بقلم جوردان ويلكرسون

يؤدي الاحترار العالمي إلى تحرير الكربون من الحياة المدفونة منذ أمد طويل في التربة المتجمدة بالقطب الشمالي.. ولكن لا يتضح تأثيره على أزمة المناخ.

تعمل على مدار العام محطة مراقبة ثاني أكسيد الكربون التابعة لمركز وودويل لأبحاث المناخ في بحيرة إيتمايل في ألاسكا للوصول إلى فهم أفضل لكيفية تغيُّر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من التربة الصقيعية في القطب الشمالي الذي يزداد احترارًا، التُقطت هذه الصورة عام 2018.

لم يعد بقاء طبقة الأرض المتجمدة في القطب الشمالي مضمونًا مع استمرار درجات حرارة كوكب الأرض في الارتفاع، ولكن لا يتضح حتى الآن مقدار تدهور تغيّر المناخ بسبب انحلال ما يسمى بالتربة الصقيعية[DW1]، وفقًا لتقرير التقييم السادس الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC)، وقد تسبب هذا الغموض في إحداث ثغرة محبطة في التوقعات المناخية التي يُعدها الباحثون.

تغطي التربة الصقيعية ربع مساحة أراضي نصف الكرة الشمالي، وتختزن حوالي تريليون ونصف طن متري من الكربون العضوي، أي ضعف ما يحمله الغلاف الجوي حاليًّا، وقد جاء معظم هذا الكربون من بقايا الحياة العتيقة المحفوظة داخل التربة المتجمدة لما يصل إلى مئات الآلاف من السنين.

في العقود الأخيرة، ذابت التربة الصقيعية بسبب الاحترار العالمي من جَرَّاء الحرارة الحبيسة بشكل أساسي من تحرير ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من حرق الوقود الأحفوري، ويرتفع معدل احترار المناطق القطبية الشمالية ليبلغ ضعف معدل المتوسط العالمي منذ عام 2000، وفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ونظرًا إلى أن هذه الزيادة تسرِّع من عملية ذوبان التربة الصقيعية، فإن الكربون العضوي الموجود بداخلها يتحلل ويطلق غاز ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي إلى تفاقم عملية تغيّر المناخ.

لكن علماء المناخ ليسوا متأكدين من مقدار الكربون الذي سيتحرر من التربة الصقيعية وتوقيت حدوث ذلك الأمر، وهو ما يتجلى في المجموعة الواسعة من التقديرات الواردة في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ هذا الأسبوع، ووجود هذا الغموض يعوق وضع تنبؤات بشأن تغيُّر المناخ، مما يصعّب معرفة ما إذا كانت دول العالم تمضي على المسار الصحيح لتحقيق الأهداف المصممة للحدّ من ظاهرة الاحترار العالمي كما هو منصوص عليه في اتفاقية باريس لعام 2015، ويعتمد وضع سياسات لتحقيق هذه الأهداف على الوصول إلى فهم دقيق لكمية ثاني أكسيد الكربون التي تدخل الغلاف الجوي كل عام.

لا تراعي معظم النماذج المناخية الحالية حجم الكربون المتحرر من التربة الصقيعية في نماذج المحاكاة الخاصة بها، عوضًا عن ذلك، يطرح أحدث تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ أفضل تقدير لنطاق الكربون الذي يُحتمل أن تحرره التربة الصقيعية، ثم يراعي التقرير هذا النطاق عند تقدير ميزانية الكربون المتبقية في العالم كمية غاز ثاني أكسيد الكربون التي لا يزال من الممكن إطلاقها؛ لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، كما يقول تشارلي كوفن، عالِم دورة الكربون في مختبر لورانس بيركلي الوطني وأحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير، ويضيف كوفن أنه بالرغم من أن هذا النهج ليس مثاليًّا، فإنه يُعدّ "تجليًا للحالة الملحَّة لأزمة المناخ، فليس لدينا الوقت للخروج بحل مثالي، بل علينا التصرف بناءً على المعرفة التي لدينا".

في غضون ذلك، يحاول الباحثون الوصول إلى فهم أفضل لحجم إسهام التربة الصقيعية في ظاهرة الاحترار العالمي، المفتاح هو دورة الكربون على كوكب الأرض، حيث يتم تبادل الكربون بين الأرض والماء والهواء، أما في القطب الشمالي المتأثر بالاحترار العالمي، فهناك عاملان مؤثران متعارضان يغيران تلك الدورة الكربونية؛ فعندما تذوب التربة، تستهلك البكتيريا والفطريات والميكروبات الأخرى التي تعيش في التربة المواد العضوية المنكشفة وتطلق الكربون في الغلاف الجوي، كما تنمو المجتمعات الميكروبية بشكل أفضل في القطب الشمالي الأكثر احترارًا، مما يزيد من أعدادها وشهيتها، من المحتمل أن يؤدي هذا إلى إنشاء ما يسمى بحلقة التغذية الراجعة؛ إذ يتسبب تغيُّر المناخ في إطلاق المزيد من ثاني أكسيد الكربون، مما يسفر عن تفاقم المشكلة على مستوى العالم، ويؤدي بالتالي إلى تحفيز إطلاق المزيد من الكربون، تنمو النباتات عادةً بشكل أفضل في درجات الحرارة الأدفأ وفي هواء غني بالكربون، ولكن هذا النمو يسحب المزيد من الكربون من الهواء ليترسب في التربة عندما تموت النباتات، وهكذا، فمع احترار التربة الصقيعية للأرض، "عندما تسأل ‘مَن المنتصر؟’ فلا يمكننا جزم الأمر فورًا"، وفق قول تيد شور، الأستاذ في جامعة نورثرن أريزونا، الذي يدرس النظم البيئية في القطب الشمالي.

على مدار العشرين عامًا الماضية، أدار شور موقعًا بحثيًّا بالقرب من حديقة دينالي الوطنية في ألاسكا لمحاولة تحديد مَن المنتصر من خلال مراقبة عملية تبادل ثاني أكسيد الكربون بين التربة والهواء، في ربيع هذا العام، أفاد شور بشيء مثير للقلق في دورية «جيه جي آر بايوجيوساينس» JGR Biogeosciences: ميكروبات التربة هي التي تنتصر، مما يعني أن المنطقة الصغيرة المحيطة بموقع دراسة شور هي مصدرٌ صافٍ لغاز ثاني أكسيد الكربون.

ويفيد كوفن بأنه في هذه المرحلة، "من الصعب تخيُّل سيناريو يكون فيه نمو النباتات قادرًا على تجاوز فقدان الكربون من التربة الصقيعية"، ولكن لتوخي الدقة في تحديد كمية الكربون التي يمكن أن تتحرر من التربة الصقيعية خلال القرن الحادي والعشرين؛ "فهناك الكثير من العمل الذي يتعين فعله"، وفق قوله.

بينما أظهرت مؤخرًا أيضًا مواقع أخرى لرصد غاز ثاني أكسيد الكربون أن الميكروبات هي المنتصرة -في النتائج المنشورة هذا الشهر في دورية «إنفايرونمنتال ريسيرش ليترز» Environmental Research Letters، على سبيل المثال- فهناك عدد قليل جدًّا من المواقع بما يتعذر معه تمثيل جميع مناطق التربة الصقيعية مجتمعةً على الأرض، والتي تمتد لنحو 22 مليون كيلومتر مربع، يوجد عدد قليل جدًّا من مواقع البحث هذه في سيبيريا، ولكنها تُعتبر أكبر إقليم للتربة الصقيعية، مما يجعلها "صندوقًا أسود"، وفق وصف جينيفر واتس، باحثة نظم القطب الشمالي في مركز وودويل لأبحاث المناخ في فالماوث، بولاية ماساتشوستس.

إن المشهد الطبيعي القاسي والنائي للقطب الشمالي يجعل من الصعب على الباحثين المغامرة بالخروج وإنشاء المزيد من المواقع، ومن ضمن الحلول الممكنة مراقبة ذوبان التربة الصقيعية عن بُعد باستخدام الأقمار الصناعية، وبالفعل، استخدم العلماء الأقمار الصناعية للخلوص إلى أن الغطاء النباتي آخذٌ في الاتساع عبر معظم أنحاء القطب الشمالي، على الرغم من أن مراقبة إطلاق الكربون عن بُعد تتطلب مزيدًا من البراعة التقنية.

جمع العينات المتفرقة ليس السبب الوحيد للغموض الذي يكتنف إسهام ذوبان التربة الصقيعية في عملية تغيُّر المناخ؛ فعلماء القطب الشمالي يواصلون أيضًا اكتشاف منعطفات جديدة مثيرة للقلق في قصة دورة الكربون، ففي عام 2019، أفادت واتس وعلماء آخرون في دورية «نيتشر كلايمت تشينج» Nature Climate Change بأن الميكروبات في العديد من مواقع الدراسة تظل نشطةً إلى حدٍّ ما حتى خلال فصل الشتاء، وبالتالي تطلق بعضًا من غاز ثاني أكسيد الكربون على مدار العام، بشكل منفصل، في دورية «نيتشر جيوساينس» Nature Geoscience في العام التالي، ربط كوفن وشور بالتعاون مع باحثين آخرين بين بحيرات الذوبان -عبارة عن تجمعات مائية ممتدة من المياه الذائبة من انصهار التربة الصقيعية الغنية بالجليد- وإطلاق فقاعات من الميثان، وهو مركب كربوني له تأثير على الاحترار العالمي أقوى من ثاني أكسيد الكربون، تقول كاتي والتر أنتوني، أستاذة إيكولوجيا النظم البيئية في جامعة ألاسكا فيربانكس ومؤلفة مشاركة في دراسة بحيرات ذوبان التربة الصقيعية: "إنه من دون هذه الفقاعات، فإنك تقلل من دور الكربون في حلقة التغذية الراجعة".

وتوضح واتس أنه حتى اليوم، لا يزال تحرر غاز الميثان من القطب الشمالي المحترّ يطرح "علامة استفهام كبيرة! فنحن نعلم بوجود غاز الميثان، ولكننا لا نعرف مقداره، ولا نعرف مطلقًا الهيئة التي سيتخذها في المستقبل".

على الرغم من أن متوسط درجة الحرارة العالمي قد زاد بالفعل بأكثر من درجة مئوية واحدة عن مستويات ما قبل عصر الصناعة، ولكن هذا يعتبر "معدلًا صغيرًا نسبيًّا، مقارنةً بالتغييرات المحتملة التي قد تنتظرنا"، كما يقول كوفن، كانت الإستراتيجية التي اعتمد عليها علماء المناخ للوصول إلى فهم أفضل للتبعات المترتبة على التربة الصقيعية على مستقبل كوكب الأرض الأكثر احترارًا هي دراسة ماضيه الأكثر احترارًا، على مدار المليوني سنة الماضية، ارتفعت درجات الحرارة من حين إلى آخر أعلى قليلًا مما هي عليه اليوم، ويقول ألبرتو رييس، الأستاذ المساعد في جامعة ألبرتا، الذي يدرس كيف استجابت التربة الصقيعية العتيقة لهذه الفترات الدافئة في الماضي: "كل فترة من تلك الفترات الدافئة هي تجربة طبيعية عظيمة".

حلل رييس وآخرون خلال ربيع هذا العام رواسب الكهوف في القطب الشمالي وشبه القطب الشمالي الكنديين، مثل الأحجار المتدفقة والصواعد، وانتهوا إلى أن التربة الصقيعية في القطب الشمالي قد ذابت بكميات ليست بالقليلة إبان بعض الفترات الدافئة السحيقة، ولكن استنادًا إلى السجلات المأخوذة من العينات اللبّيّة الجليدية من الصفائح الجليدية بالقطب الجنوبي وجرينلاند، والتي تحتوي على فقاعات هواء حبيسة من الماضي البعيد، لا يبدو أنه كانت هناك ارتفاعات حادة في مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون أو غاز الميثان في الغلاف الجوي نتيجةً لذلك.

يتساءل رييس: "أين غازات الدفيئة هذه؟"، والإجابة ليست بالضرورة أنها لم تنبعث من ذوبان التربة الصقيعية؛ ففي الماضي السحيق، كان لدى المحيطات من الوقت لامتصاص ثاني أكسيد الكربون المنبعث من التربة الصقيعية أكثر مما سيُتاح لها هذه المرة، وتُعدّ مستويات اليوم أعلى كثيرًا من مستويات المليوني عام الماضية، بل وترتفع بمعدل أسرع، يقول رييس في النهاية: "لقد ضغطنا على النظام حتى أقصى حدوده بالفعل، وتسبَّب البشر في خلق حالة لا نظير لها".

* جوردان ويلكرسون هو كاتب علمي تخرج مؤخرًا في جامعة هارفارد بدرجة الدكتوراة في كيمياء الغلاف الجوي.

اضف تعليق