من الصعب تصور مفكر نقدي جيد يفتقر بنفس الوقت الى نزعة الاستجواب العميق. كذلك لا يمكن تصور شخص ما اكتسب المقدرة التامة على الاستجواب اكثر مما فعل سقراط. يتبع ذلك ان اولئك المهتمين بالتفكير النقدي هم مهتمون ايضا بفن الاستجواب العميق، وان تعلّم الفن السقراطي هو نقطة الانطلاق الطبيعية.

الاستجواب السقراطي هو طريقة محكمة يمكن استخدامها في ممارسة التفكير في عدة اتجاهات ولعدة اغراض، من بينها استكشاف الافكار المعقدة، للوصول لحقيقة الاشياء، افتتاح القضايا والمشاكل، كشف الافتراضات، تحليل المفاهيم والتمييز بين ما نعرف وما لانعرف، اتّباع المضامين المنطقية للفكر و السيطرة على النقاش.

من بين الكتب الهامة التي تناولت هذا الموضوع كتاب فن الاستجواب السقراطي(1) الذي يركز على آليات الحوار السقراطي وعلى الادوات المفاهيمية التي يجلبها التفكير النقدي للحوار السقراطي وكذلك على اهمية الاستجواب في تنشئة الذهن المنضبط.

الكتاب يتضمن:

- تصنيف الاسئلة السقراطية بالارتكاز على مفاهيم التفكير النقدي

- نصوص الاستجواب السقراطي

- آليات الاستجواب السقراطي

- دور الاسئلة في التعليم والتفكير والتعلّم

- سقراط، الطريقة السقراطية، التفكير النقدي

- نماذج من التعليم تتضمن حوارا سقراطيا

- تحليل نصوص لحوار سقراط نقلا عن ايوثيفرو افلاطون

- المزيد عن سقراط.

العامل الاساسي في التمييز بين الاستجواب السقراطي والاستجواب بحد ذاته هو ان الاستجواب السقراطي منهجي ومحكم وعميق وعادة يركز على المفاهيم الاساسية والنظريات والقضايا والمشاكل.

الاستجواب السقراطي يشار له عادة في عملية التعليم، وهو كمفهوم اكتسب رواجا في العملية التعليمة، خاصة في العقدين الماضيين. المعلمون، الطلاب، او اي شخص مهتم في استخدام التحقيق الفكري العميق يمكنه بناء استجواب سقراطي والانخراط في هذه الاسئلة. الاستجواب السقراطي جرى استخدامه ايضا بكثافة في التحليل النفسي.

التربية – بيداغوجي

عندما يستخدم المعلمون استجواب سقراط في التعليم، فان هدفهم هو اختبار تفكير الطلاب ومعرفة مدى فهمهم لموضوع معين او لقضية معينة، ولنمذجة الاستجواب السقراطي للطلاب او مساعدتهم في تحليل مفهوم او خط معين من التفكير. كان على الطلاب تعلم الاستجواب السقراطي لكي يمكنهم البدء باستخدامه في التفكير في قضايا معقدة، في فهم وتقييم تفكير الآخرين واتّباع نتائج تفكيرهم وتفكير غيرهم. في الحقيقة، سقراط ذاته اعتقد ان الاستجواب هو الشكل الوحيد للتعليم الذي يمكن الدفاع عنه.

في التعليم، يمكن للمعلمين استخدام استجواب سقراط لهدفين اثنين:

1- السبر العميق لتفكير الطالب، لمساعدة الطلاب في البدء بالتمييز بين ما يفهمون و ما لا يفهمون (ولمساعدتهم في تطوير تواضع فكري في العملية).

2- تنمية مقدرة الطلاب على طرح اسئلة سقراطية، ومساعدتهم في اكتساب ادوات فعالة ومؤثرة من الحوار السقراطي لكي يتمكنوا من استخدام هذه الادوات في الحياة اليومية (في استجواب انفسهم والآخرين). لهذه الغاية، يستطيع المعلمون نمذجة ستراتيجيات الاستجواب التي يريدون من الطلاب استخدامها والمنافسة فيها. كذلك، يحتاج المعلمون تعليم الطلاب وبشكل مباشر على كيفية بناء وطرح اسئلة عميقة. علاوة على ذلك، يحتاج الطلاب الى الممارسة لتحسين مقدرتهم الاستجوابية.

الاستجواب السقراطي يؤكد اهمية الاستجواب في التعليم. انه يكشف الاختلاف بين التفكير المنهجي والتجزيئي. انه يعلّمنا النبش تحت سطح الافكار. يعلمنا قيمة تطوير عقول استجوابية في بناء تعليم عميق.

الاسلوب التالي يعرض لنا التكامل في الاسئلة السقراطية في الصف الدراسي ويكشف لنا عن الكيفية التي يساعد بها في تطوير متعلمين نشطاء ومستقلين.

1- جعل الطلاب يوضحون تفكيرهم مثل، "لماذا انت تقول ذلك؟، هل تستطيع التوضيح اكثر؟

2- تحدّي الطلاب حول الافتراضات، مثل "هل هذه هي الحالة الدائمة؟، لماذا تعتقد بصحة الافتراض هنا؟.

3- الدليل كأساس للنقاش، مثل "لماذا تقول هكذا؟، هل هناك سبب للشك بهذا الدليل؟.

4- وجهات نظر ورؤى بديلة. مثل "ما هي الحجة المعارضة؟، هل يمكن او هل يستطيع احد النظر للمسألة بطريقة مختلفة؟.

5- الآثار والنتائج

مثل "ولكن لو حدث شيء ما، ماذا سينتج عنه؟، كيف سيؤثر ذلك؟

6- استجواب السؤال

"هل تدرك سبب طرح هذا السؤال؟، لماذا السؤال مهم؟، "اي من اسئلتك هي الاكثر نفعا؟.

ان فن الاستجواب السقراطي مرتبط جوهريا بالتفكير النقدي لأن فن الاستجواب هام جدا لتميّز الفكر. ما تضيفه كلمة "سقراطي" لفن الاستجواب هو المنهجية والعمق والاهتمام الدائم في تقييم حقيقة او مصداقية الاشياء.

التفكير النقدي والاستجواب السقراطي كلاهما يبحث عن المعنى والحقيقة. التفكير النقدي يوفر الادوات العقلية لفحص وتقييم وربما اعادة تشكيل او اعادة توجيه تفكيرنا وافعالنا. هذا ما وصفه المصلح التربوي جون ديوي بـ "الاستجواب الفكري"Reflective Inquiry". في الاستجواب الفكري يعيد المفكر طرح الموضوع في الذهن، مجريا عليه اعتبارات جادة ومتواصلة. الاستجواب السقراطي هو تركيز واضح على بناء الاسئلة المحكمة والموجهة ذاتيا لتحقيق ذلك الهدف.

علم النفس psychology

الاستجواب السقراطي يُستخدم ايضا في العلاج النفسي، كـ اسلوب لإعادة الهيكلة المعرفية اثناء العلاج الادراكي. الهدف هنا هو كشف الافتراضات والدليل الذي يدعم تفكير الناس بشأن المشاكل.

من بين الاسئلة السقراطية في العلاج الادراكي عند التعامل مع الافكار الاوتوماتيكية المؤذية للمريض هي التالي:

1- كشف القضية: "ما هو الدليل الذي يدعم هذه الفكرة؟ وما الدليل ضد كونها حقيقية؟

2- تصوّر بدائل معقولة: "ما هو التفسير او وجهة النظر الاخرى للموقف؟ لماذا حدث الشيء الآخر؟

3- اختبار مختلف النتائج المحتملة: "ما هو الاسوأ، الاحسن، القابل للتحمل، المحصلات الاكثر واقعية؟

4- تقييم تلك النتائج: "ما تأثير التفكير او الاعتقاد بهذه المسألة؟ ما هو التأثير المحتمل للتفكير المختلف والذي لم يعد يؤمن بهذه العقيدة؟

5- البُعد: "وفيه يتم تصوّر صديق او فرد معين في نفس الموقف او ينظر للموقف بهذه الطريقة، فماذا ستقول له ؟

الاستخدام الجيد للاستجواب السقراطي يمكّن المعالج من تحدّي الحالات المنعزلة والمتكررة للتفكير اللامنطقي للفرد بينما يبقى على موقف منفتح يحترم المنطق الداخلي حتى لما يبدو من افكار لامنطقية.

............................................
الهوامش
(1) فن الاستجواب السقراطي للمؤلفين Richard Paul and Linda Elder الصادر عن مؤسسة التفكير النقدي عام 2007.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0