إنسانيات - تعليم

عِظام تمشي على الأرض

في الأحياء السكنية البعيدة والفقيرة لا توجد مدارس، فيضطر أطفال الأحياء الفقيرة قطع مسافات طويلة لكي يصلوا إلى مدارس الأغنياء لكي يسجّلوا ويدرسوا فيها، في الأحياء الغنية توجد مدارس، ولا يكاد أي حي للأغنياء يخلو منها، لكن الأحياء الفقيرة ليس فيها مدارس ولا شوارع معبّدة ولا أعمدة كهرباء ولا مشافٍ حكومية وكثيرا ما تنقصها الخدمات الأساسية، ومع ذلك أشطر الطلاب كانوا يخرجون من الأحياء الفقيرة.

حسّون أو حسّوني كما يناديه زملاؤه، مثال للطالب الفقير الغنيّ، وجهه قمحيّ وذابل مثل وردة حُرِمَت من الماء، جسمه جلد وعظم، وأحد المعلمين كان يقول عنه (إنّه عظام تمشي على الأرض)، كلّ شيء في حسّوني منطفئ خامل إلا ذلك النور والشعاع القويّ المنبثق من عينيه، أخوه يقول (حتى عندما ينام حسوني وتنغلقُ أجفانه، يبقى نور عينيه يشعّ ويخترق الجفن إلى الأعلى)، وكان أبوه يصف هذا النور بقوله (إنه نور الذكاء).

التناقض بين جسم ومظهر حسوني وبين ذكائه غريب حقا، فكيف لهذا الجسد الخامل أن يجتاز ذكاء جميع الطلاب، الأغنياء والفقراء، بدرجاته العالية في الامتحانات الشهرية والسنوية؟، وكيف لهذا الاصفرار الذي يطلي وجهه بالكامل أن يسمح له بهذا التميّز؟

ذات يوم شديد البرد، هبط (الحالوب/ قطع ثلجية تنزل من السماء) بغزارة وفرش الأرض غطاء كثيف أبيض، لم يحضر عدد كبير من الطلاب إلى المدرسة، وكان صف حسوني شبه فارغ، لا يتجاوز عدد الطلاب الحاضرين أصابع الكف من أصل ثلاثين طالبا، كنّا أربعة طلاب والمعلم في الصف، وتغيّب العشرات، ومن بينهم حسوني الذي لم يحضر أيضا بسبب نديف الثلج والمرض الذي ينهش بجسمه ويزرع وجهه باصفرار مميت.

قبل أن يبدأ المعلم بشرح الدرس، طرق أحدهم باب الصف، وحين دخل فوجئنا نحن الطلاب الأربعة والمعلم بدخول (حسّوني)، كان وجهه مختبئا بالكامل خلف يشماغ يلفّه حول رأسه ووجهه ولم يخرج منه إلا عينيْه، والغريب حتى في هذا البرد واختفاء الوجه الأصفر، كان النور ينبثق من عينيّ حسوني، والأكثر غرابة أنه كان يرتدي سترة (جاكيت) كبيرة على جسده، يبدو أنها تعود لأبيه، لأنها كانت تلامس أرض الصف بأذيالها وأردانها أيضا.

دخل حسوني الصف، كانت كومة العظام ترتجف، وبدأ سعال خفيف متواصل يضايق حسوني، فهو يشعر بالحرج من أي شيء يصدر عنه حتى لو كان خارج إرادته، جلس حسوني على (رحلَته الخشب)، واصل جسده الارتجاف، لم يرفع اليشماغ عن وجهه ورأسه، الصف كان باردا أيضا، بل صليل البرد داخل الصف يسحق أجسادنا.

بدأ المعلم بإعطاء مادة الدرس، لا يزال حسوني يسعل، وأصرَّ المعلم على إكمال الدرس، وبدأ يطرح السؤال تلو الآخر علينا نحن الطلاب الذين أصبحنا خمسة بمجيء حسوني، لا زلت أتذكر إلى الآن، أننا جميعا أخفقنا في الإجابات الصحيحة إلا حسوني الذي كان يجيب بهدوء وثقة، فتخرج الكلمات من فمه مع السعال المتقطّع.

كنّا جميعا نلتفتُ إليه حين يجيب عن السؤال، كان يبدو لنا مثل (فزّاعة مزرعة) بتلك السترة (الجاكيت) الكبيرة التي تعود لأبيه، وبكتلة اليشماغ التي تخفي رأسه ووجه باستثناء عينيْه، لكنه كان الوحيد الذي يزرع البسمة في وجه المعلم، والغرابة في وجوهنا حين يجيب عن الأسئلة بأجوبة صحيحة....

بعد شهور مضى الشتاء والزمهرير، كنّا نلهو نحن الطلاب في ساحة المدرسة المبلّطة بالإسمنت، كانت الشمس تنعكس من أرضية الساحة الخراسانية نحو السماء، وكنا نلهو ونركض ونلعب في دقائق الفرصة بين الدرسيْن، كل الطلاب يتراكضون ويتمازحون ويلهون إلا كتلة العظام وحدها تجلس القرفصاء، إنه حسوني الذي لا يشاركنا اللعب، ليس تعاليا منه بل مرضا، وجههُ لا يزال مزروعا باللون الأصفر.

لم نكن نستغرب عزلة حسوني وتجنبه اللهو معنا، فهو لم يشاركنا بسبب حالته الخاصة، قبل أن يقرع الجرس لانتهاء الفرصة وبِدءِ دخول الطلاب إلى صفوفهم، أتيتُ نحو حسوني الذي كان يسندُ ظهره إلى الجدار، للمرة الأولى لم أرَ النور يشّعُ من عينيه، كانت عيناه مطفأتين خابيتين، جلستُ إلى جانبه، كان يعصرُ بطنه بكفّه اليمنى، ويتلوى وتخرج من فمه تأوهات ضعيفة لكنها تدل على أنه كان يتألم بشدّة...

فجأة تقيّأ حسوني بقوة.... خرجت من فمه ديدان صفراء كالأفاعي مع سائل أصفر رائب، وراحت تتلوى على أرضية الساحة المبلطة بالإسمنت، بدأت الأفاعي الثلاث تتراقص وتتلوى وتختلط بأشعة الشمس لترسم لوحة غريبة لا يمكن تفسيرها، وفي لحظات خلت الساحة التي كانت تكتظ بأجساد الطلاب، بقيَ حسوني وحيدا، حتى أنا هربتُ منه إلى الصف، لم يقترب منه أحد، لا طالب ولا معلم، ولا حتى (الفرّاش)، تركنا حسوني وحده يصارع الأفاعي....

لم يعد حسوني إلى الصف، رأيناه ينهض بصعوبة، كان لا يزال ممسكا ببطنه، ويتلوى، وكانت الديدان التي تقيّأها لا تزال تتلوى على الأرض أيضا، رأينا حسوني يخطو في الساحة وحيدا، لم يتوجّه إلى الصف، بل توجّه إلى الباب الخارجي للمدرسة، وراح يخطو بيأس وهدوء خارجا من المدرسة التي تخلّت عنه بطلابها ومعلميها ومديرها وفرّاشها.

خرج حسوني من المدرسة ولم يلحق به أحد، كأنه ليس بشرا أو إنسانا، الجميع كان ينظر إليه وهو يتألم، لكن الجميع قرروا التخلي عن هذا الإنسان الذكيّ، فترك المدرسة ولم يعد إلى الصفّ مطلقا.....

اضف تعليق


التعليقات

مسلم عباس
ما زالت الافاعي الصغيرة تخرج من افواه طلاب العراق في ظل غياب الاهتمام بالتربية والتعليم .... بوركت اديبناالكبير علي حسين عبيد2022-01-23