بوصفها فكرة مجردة، بل على تصميم محدد في مكان يعاني أصلًا نقصًا في المياه.

الكفاءة وحدها قد لا تكون كافية

أصبحت المعالجات أكثر قدرة على تنفيذ عدد أكبر من العمليات مقابل كل وحدة من الطاقة، كما تحسنت كفاءة التبريد وتصميم مراكز البيانات. ويمكن لهذه التحسينات أن تخفض الأثر البيئي لكل طلب أو مهمة.

لكن انخفاض الاستهلاك لكل عملية لا يضمن انخفاض الاستهلاك الإجمالي. فإذا تحسنت الكفاءة بالتزامن مع تضاعف عدد المستخدمين والطلبات والنماذج، فقد يستمر الطلب الكلي على الكهرباء والمياه في الارتفاع. تُعرف هذه الظاهرة أحيانًا بأثر الارتداد: انخفاض تكلفة استخدام التقنية يشجع على توسيع استخدامها، فيبتلع النمو جانبًا من الوفورات.

لذلك لا توجد قيمة واحدة ثابتة يمكن نسبها إلى كل سؤال يرسله المستخدم إلى نموذج ذكاء اصطناعي. يختلف الاستهلاك باختلاف حجم النموذج، وطول الطلب والإجابة، ونوع المهمة، وكفاءة الأجهزة، وموقع المركز، والطقس، ونظام التبريد، ومصدر الكهرباء.

ويقدم تقرير "بي بي سي ساينس فوكس" سياقًا مهمًا بمقارنة الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي بأنشطة رقمية أخرى. فليس كل استخدام فردي للذكاء الاصطناعي كارثة بيئية، كما قد تفوقه بعض الأنشطة الرقمية الأخرى في ظروف معينة.

غير أن الخطر الرئيسي لا يكمن في طلب واحد، بل في الحجم التراكمي لمليارات الطلبات، والتوسع المتزامن في المراكز، وتركيز المنشآت في مناطق محددة، والسرعة التي ينمو بها القطاع.

فجوة الشفافية

يصعب الوصول إلى تقييم دقيق لأن الشركات لا تستخدم دائمًا المعايير نفسها في الإفصاح. قد تنشر شركة استهلاكها العالمي للمياه من دون تفصيله بحسب الموقع، أو تعرض كفاءة استخدام المياه مقابل الكهرباء من دون كشف الكمية الإجمالية.

وقد تشمل تقارير الاستدامة المراكز المملوكة للشركة، لكنها لا توضح بالدرجة نفسها أثر المراكز المستأجرة أو المنشآت التي يديرها موردون خارجيون. كما لا تفصل غالبًا بين أحمال الذكاء الاصطناعي وبقية الخدمات السحابية.

وتزداد المشكلة عندما تجمع التقارير بين "سحب المياه" و"استهلاك المياه". فالسحب يعني كمية المياه المأخوذة من المصدر، بينما يشير الاستهلاك عادة إلى الجزء الذي لا يعود سريعًا إلى الحوض نفسه بسبب التبخر أو انتقاله إلى مكان آخر.

دعا الخبراء الذين نقلت عنهم صحيفة "الغارديان" إلى إلزام الشركات بالإبلاغ عن استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات. لكن الإفصاح العالمي الإجمالي لن يكون كافيًا؛ إذ يحتاج السكان والسلطات إلى بيانات كل منشأة لمعرفة أثرها في شبكة الكهرباء والحوض المائي المحلي.

كما يحتاج صانعو السياسات إلى معرفة مصدر الكهرباء في كل ساعة، وليس فقط شراء الشركة شهادات أو عقودًا للطاقة النظيفة على أساس سنوي.

من يستفيد ومن يدفع؟

توفر مراكز البيانات استثمارات وعوائد ضريبية وخدمات رقمية أساسية، وقد تساعد في تطوير شبكات الكهرباء وجذب صناعات جديدة. إلا أنها تشغل مساحات واسعة وتستهلك موارد كبيرة، فيما لا تحتاج بعد اكتمال البناء دائمًا إلى أعداد ضخمة من العاملين الدائمين.

ينتج عن ذلك سؤال يتعلق بالعدالة المناخية: هل تتحمل المجتمعات المحلية الضغط على المياه والكهرباء والضوضاء والتلوث، بينما تتوزع المنافع الاقتصادية والتقنية على شركات ومستخدمين بعيدين؟

يتحول السؤال إلى قضية أكثر حساسية في المناطق الفقيرة أو الجافة، حيث تكون قدرة السكان على الاعتراض أو الحصول على المعلومات محدودة. وقد تجد مدينة نفسها أمام مشروع ضخم قبل امتلاكها بيانات كافية عن احتياجاته المستقبلية.

لا يعني ذلك أن كل مركز بيانات يضر بالمجتمع المحيط، أو أن المصالح المحلية والتقنية لا يمكن التوفيق بينها. لكن تجربة تانيا رودريغيز توضح أن إشراك السكان مبكرًا قد يغير تصميم المشروع ويقلل أثره.

ما الذي يمكن فعله؟

لا يتطلب الحد من الأثر البيئي إيقاف الذكاء الاصطناعي، بل إخضاع بنيته التحتية لقواعد تتناسب مع حجمها.

تبدأ الخطوة الأولى بإفصاح إلزامي وموحد عن الكهرباء والمياه والانبعاثات في كل منشأة، مع إخضاع البيانات لتدقيق مستقل. وينبغي أن تميز التقارير بين المياه المسحوبة والمستهلكة، وبين الكهرباء المتجددة المشتراة والكهرباء التي تصل فعليًا إلى المركز ساعة بساعة.

ويمكن للسلطات اشتراط إجراء تقييم مناخي ومائي قبل الترخيص، ومنع المشروعات عالية الاستهلاك في الأحواض شديدة الإجهاد، أو إلزامها باستخدام مياه معالجة وأنظمة تبريد ملائمة للمناخ المحلي.

كما يمكن ربط الموافقات على المراكز الكبيرة بإضافة قدرة كهربائية منخفضة الكربون، حتى لا تتحمل الأسر تكلفة توسعة الشبكة أو يؤدي الطلب الجديد إلى زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وعلى شركات الذكاء الاصطناعي التعامل مع الكفاءة باعتبارها معيارًا أساسيًا لتطوير النماذج، لا الاكتفاء بالتنافس على الحجم والقدرة. ويشمل ذلك تصميم نماذج أصغر للمهام البسيطة، وتحسين استخدام الخوادم، وإطالة عمر المعدات وإعادة تدويرها، ونشر معلومات تساعد المستخدمين والمؤسسات على اختيار الأدوات الأكثر كفاءة.

الاختبار الحقيقي

في سانتياغو، لم يكن النزاع بين سكان يرفضون المستقبل وشركة تريد جلب التكنولوجيا. كان خلافًا حول الشكل الذي يجب أن يتخذه ذلك المستقبل، ومن يملك حق المشاركة في تحديد تكلفته.

نجح الضغط المحلي في تغيير نظام التبريد المقترح، لكنه لم يحسم السؤال العالمي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتوسع بالسرعة الحالية من دون أن ينقل جزءًا من تكلفته إلى الغلاف الجوي والأنهار وشبكات الكهرباء والمجتمعات التي لا تظهر على شاشات مستخدميه؟

ستعتمد الإجابة على مصدر الكهرباء، وموقع المراكز، وكفاءة الخوادم، وطريقة إدارة المياه، وقوة الأنظمة الرقابية. لكنها ستعتمد قبل ذلك على الشفافية؛ فما لا تقيسه الشركات والحكومات ولا تنشره، لا يستطيع المجتمع إدارته أو محاسبة المسؤولين عنه.

الثورة الرقمية ليست بلا وزن ولا حرارة ولا عطش. والاختبار الحقيقي لذكاء التقنية قد لا يكون فقط في قدرتها على إنتاج إجابات أفضل، بل في قدرتنا على تشغيلها من دون تعميق الأزمة التي تهدد الكوكب.

* المصادر: مجلة "تايم"، وكالة أسوشيتد برس، جامعة الأمم المتحدة، صحيفة "الغارديان"، وكالة "رويترز"، "بي بي سي ساينس فوكس".

اضف تعليق