القصة تتكرر كل سنة، في الصيف لا يستطيع رجال الاطفاء في اغلب دول العالم الاستراحة من دون حرائق تلتهم آلاف الدونمات من الغابات، كما تزايد مخاوف دول اخر جراء ارتفاع معدلات حدوث حرائق الأبراج الشاهقة في البلدان التي تضم بعض أعلى بنايات الابراج في العالم، عامنا الحالي 2021 شهد موجة حر غير مسبوقة أسفرت عن اندلاع عشرات الحرائق ومصرع المئات في العديد من الدول في قارات أميركا وأوروبا وإفريقيا وآسيا، حيث شهدت الأرض حالة كارثية، وتجاوز عدد الحرائق متوسط عددها في السنوات السابقة.

في الوقت الذي ما زال ملف التغير المناخي وتأثيره المدمر على الأرض ينتظر الحلول الجذرية، لكن في الأثناء، تعرض كوكبنا الاخضر لكارثة مدمرة متمثلة في الحرائق، التي تلف الكوكب من شرقه إلى غربه، وتمتد الحرائق من سيبيريا شرقا إلى بوليفيا وولاية كاليفورنيا الأميركية، مرورا بالجزائر وتونس في شمال إفريقيا، واليونان في أوروبا، ووفقًا لخريطة القمر الصناعي لنظام معلومات الحرائق التابعة لوكالة "ناسا" الأميركية المعروف باسم "FIRMS"، فقد انتشرت الحرائق في أجزاء كثيرة من العالم بسبب تأثيرات الاحتباس الحراري وتغير المناخ، والتي كان أقساها في تركيا واليونان، وتعاني العديد من دول البحر الأبيض المتوسط من حرارة شديدة وانتشرت حرائق الغابات بسرعة في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك تركيا، واليونان وإيطاليا والجزائر وتونس، وآخرها حريق كبير نشب في إسرائيل، كما أدى تفاقم الجفاف والحرارة - وكلاهما مرتبط بتغير المناخ - إلى إشعال حرائق الغابات هذا الصيف في غرب الولايات المتحدة وفي منطقة سيبيريا الشمالية في روسيا، ويقول العلماء إن هناك القليل من الشك في أن تغير المناخ الناجم عن حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي يؤدي إلى مزيد من الأحداث المفرطة.

اليونان

أدت الحرائق في اليونان إلى استنفاد قدرات مكافحة الحرائق في البلاد إلى أقصى حد، وناشدت الحكومة المساعدة من الخارج. وأرسلت حوالي 24 دولة أوروبية وشرق أوسطية مساعدات، بما في ذلك رجال إطفاء وطائرات ومركبات.

واليوم الجمعة، عالج رجال الإطفاء من رومانيا وأوكرانيا وصربيا وسلوفاكيا وبولندا ومولدوفا البقايا المشتعلة للحريق الرئيسي في إيفيا، الذي دمر 50900 هكتار (125777 فدانًا) من ثاني أكبر جزيرة في اليونان.

ولا يزال حريقان رئيسيان آخران مشتعلين في منطقة البيلوبونيز بجنوب اليونان، حيث يساعد المئات من رجال الإطفاء الفرنسيين والألمان والنمسا والتشيك زملاءهم اليونانيين، ويربط خبراء تضاعف عدد الحرائق في العالم بظواهر مختلفة متعلقة بالاحتباس الحراري. ويعتبرون أن موجات الحر المتكررة تشكل مؤشراً لا لبس فيه على ذلك، متوقعين أن تتضاعف موجات الحر وتشتد وتطول مدتها، وهو ما يشكل خليطاً مثالياً لاندلاع الحرائق وتوسّعها.

وبحسب مسودة تقرير أعده خبراء المناخ في الأمم المتحدة في يونيو الماضي، أدى "ارتفاع درجات الحرارة والجفاف على المستوى العالمي إلى إطالة موسم الحرائق وضاعف مساحة المناطق المعرضة لخطر اندلاعها".

وفي مؤشر إلى أن موسم الحرائق هذا الصيف في أوروبا لم يشارف على نهايته بعد، وأن جبهتها هي التي انتقلت فقط، وجّهت فرنسا ثلاث طائرات مخصصة لمكافحة الحرائق كانت أرسلتها على عجل إلى اليونان، إلى صقلية التي تتصدى لحرائق مماثلة على غرار جارتها كالابريا، واندلع حريق جديد اليوم الجمعة في جزيرة إيفيا اليونانية ولكن جنوب المنطقة التي دمر فيها حريق هائل غابات، وأضرم النار في المنازل، ولا يزال الدخان مشتعلًا بعد 10 أيام من اندلاعه، قالت إدارة الإطفاء اليونانية إنه تم إرسال أربع طائرات لإلقاء المياه وست مروحيات للسيطرة على الحريق الجديد في وسط إيفيا، إلى جانب 23 من رجال الإطفاء و10 مركبات، دمر الحريق الأكبر الذي اندلع في 3 أغسطس معظم شمال الجزيرة وهو أحد أسوأ حرائق الغابات المعروفة في البلاد.

إيطاليا

وواجهت قطاعات من جنوب إيطاليا حرائق غابات في الأسابيع الأخيرة واستعرت النيران في أحراش بمنطقة كالابريا في أقصى الجنوب وفي جزيرتي صقلية وسردينيا، وارتفعت درجات الحرارة يوم الأربعاء الماضي لما يقرب من 49 درجة مئوية في جنوب شرق صقلية، وقيل إن هذه أعلى درجة حرارة تسجلها أوروبا على الإطلاق.

وتتجه الموجة الحارة الآن شمالا وتم إجلاء 25 أسرة مع انتشار الحرائق في محمية مونت كاتيللو قرب ضاحية تيفولي على مشارف روما، حسب ما قال رجال إطفاء في تغريدة على "تويتر".

تركيا

وفي تركيا، أودت الحرائق بحياة ثمانية وأتت على عشرات الآلاف من الأفدنة في الأحراش والغابات، في نفس الأسبوع الذي حذرت خلاله لجنة معنية بالمناخ تابعة للأمم المتحدة من أن ارتفاع درجة حرارة الأرض يقترب بقوة من الخروج عن نطاق السيطرة ومن أن موجات الطقس بالغة السوء ستزداد حدته.

وحوّلت أزمة الحرائق التي اندلعت أواخر الشهر الماضي في عدة ولايات تركية، إلى مناسبة جديدة للأتراك لانتقاد حكومة بلادهم على طريقة تعاملها مع النيران التي دمّرت أكثر من 100 ألف هكتار من الأراضي حتى الآن.

الجزائر

ويبدو أن غالبية حرائق الغابات التي تجتاح شمال الجزائر أصبحت تحت السيطرة الجمعة، خصوصا في منطقة تيزي وزو الأكثر تضررا في منطقة القبائل، بحسب السلطات، حيث أودت الحرائق بحياة العشرات من السكان ورجال الدفاع المدني.

وأعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الخميس، أن حجم الحرائق التي اشتعلت في البلاد لم تشهدها الجزائر منذ عشرات السنين، وبعد إعلان "إخماد كل حرائق الغابات التي اندلعت صباح اليوم في تيزي وزو"، أفادت الحماية المدنية عن اندلاع "خمسة حرائق" في هذه الولاية، ويواصل عناصر الإطفاء ومتطوعون مكافحة 35 حريقا في 11 محافظة أخرى، من بينها جيجل وبجاية وبومرداس وفق أحدث تقرير للحماية المدنية، وفي المجموع، أخمد 76 حريقا من أصل مئة أحصيت الخميس، في 15 محافظة في البلاد.

تونس

وفي تونس، قالت وكالة تونس إفريقيا للأنباء اليوم الجمعة، إن حريقا اندلع في منطقة جبل أم الأبواب بولاية زغوان يواصل تقدمه، وإن النيران أتت على نحو 500 هكتار من أشجار الغابات.

روسيا

وفي روسيا، وسعت السلطات الروسية نطاق حالة الطوارئ في شمال شرق سيبيريا اليوم الجمعة لجلب موارد خارجية لمكافحة حرائق الغابات التي اجتاحت الإقليم مترامي الأطراف، وأعلن وزير الطوارئ الروسية يفغيني زينيتشيف حالة الطوارئ في جمهورية ساخا "ياقوتيا".

سيبيريا

القرار من شأنه تنظيم نقل موارد مكافحة الحرائق من مناطق أخرى للمساعدة في إخماد ألسنة اللهب في ياقوتيا أكبر أقاليم روسيا والذي تتجاوز مساحته مساحة الأرجنتين، كانت حرائق الغابات التي تشهدها سيبيريا تستعر بشدة بحسب السلطات، إلى حد أن الدخان وصل الى القطب الشمالي بحسب ما ذكرت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، وإذا كان من الصعب ربط حريق ما بالتغير المناخي، فإن الأخير يجعل هذه الكوارث أكثر احتمالا وخطورة، ويرى العلماء الروس أن الحرائق الحالية هي بالفعل نتيجة ارتفاع درجات الحرارة عالميا.

وتشكل منطقة "ياقوتيا" في سيبيريا أحد المناطق الأكثر تضررا جراء الحرائق، حيث يواصل الوضع "التفاقم مع اتجاه لارتفاع عدد ومساحة حرائق الغابات" كما كشفت وكالة الارصاد الجوية الروسية "روسغيدرومي" على موقعها الإلكتروني.

وبحسب قولها، فإن أكثر من 3.4 ملايين هكتار من الغابات تحترق هناك حاليا بينها مناطق "نائية يصعب الوصول إليها"، مضيفة أن "دخانا كثيفا ينتشر على مناطق واسعة"، من جهتها أفادت "ناسا"، في بيان سابق، أن دخان حرائق ياقوتيا "اجتاز أكثر من 3000 كيلومتر ليبلغ القطب الشمالي وهو ما يبدو سابقة في التاريخ الموثق"، مضيفة إن "دخانا كثيفا ناجما عن حرائق الغابات غطى في 6 أغسطس القسم الأكبر من روسيا" وهو ما صورته الأقمار الاصطناعية.

الولايات المتحدة

وفي أميركا، امتد ثاني أكبر حريق غابات في تاريخ ولاية كاليفورنيا الأميركية، الأسبوع الماضي، إلى ما يقرب من 500 ألف فدان، وأسفر عن إصابة عدد من رجال الإطفاء، وقالت إدارة الغابات والحماية من الحرائق في كاليفورنيا، على حسابها في "تويتر"، إن حريق "ديكسي" شمال شرقي سان فرانسيسكو اتسع إلى 489,287 فدانا من نحو 274,000 فدان في منتصف الأسبوع الماضي، وشارك في جهود إخماد حريق "ديكسي" أكثر من 5000 رجل إطفاء، وهذا هو ثاني أكبر حريق غابات في الولاية بعد حريق هائل اندلع في أغسطس 2020 وأتى على ما يزيد على مليون فدان.

أميركا الجنوبية

وفي القارة الأميركية الجنوبية، أتت حرائق الغابات، هذا العام، على حوالي 150 ألف هكتار في مقاطعة سانت كروس في بوليفيا، قرب الحدود مع البرازيل وفقا لما ذكرته السلطات المحلية، وأفاد مسؤولون محليون بأن ارتفاع النيران زاد على 5 أمتار، فيما تجاوزن ارتفاع أعمدة الدخان 40 مترا، مشيرين إلى أن منطقة سان ماتياس هي الأكثر تضررا من الحرائق التي تهدد محمية طبيعية.

لماذا تسارعت وتيرة حرائق الغابات المدمرة؟

لا تزال أوروبا بالكاد في منتصف فصل الصيف فيما تجاوزت المنطقة التي حاصرتها حرائق الغابات في البلقان وإيطاليا وجنوب شرق البحر المتوسط المعدلات السنوية المعتادة. فما هو تفسير اشتداد حرائق الغابات بهذا الشكل المدمر؟

ساهم الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة في زيادة حدة حرائق الغابات المستعرة منذ الشهر الماضي في بلدان جنوب أوروبا سواء أكان اندلاع الحرائق جاء بشكل طبيعي مثل صواعق البرق أم عمدا من قبل مثيري حرائق الغابات.

ويؤكد العلماء على أن التغير المناخي يعد عاملا رئيسيا آخر لحرائق الغابات شديدة الخطورة، إذ يدرك العلماء أن التكيف مع التغيرات المناخية في البلدان المعرضة لخطر حرائق الغابات لم يصل بعد إلى القدر الكافي لمجابهة ووقف هذه الحرائق التي يُتوقع أن تزداد سواء.

لكن لماذا باتت بلدان البلقان والبحر المتوسط أكثر عرضة لحرائق الغابات؟ وما هي عواقب وتداعيات ارتفاع درجات حرارة الأرض والتغير المناخي؟

1- لماذا تحترق منطقة البحر المتوسط في الوقت الحالي؟

تعد حرائق الغابات في فصل الصيف أمرا طبيعيا، وفي كثير من الأحيان ضرورية لتحقيق التوازن البيئي في حياة غابات منطقة البحر المتوسط.

وقبل عام 2016 بعقد، التهم قرابة 48 ألف حريق غابات أكثر من 457 ألف هكتار سنويا في دول جنوب أوروبا الخمس وهي إسبانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا واليونان حيث تشهد هذه الدول اندلاع حرائق الغابات بشكل معتاد.

وفقا للعلماء، فإن حرائق الغابات قد يكون لها أثر إيجابي، إذ تتجدد النباتات ما يعزز التنوع البيولوجي في هذه المناطق. وبمرور الوقت، استطاعت المجتمعات التي تعيش في تلك المناطق التكيف بشكل أفضل مع المتوسط السنوي لحرائق الغابات في المناطق الحارة والجافة في جميع أنحاء جنوب أوروبا.

فضلا عن أن تبني استراتيجيات متقدمة لمنع حرائق الغابات أدى إلى انخفاض معدل الحرائق سواء بتقليل شدتها أو عددها منذ عام 1980. لكن في السنوات الأخيرة وفي بعض الأحيان، فإن حرائق الغابات تتسارع وتستعر لتتجاوز المعدل الطبيعي وتزداد قوة وشدة.

وتعد حرائق الغابات المدمرة التي اندلعت ما بين عامي 2017 و2018 المثال الأبرز في هذا السياق، إذ أودت بحياة المئات في المناطق الممتدة من تركيا وإسبانيا فيما عانت بلدان بوسط وشمال أوروبا بما في ذلك السويد من الحرائق. وترتبط حرائق الغابات غير المسبوقة في شدتها بشكل كبير وحتمي بالجفاف الشديد وموجات ارتفاع درجات الحرارة.

2-شرارة الحريق؟

كان شهر يوليو/ تموز الماضي ثاني الأشهر الأعلى حرارة في أوروبا على الإطلاق (وربما يكون الثالث عالميا). وكانت مناطق جنوب القارة الأوروبية مركز موجة كبيرة من ارتفاع درجات الحرارة. ويتوقع أن تصل درجة الحرارة في اليونان هذا الأسبوع إلى ذروتها بتسجيلها 47 درجة مئوية!

وتقع اليونان وجارتها تركيا في خضم موجة حر شديدة ربما تكون الأسوأ منذ 30 عاما، ولتعيد إلى الأذهان الذكريات المريرة لحرائق الغابات التي اندلعت في عام 1987 وأودت بحياة أكثر من 1500 شخص في اليونان وحدها.

أما في تركيا، فقد شهدت اندلاع قرابة 200 حريق بشكل منفصل في أنحاء البلاد في أقل من أسبوع، ما أرغم السكان والسياح في بعض المناطق الساحلية إلى الفرار من المنازل والمنتجعات السياحية.

وقد يكون اندلاع حرائق الغابات متعمدا أو ناجما عن ظاهرة طبيعية مثل صواعق البريق، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة قوة وشدة حرائق الغابات، ما يعد السبب الحقيقي للدمار الذي لحق بالمناطق المنكوبة جراء حرائق الغابات.

لهذا السبب وبحلول الخامس من أغسطس/ آب تجاوز حجم حرائق الغابات في أوروبا بنسبة 55 بالمائة معدل حجم حرائق الغابات على مدار الاثني عشر عاما الماضية. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا السيناريو يتفاقم مع عدم تحديث أساليب إدارة الغابات وفي بعض الأحيان الإفراط في حماية الغابات الطبيعية.

ففي إيطاليا، أُجبر 800 شخص على الإجلاء من منازلهم بعد اندلاع حريق في الأول من أغسطس/ آب الجاري في بينيتا دانونزيانا وهي غابة صنوبر حضرية في مدينة بيسكارا. ولأن تلك المنطقة محمية طبيعية فلم تكن عرضة لأساليب إدارة الغابات مثل الإزالة المنتظمة للشجيرات أو تعرضها لحرائق عن عمد تتم السيطرة عليها من أجل التنوع البيولوجي. وعن ذلك، قال كارلو ماسي، عمدة بيسكارا، "لقد احترقت الشجيرات بسرعة كبيرة".

وفي الوقت نفسه، لا يؤخذ في الحسبان ظاهرة الاحتباس الحراري عند تطبيق سياسات إخماد الحرائق الحالية، خاصة ما يتعلق بالقابلية للاشتعال في المناطق التي يمتد فيها مسار الأراضي البرية (وفي بعض الأحيان في المناطق الزراعية المهجورة) فضلا عن التوسع العمراني والحضري. وقد ظهر ذلك جليا في اجتياح النيران لضواحي العاصمة اليونانية أثينا هذا الأسبوع.

وجاء في دراسة نشرت هذا العام تحت عنوان "فهم التغيرات في الحرائق في جنوب أوروبا"، أن سياسات مكافحة حرائق الغابات الحالية في معظم مناطق البحر المتوسط "تركز بشكل كبير على إخماد الحرائق، لكنها لم تتطور لتتكيف مع التغير العالمي الجاري" خاصة ما يتعلق بظاهرة التغير المناخي.

3- ما مدى تأثير المناخ؟

وأرجعت وكالة البيئة الأوروبية (EEA) انخفاض مساحة المنطقة المحترقة في منطقة البحر المتوسط بشكل طفيف خلال الأربعين عاما الماضية، إلى جهود مكافحة الحرائق التي كانت أكثر فعالية في إخماد حرائق الغابات. بيد أن ارتفاع درجات الحرارة في العالم أدى إلى زيادة قوة وتكرار أحوال الطقس المسببة لحرائق الغابات حول العالم كما حدث في حرائق الغابات غير المسبوقة في أستراليا وولاية كاليفورنيا الأمريكية في السنوات الأخيرة.

وقد أدت ظاهرة التغير المناخي بشكل حتمي إلى زيادة مخاطر اندلاع حرائق الغابات في كافة أنحاء القارة الأوروبية، حتى في المناطق غير المعرضة لحرائق الغابات عادة كمناطق شمال ووسط أوروبا.

وأضافت الوكالة أن اللافت في موجات الجفاف الحالية التي وصلت إلى معدلات قياسية وموجات الحر في منطقة البحر المتوسط، أنها تحمل في طياتها تشابها في الأحداث التي وقعت عام 2018 عندما "عانى عدد أكبر من البلدان من حرائق غابات شديدة أكثر من أي وقت مضى".

ففي عام 2018، قتل في اليونان أكثر من 100 شخص جراء ما عُرف بـ "حرائق أتيكا" في إشارة إلى منطقة أتيكا اليونانية، وكانت بمثابة ثاني أخطر حريق غابات في هذا القرن عقب حرائق "السبت الأسود" في أستراليا عام 2009 التي تسببت في مقتل 173 شخصا وخسائر بلغت 4,4 مليار دولار في ولاية فكتوريا الأسترالية.

وأضافت وكالة البيئة الأوروبية أنه كان من المتوقع اتساع رقعة المناطق المعرضة لخطر حرائق الغابات وأيضا زيادة فترة موسم هذه الحرائق في معظم المناطق الأوروبية. كذلك فإن معدل انبعاثات الكربون لا يشهد انخفاضا كافيا من أجل الحد من تسخين الهواء، وذلك رغم وجود اتفاقيات مناخية أبرزها "الاتفاقية الخضراء الأوروبية" و"اتفاقية باريس للمناخ".

وفي هذا السياق، يقول مجيب لطيف، الباحث المتخصص في المناخ بمركز هيلمهولتس الألماني لأبحاث المحيطات، "وضعنا الخطط وقمنا بتحديد الأهداف، لكنهم لا يتصرفون فعليا". ويضيف بأنه "منذ عام 1990، ارتفع معدل انبعاثات الكربون على مستوى العالم بنسبة 60 بالمائة. وسترتفع الانبعاثات مرة أخرى خلال هذا العام عقب التباطؤ المرتبط بوباء كورونا خلال العام الماضي".

4- ما هي تداعيات ظاهرة التغير المناخي؟

الجدير بالذكر أن حرائق الغابات مسؤولة عن مقدار كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم، فيما تقول منظمة (Carbon Brief) الخاصة بالمناخ إن حرائق الغابات تتسبب في ما بين 5 إلى 8 بالمائة من إجمالي حالات الوفيات المبكرة سنويا الناجمة عن تلوث الهواء والبالغة 3,3 مليون حالة وفاة.

بيد أن العقود الأخيرة شهدت انخفاضا في انبعاثات الكربون الناجمة عن حرائق الغابات، ويرجع ذلك إلى التحسن في أساليب الوقاية من الحرائق. ورغم ذلك، تظل المشكلة في قوة وشدة حرائق الغابات التي تؤثر بشكل كبير على عزل الكربون، حيث أن الغابات المحترقة بشكل كبير لا تنمو مرة أخرى.

يشار إلى أنه في عام 2017 كانت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرائق الغابات الكبيرة في جنوب غرب أوروبا التي تشمل شبه جزيرة إيبيريا وجنوب فرنسا وإيطاليا هي الأعلى منذ عام 2003 إذ وصلت الانبعاثات إلى ما يقرب من 37 تيراغرام من ثاني أكسيد الكربون.

ولتقريب الأمر، فإن حرائق الغابات التي اندلعت على نطاق كبير وبشكل غير مسبوق في شبه جزيرة إيبيريا وساحل البحر المتوسط عام 2003 كانت تمثل نفس مستوى الانبعاثات الناجمة عن النشاط البشري في كل مناطق غرب أوروبا في ذلك العام، وإذا تسببت حرائق الغابات في تدمير مساحات كبيرة من غطاء الغابات خلال العام الجاري، فإن النتيجة الناجمة عن تراجع انخفاض انبعاث الكربون ستكون أكثر تدميرا على المناخ.

كيف تحدث حرائق الغابات في العالم؟

في الأيام الصيفيّة الحارة، سيما عندما يصل الجفاف ذروته في المناطق المليئة بالأشجار والأعشاب، يمكن لشرارة صغيرة من عجلة قطار، أو لجمرة صغيرة من سيجارة شخص مهمل رماها في قارعة الطريق أن تتسبب باندلاع حريق يصعب السيطرة عليه.

وفي بعض الأحيان تحدث الحرائق بشكل طبيعي نتيجة حرارة الشمس المرتفعة جداً، أو بسبب ضربة برق، ولكن رغم ذلك تبقى نسبة اندلاع الحريق من تلقاء نفسه من 10% إلى 15% فقط بينما نسبة أن يندلع بسبب البشر تتراوح من 85% إلى 90% وفقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكيّة.

وبمجرد أن يبدأ حريق الغابات يُمكنه أن ينتشر بسرعة تصل إلى 23 كيلومتراً في الساعة، وفقاً لما ذكره موقع How Stuff Works.

ما هو مثلث النار؟

لكل شيء حولنا درجة حرارة معينة لتشتعل فيه النيران وتسمى هذه الدرجة بنقطة الوميض، بالنسبة للأشجار فإن نقطة وميضها هي 300 مئوية (572 فهرنهايت) فعندما يتم تسخين الأخشاب إلى هذه الدرجة فإنها تبدأ بإطلاق غازات هيدروكربونيّة تختلط بالأوكسجين في الهواء لتحترق.

إذاً فإنَّ مكونات حدوث الحرائق هي:

وقود

أوكسجين

مصدر حرارة لرفع الوقود إلى درجة حرارة الاشتعال

هذه المكونات الثلاثة يطلق عليها اسم "مثلث النار" والفكرة أنّ رجال الإطفاء غالباً ما يحاولون إزالة أي من هذه الأعمدة الثلاثة للتحكم في الحريق وإخماده.

عوامل انتشار الحريق

بعد بدء الحريق، هناك 3 عوامل لازمة لتحديد كيفية انتشار الحريق ومدى اتساعه، وتشمل هذه العوامل وفقاً لما ذكرته دائرة البيئة والمياه الألمانية Environment.

الوقود

الطقس

التضاريس

أولاً: الوقود

هنا لا يقصد بالوقود المواد الحارقة وإنما الأشياء القابلة للاحتراق والتي بإمكانها تغذية النار للاتساع مثل الأشجار، النباتات، الحقول الجافة، المنازل، كل هذه الأشياء يشار إليها باسم "حمولة الوقود" وتقاس عادة بطن واحد لكل فدان، كما يمكن لنوعية الوقود أن تؤثر بسلوك الحريق، فعندما يكون الوقود جافاً يتم استهلاكه بشكل أسرع ويؤدي إلى نشوب حريق يصعب احتواؤه.

ثانياً: الطقس

يعتبر الجو الجاف مع درجات حرارة مرتفعة هو الطقس المفضل لحرائق الغابات لتزيد من رقعة اتساعها، كما أنّ الرياح تساعد على تقدمها بشكل أسرع والتهام المزيد من الغابات، وكما ذكرنا من قبل فإن درجات الحرارة تسبب الشرارة لاندلاع الحريق، كما أنها تساعد على تسخين وتجفيف الأشجار والنباتات لجعل منها وقود انطلاق الحريق، أما سرعة الرياح فلها تأثير كبير على سلوك الحريق، إذ إنها تزوده بالأوكسجين الإضافي لضمان استمراريته ودفعه عبر الأرض بمعدل أسرع، في حين أنّ الحريق بإمكانه أن يطور من أنماط الرياح، فحرائق الغابات الكبيرة يمكن أن تولد رياحاً تسمى دوامات النار.

ثالثاً: التضاريس

التأثير الثالث الكبير على سلوك غابات الحرائق هي التضاريس أو كما تسمى أيضاً الطبوغرافيا، فعلى عكس الوقود والطقس يمكن للتضاريس أن تساعد أو تعيق تطور حرائق الغابات، كما أنّ المُنحدرات هي العامل الأكثر أهمية في التضاريس من حيث صلتها بالحرائق الهائلة، إذ إنّ الحرائق تنتقل صعوداً بسرعة أكبر من المنحدرات، وكلما كان المنحدر قاسياً كانت سرعة انتقال النار أبطأ، وتفسير ذلك هو أنّ الحرائق تنتقل باتجاه الرياح المحيطة والتي عادة ما تتدفق صعوداً، بالإضافة إلى أنَّ تسخين الوقود في الأعلى يتم بشكل أكبر من الأسفل.

كيف ستؤثر حرائق الغابات على العالم وكم كلفتها؟

اندلعت حرائق الغابات في أجزاء كثير من العالم، في موسم مبكر واستثنائي من الكوارث التي تأثرت فيها مناطق بأمريكا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وأوروبا وآسيا وأستراليا، ومنطقة سيبيريا الروسية التي تعد من أبرد مناطق العالم.

وقالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن الدخان المتصاعد من الحرائق في شمال شرق روسيا كان كثيفاً للغاية لدرجة أنه حجب الشمس وحول المنطقة إلى ظلام. وإجمالاً التهمت الحرائق أكثر من 10 ملايين فدان من الأراضي في منطقة ياقوتيا بروسيا هذا الصيف، ولا يزال 175 حريقاً مشتعلاً حتى الآن حيث ما زالت فرق الإطفاء تكافح للسيطرة على الكارثة.

مخاطر مستقبلية

وتدور مشاهد مماثلة في أنحاء عديدة من العالم حيث تكافح فرق الطوارئ للسيطرة على حرائق الغابات في كاليفورنيا على سبيل المثال بعد أن غطت الحرائق 40 ألف فدان، وفي تركيا واليونان وغيرها من دول قارة أوروبا. ويقول العلماء إن درجات الحرارة الشديدة في بعض المناطق والجفاف ساهما في اندلاع الحرائق.

وقال مسؤولو الغابات الفيدراليون في الولايات المتحدة إن ما يقرب نصف الحرائق هذا العام نتحت عن إهمال بشري كالتعامل غير المبالي، وكان ثلث الحرائق بسبب العواصف الرعدية، وأشارت الصحيفة إلى أن إرجاع سبب الحرائق إلى البرق، سمح للمسؤولين بالتخلي عن التحقيقات المكلفة والمعقدة. كما أن اعتماد هذا السبب يقلل من كلفة الأضرار، لأنه بموجب القانون يتم تقييم التكاليف بشكل مختلف اعتماداً على ما إذا كان الحريق ناتجاً عن شخص أو عن ظاهرة طبيعية.

ملايين الدولارات

ونظراً لأن حرائق الغابات أصبحت أكثر خطورة في جميع أنحاء العالم، فمن المهم النظر في الطرق التي تؤثر بها الحرائق على الاقتصاد، وقدرت دراسة اقتصادية نشرها موقع إنفستوبيديا أن كل يوم إضافي من التعرض للدخان الناجم عن حرائق الغابات يقلل الأرباح في المجتمع بنحو 0.04% على مدار عامين.

الآثار الصحية

وقال الموقع أيضاً إن فقدان الأرواح من الآثار المهمة لحرائق الغابات والتي تؤثر على الاقتصاد أيضاً، حيث تسببت حرائق الغابات في أمريكا لعام 2019 بمقتل نحو 3700 مدني، وإصابة 17 ألفاً آخرين.

يواجه الأفراد القريبون من حرائق الغابات مخاطر استنشاق الدخان، إذ من الممكن أن تؤثر حرائق الغابات سلباً على جودة الهواء على بعد آلاف الأميال، وحتى الأشخاص الذين لم يصابوا بشكل مباشر في الحريق، قد يكون له تداعيات صحية تؤثر على معيشتهم واحتياجاتهم الصحية. وإلى جانب الصدمات الشخصية لهذه الوفيات والإصابات، فقد تتسبب الحرائق أيضاً في إحداث تغيير في الاقتصادات المحلية، حيث قد لا يتمكن الضحايا من العمل إما بشكل دائم أو لفترة من الوقت.

خسارة الممتلكات

يعد فقدان الممتلكات وتلفها أحد الآثار الرئيسية لحرائق الغابات، على سبيل المثال تسببت الحرائق في أمريكا عام 2019، بأضرار بالممتلكات بقيمة 14.8 مليار دولار، وتعتبر خسارة الممتلكات أثراً اقتصادياً فورياً لحرائق الغابات، والتي ينتج عنها آثار متتالية تستمر لسنوات كتهجير العائلات والأفراد من منازلهم، وهلاك الشركات خاصة شركات التأمين.

ضرب السياحة

تؤدي حرائق الغابات إلى القضاء على أنشطة الترفيه في المناطق المفتوحة، التي تجذب السياح، وتؤدي الحرائق كذلك إلى إبعاد الناس لسنوات قادمة، ويميل السائحون وعشاق الهواء الطلق إلى تجنب المنتزهات العامة الكبيرة عند وجود الدخان، كما يؤثر ذلك بشكل واسع على الصناعات الأخرى. وبهذه الطريقة، يمكن أن تؤثر حرائق الغابات سلباً على الضيافة والمطاعم والصناعات الأخرى، وقدرت دراسة حديثة أجرتها كلية لندن الجامعية، أن حرائق الغابات لعام 2018 في كاليفورنيا وحدها كلفت الاقتصاد الأمريكي، ما مجموعه 148.5 مليار دولار.

في روسيا، قال مسؤولو الغابات، إنه تم تخصيص ما يقارب من 123 مليون دولار لمكافحة الحرائق هذا العام من الميزانية الفيدرالية وصندوق الاحتياط الحكومي، إلا أن علماء البيئة وخبراء الغابات يقولون إن المبلغ غير كافٍ.

وقال أحد المسؤولين إن انخفاض التمويل قد أدى إلى انخفاض عدد الأشخاص العاملين في الغابات الذين يقومون بحماية الغابات من الحرائق بشكل ملحوظ، وعندما يضرب الجفاف الشديد منطقة وينمو عدد الحرائق بشكل سريع، تكون القدرات المتوفرة لمواجهة الأمر أقل بكثير، وأضاف أن التأخير لبضعة أيام في الاستجابة يؤدي إلى مثل هذه الزيادة في الحرائق التي لم يعد من الممكن التعامل معها.

تدهور الطبيعة

وحذر العلماء أيضاً من تداعيات حرائق الغابات، فبالإضافة إلى أنها تفاقم انبعاثات الكربون، فإنها تهدد بشدة بتدهور المناظر الطبيعية للغابات والتي تغطي ما يقرب من نصف روسيا، ويحذرون من أن ذلك سيؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي، خاصة عندما تقترن الحرائق بقطع الأشجار وظهور الآفات والأمراض التي تتفاقم مع تغير المناخ، قال ألكسندر بيمنوف نائب مدير معهد الغابات التابع لأكاديمية العلوم الروسية في سيبريا إن العواقب طويلة المدى سلبية للغاية ليس فقط على أراضي روسيا ولكن أيضاً على مستوى العالم للمحيط الحيوي للأرض.

اضف تعليق