يتجه العالم اليوم الى تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية كالنفط في المجالات الانتاجية كافة، سيما مع التغيرات المناخية والخوف من انعكاس ذلك بشكل سلبي على البيئة، وبما ان الغاية من النفط او باقي المصادر الاخرى غايتها هي توليد الكهرباء التي تعد عصب التنمية للدول، فهذا يعني ايضاً انخفاض استخدام الكهرباء ايضاً وارتفاع تكاليفها من ناحية اخرى، ولا غرابة عندما نجد ان الرأسمالية اليوم هي رأسمالية مالية وليست مادية تهتم بالانتاج المادي للسلع الحقيقية، بل نجدها قائمة على الخدمات بصورة أكبر.

وفي حين تتجه معظم الدول الى تقليل اعتمادها على هذه المصادر التقليدية من اجل تقليل التكاليف والحفاظ على البيئة، نجد العديد من الدول وبضمنها العراق لايزال يعاني من أزمة خانقة في مجالات انتاج الكهرباء واستخدامها، وهو ما يمثل مشكلة معقدة تتمثل في الاتجاهات العالمية لاستخدام الطاقة في المستقبل ومابين الواقع الحالي لوضع الطاقة في العراق، وهو ما يعني تفاقم الفجوة مابين العراق وبين العالم على الخارجي في انتاج واستخدام الطاقة والتي تمثل الكهرباء الاساس لها.

فمثلاً ان معظم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الأكثر تطوراً، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان، تتحول من اقتصاديات التصنيع إلى اقتصادات الخدمات. وتميل الاقتصادات القائمة على الخدمات إلى استخدام كميات أقل من الكهرباء مقارنة بالاقتصادات التي تتمتع بمستويات عالية من النشاط الصناعي، حيث أن الخدمات التجارية عادة ما تكون أقل كثافة في استخدام الطاقة مقارنة بالصناعة، وتتمتع بعض الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، مثل الصين والهند والبرازيل ومصر، باقتصادات سريعة النمو، وغالبا ما ينتج عن قطاع صناعي كبير أو متنامٍ. ومع ذلك، فإن هذه الاقتصادات تستخدم تقنيات أقل كفاءة ولديها عمالة أقل مهارة مقارنة ببلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، الأمر الذي يتطلب المزيد من الطاقة والمزيد من استخدام الكهرباء لتوليد السلع والخدمات.

كما ان إحدى الدراسات اللافتة للانتباه هي تلك التي قامت باختبار العلاقة بين نمط الاستهلاك الكهربائي وتنامي الرفاه الاقتصادي والقوة الشرائية لأكثر من 100 دولة مجموع ثرواتها تتجاوز 99% من إجمالي الثروة العالمية. هذه الدراسة لم تدخل في تحديد أي الطرفين "أكثر" تسببا في الآخر، واكتفت باختبار نوع العلاقة إن كانت طردية أم عكسية ومدى قوة تلك العلاقة. كانت النتيجة إجمالا وجود علاقة طردية قوية بين المتغيرين لدول العالم مجتمعة، لكن اللافت عند التركيز في النتائج الخاصة لبعض الدول فإن العلاقة كانت عكسية وقوية في ليبيا، الإمارات، السعودية، فنزويلا، قطر، وإيران على الترتيب. الجدير بالذكر أن هذه الدراسة اعتمدت دخل هذه الدول ما بين 1971 و1995، حيث انخفضت أسعار النفط في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، ما يعني لو تم احتساب الفترة الأخيرة قد تكون العلاقة أكثر إيجابية، أو بالأحرى أقل سلبية، وفقاً لبندر خالد الهويش مختص في الممارسات العالمية للطاقة.

وفي العراق يبدو الوضع مختلفاً جداً، اذ لا يزال العراق يعاني من أزمة حادة في انتاج الكهرباء وبسبب عوامل عديدة منها سياسية كالفساد والذي يعد العامل الأهم في ضياع الجهود المبذولة من اجل انشاء منظومة كهرباء قادرة على توفير الاستهلاك المقبول من الكهرباء، وبالتالي انعكس ذلك سلباً على تأخر تحقيق التنمية سيما التنمية الصناعية، وتعطيل حركة المصانع وارتفاع تكاليف الانتاج، وتدني مساهمة القطاع الصناعي بسبب ذلك، وان كان انعكاس تزويد الكهرباء لايقتصر على الصناعة وحسب وانما على كل قطاعات البلد.

وفيما لو تم تجهيز المصانع المحلية بالكهرباء بسعر رمزي او مجانا فسينخفض كلفة الإنتاج المحلي وتحسن جودته لأن الطاقة المستخدمة في الإنتاج طاقة رخيصة ونظيفة وذات كفاءة عالية اي ممكن أن ننافس المنتجات العالمية بالجودة والسعر ونجذب الاستثمارات العالمية لمختلف الصناعات التقليدية والحديثة وحتى صناعات التقنية الجزئية (نانو) بسبب انخفاض تكلفة الإنتاج في العراق عنها في الدول الصناعية او الدول التي اسعار وقودها اعلى من أسعار الغاز العراقي (مجانا فقط كلفة الاستخراج والتوزيع)، بحسب رأي الكاتب احمد موكرياني.

وعلى ما يبدو ان القائمين على السياسة العامة للدولة لم يفهموا ان هناك ثمة علاقة وطيدة بين انتاج الكهرباء واستهلاكه وبين النمو الاقتصادي، وان انخفاض انتاج الكهرباء يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي، فعلى سبيل المثال تذكر الاحصاءات العالمية ان استمرار انقطاعات الكهرباء يخفض النمو في البلد بمقدار 1.1% سنوياً، مايعني انخفاض عدد الوظائف بحوالي 120 الف وظيفة. كما انخفاض امكانية الحصول على الكهرباء قد يكون سبباً في حدوث انعدام التوافق التكنولوجي، الذي يعمل على اعاقة الحصول على التكنولوجيات الحديثة واستخدامها، وبالتالي انعكاس ذلك سلباُ على النمو الاقتصادي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1