يناقش المقال تراجع الغطاء النباتي في القاهرة وما يترتب عليه من آثار صحية وبيئية واجتماعية، ويربط قطع الأشجار بضعف الرقابة وتعدد الجهات المسؤولة واستغلال تصنيفات إدارية تتجاوز التقييم البيئي. ويدعو إلى سجل مركزي للأشجار، وتشديد العقوبات على المقاولين، وفرض الشفافية، ودمج حماية الأشجار المعمرة في التخطيط الحضري بما يوازن...
بقلم: إنجي عمر
إن لانحسار الغطاء النباتي في مدن مصر المكتظة بالسكان تبعات صحية، ناهيك عن أنه يزيد مشقة المتنقلين يوميًا.
عندما باشرت النيابة العامة في مصر تحقيقًا في تدمير الأشجار على طول شارع جامعة الدول العربية في القاهرة، أثارت تساؤلًا أكبر بكثير: كيف تختفي آلاف الأشجار في أنحاء المدن المصرية من دون علم كبار المسؤولين؟
ولا تكمن المشكلة فقط في فقدان الظل في يوم صيفي حار، بل في نظام فاسد، حيث يقطع المقاولون في وضح النهار أشجارًا عمرها عقود من الزمن، متجاوزين بذلك القوانين البيئية. إن الأشجار في القاهرة ليست للزينة فحسب، بل هي جزء من بنية تحتية ضرورية للبقاء. لقد خسرت القاهرة بين العامين 2017 و2020 ما يقرب من مليون متر مربع من المساحات الخضراء، وفي معظم الأحياء تقل المساحات الخضراء عن نصف متر مربع للفرد، وهي نسبة ضئيلة جدًا مما تتطلبه المعايير الصحية.
حين تُقطع الأشجار المعمرة في مدينة مكتظة بالسكان، ترتفع درجات الحرارة ارتفاعًا حادًا، ويمتلئ الهواء بالغبار، ويتعذر التنقل سيرًا على الأقدام. والأشخاص الذين يدفعون الثمن هم المتنقلون يوميًا، والباعة المتجولون، والسكان الذين يتحملون حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية من دون أماكن مظللة. والواقع أن مصر تمتلك قوانين لحماية البيئة، وتلتزم رسميًا، بصفتها الدولة المضيفة للدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف (COP27)، وموقعة على اتفاقيات دولية للمناخ، بتوسيع المساحات الخضراء وخفض الانبعاثات. ويُفترض، من الناحية القانونية، أن تخضع المشاريع الكبرى في المدن لتقييمات صارمة للتداعيات البيئية قبل البدء بتنفيذها.
لكن البلديات والمقاولين يستغلون حيلة إدارية للالتفاف على هذه القوانين، إذ يعيدون تصنيف قطع الأشجار على أنه «أعمال صيانة» أو «أعمال طرق» اعتيادية. وهم إذ يتعاملون مع الأشجار على أنها عوائق بسيطة، لا على أنها موارد طبيعية، يتجاوزون إجراءات التدقيق البيئي بالكامل: فلا جلسات استماع عامة، ولا مراجعات بيئية، بل مجرد جرافة وطاقم عمل يتحرك بسرعة.
ولكن لِمَ لا يعترف أحد بالخطأ؟ يُعزى ذلك إلى ثلاث مشاكل منهجية:
أولًا، تعاني الحكومة المصرية من تعدد الجهات المسؤولة وضعف المساءلة. فمسؤولية إدارة الشوارع تتوزع بين المجالس المحلية والمحافظات وهيئات النقل، ما يثبت أن المسؤولية حين يتقاسمها الجميع، لا يُحاسَب أحد.
ثانيًا، يجري التعاقد مع مقاولين لتوسيع الطرق ضمن جداول زمنية ضيقة. ولذا، يتطلب الإبقاء على شجرة عمرها 50 عامًا في مكانها حلولًا هندسية ذكية، ووقتًا، وتكلفة إضافية، في حين أن قطعها لا يستغرق سوى بضع دقائق.
ثالثًا، لا تخضع الأشجار في مصر لأي حماية قانونية. ففيما يتمتع مبنى تاريخي بهذه الحماية، لا تحظى شجرة عمرها 80 عامًا بالحماية نفسها، لأن الحكومة والعمال المحليين يتعاملون مع الأشجار على أنها مجرد أثاث في الشوارع يمكن التخلص منه.
مع ذلك، ثمة سبل لوقف هذا التدمير، إذ ينبغي على الحكومة أن توقف فورًا قطع الأشجار غير الضروري، وأن تصلح النظام الذي يسمح بقطعها من دون رقابة أو مساءلة واضحتين. ولا بد للحكومة أيضًا من أن تحصر مسؤولية حماية الأشجار في جهة مركزية، وتُدرج جميع أشجار المدن ضمن سجل رقمي واحد تديره وزارة البيئة مباشرة، إذ لا ينبغي أن تكون للمجالس المحلية، منفردة، صلاحية الموافقة على إزالة الأشجار.
وتتحمل الحكومة أيضًا مسؤولية معاقبة المقاولين المخالفين، وإلزامهم بنشر تقييمات للأثر البيئي قبل الشروع في أي أعمال طرق. وفي حال قطع المقاولون الأشجار من دون ترخيص، يجب أن تكون الحكومة مسؤولة عن تغريمهم ومنعهم من الحصول على عقود حكومية في المستقبل. أخيرًا، يجب توجيه المطورين العقاريين إلى احترام الطبيعة عند تصميم مشاريعهم، بإلزام المهندسين المدنيين بإنشاء الطرق حول الأشجار المعمرة القائمة، عبر استخدام الجزر الوسطى والمسارات المنحنية، بدلًا من تسوية كل شيء أولًا.
ففي نهاية المطاف، لا تتعلق هذه الأزمة بالأشجار بحد ذاتها، بل بنوع المدن التي تريد مصر بناءها، ونوع الحياة التي تريد أن يعيشها شعبها. فالشجرة التي وقفت لعقود من الزمن في شارع من شوارع القاهرة ليست شيئًا يمكن استبداله ببساطة عن طريق غرس بضع أشجار صغيرة في مكان آخر. تستغرق الأشجار المعمرة وقتًا طويلًا لتنمو، وفي غضون ذلك توفر الظل، وتخفف الحرارة، وتحسن جودة الهواء، وتجعل الشوارع المزدحمة مريحة أكثر للناس الذين يعيشون ويعملون فيها.
هذه الأشجار ليست ترفًا للكثير من المصريين، ولا سيما أولئك الذين يذهبون إلى أعمالهم سيرًا على الأقدام، أو ينتظرون وسائل النقل العام، أو يبيعون السلع في الشارع، أو يقضون معظم يومهم في الخارج، بل هي جزء من حياتهم اليومية، وإزالتها تزيد من صعوبة الظروف البيئية الصعبة أصلًا. قد يسهم توسيع الطرق في تسريع حركة المرور، لكنه إذا كان يرغم الناس على السير تحت أشعة الشمس الحارقة من دون مكان يلوذون به من الحر، فالمواطنون العاديون هم مَن يدفعون ثمن هذه المشاريع.
ولهذا السبب ينبغي ألا ينتهي التحقيق في مسألة تدمير الأشجار بتحديد مقاول أو مسؤول واحد لإلقاء اللوم عليه. فإن كان بإمكان الجهات المختلفة تحويل المسؤولية من مكتب إلى آخر، وإن كان بإمكان المقاولين إزالة الأشجار من دون رقابة عامة واضحة، فقد تتكرر المشكلة نفسها حتى بعد إغلاق كل قضية على حدة. ليس على مصر الاختيار بين الطرق الحديثة والمدن الخضراء، فالتخطيط الحضري الجيد يجب أن يتيح الجمع بينهما. ويمكن إعادة تصميم الطرق، وتعديل المشاريع، وحماية الأشجار، عندما تضعها السلطات ضمن أولوياتها منذ البداية.
سيكون الاختبار الحقيقي لهذه الأزمة ما سيحدث بعد ذلك. إذا أفضى التحقيق في مسألة قطع الأشجار إلى قواعد أكثر صرامة، وتحديد أوضح للمسؤولية، وشفافية أمام الرأي العام، وحماية حقيقية للأشجار المعمرة، فقد ينتج عما حدث شيء إيجابي. أما إذا اختفت الأشجار، وأصبح التحقيق في نهاية المطاف قصة أخرى يطويها النسيان، فستواصل المدن المصرية فقدان شيء ثمين يستغرق تعويضه أجيالًا.
لا يجوز أن يعني التقدم مدنًا أكثر حرارة وامتلاءً بالغبار وأعصى على العيش، وهو بالتأكيد لا يعني بناء ناطحات السحاب على حساب المساحات الخضراء. فمصر الحديثة ينبغي أن تكون قادرة على البناء للمستقبل من دون تدمير المساحات الطبيعية التي تُبقي مدنها صالحة للعيش اليوم.



اضف تعليق