الإدارة الازمة مفهوم إداري عادة مايستخدم في الجيوش حيث يلجأ قادة الجيش الى استخدام هذا المفهوم من أجل إعادة تنظيم الصفوف اذا ماتعرضت قطعات جيوشهم الى خسائر وانكسار وتراجع في المعركة، وهذا مافعله قادة الجيش العراقي في عام ٢٠١٤ عندما تعرض الجيش الى نكسة وانكسار في صفوفه حيث قام قادة الجيش آنذاك بإعادة تنظيم الصفوف والتأهيل والتدريب وتسخير الموارد ومن ثم انطلقوا لعمليات تحرير كبرى جنت ثمارها فيما بعد. وقد يعود هذا النجاح بوجود قادة يتمتعون بقدرات عالية ساهمت في ادارة الجيش والمعركة بفاعلية.

بالانتقال الى قطاعي التربية والتعليم المهمين فعلى الرغم من استوزر وزارتي التربية والتعليم العالي هم خريجو جامعات رصينة ويحملون ألقاب علمية كبيرة مع فريق من المستشارين ذوي خبرة ووكلاء ومدراء عامين ورؤساء جامعات اصحاب شهادات عليا، لازال هذان القطاعان يعانان من فوضى أربكت جميع مفاصل هذان القطاعان وبالتالي ادى الى تراجع فاعليتهما بشكل كبير.

وهذا يبرز سؤالا مهما لابد الاجابة عليه وهو، لماذا نجح قادة الجيش في الادارة بينما عجز اقرانهم في التربية والتعليم رغم تفوقهم في الشهادة الاكاديمية والدرجة العلمية عن أقرانهم من القادة في الجيش؟

الفشل في مؤسساتنا ومنها التعليم عادة ما يعزى الى الظروف المحيطة بالمؤسسة ودرجة الصراع الداخلي فيها والتقاطعات المتجذرة في العمل. قد يبدو هذا صحيحا ولكن الظروف السيئة هذه هي من صنعها الانسان بنفسه، فهل ذات الانسان قادر على التغلب على هذه الظروف؟ نعم هو قادر على صنع ظروف افضل للمؤسسات وكل ذلك يعتمد على طريقة الادارة التي تدار فيها المؤسسات وشخوصها، لأن الادارة "فن الممكن.“

واقعيا يواجه قادة ومسؤولو المؤسسات التربوية بشكل عام والجامعات بشكل خاص تحديات كبيرة لدفع عجلة التميز والريادة الى الأمام. قد يعود السبب الرئيسي والذي اؤمن فيه بشكل لايقبل الشك هو في فهم طبيعة الادارة في التربية والتعليم. فلسفة الادارة في التربية والتعليم تختلف تماما عن فلسفة الادارة في الشركات والمصانع والقطاعات الاخرى.

هذا الاختلاف تكمن خلفه فلسفة إدارية تقود كل قطاع حسب مقتضيات العمل والاهداف. فالإدارة في التربية تختلف عن الادارة في القطاعات الأخرى من حيث ان الأولى مهمتها اولا وضع الاهداف وثانيا وضع استراتيجيات وخطط تفصيلية لتحقيق تلك الأهداف، اما في الثانية (إدارة القطاعات الأخرى) فان الادارة فيها مهمتها تنفيذية اكثر من وضع الاهداف ورسم إستراتيجيات.

ولهذا السبب يطلق على الادارة في التربية كلمة Administration بينما يطلق كلمة Management على الادارة في المصانع والشركات. ولذلك تطلق مصطلحات كرئيس جامعة وعميد كلية ورئيس قسم بينما في الشركات والمصانع والقطاعات الاخرى يطلق مدير عام ومدير قسم ومدير وحده....الخ.

عمليا الادارة في التربية مهمتها هي توليد الأفكار، والآراء، والفعاليات الإنسانية، والاتجاهات، التي تعمل على توضيح الأهداف، ثم التخطيط لها، ووضع البرامج والتنظيمات الهيكلية، كما أنها تعمل على إيجاد الوظائف الإدارية، والأجهزة التي ستقوم بتنفيذ الخطط، واعداد برامج تدريبية متكاملة ومن ثم استخدام التقويم للوصول للأهداف.

ولكن من الواضح أن قادة ومسؤولي مؤسساتنا التعليمية لا يفهمون بشكل جيد طبيعة الادارة في التربية. ربما يعود ذلك إلى اتباع الطريقة الكلاسيكية في تقليد المناصب (الخبرة: ادارة ذوي الشعر الابيض) بدون النظر الى مهارات أخرى يجب ان يتمتع بها مسؤول المؤسسة. ففي مجال التربية لم تعد الخبرة او الشهادة العليا المعروفة بـ terminal degree هي العامل الوحيد لتحديد أهلية للفرد لقيادة المؤسسة، بل ينظر الى مايعرف fundraising abilities والتي تتضمن قدرات التخطيط والتواصل الفعال وقيادة وادارة الافراد والموارد المالية بفاعلية، والعمل تحت الضغوط (الأزمات) وكذلك تحفيز الافراد على الوصول الى الاهداف.

فالأفراد الذين يتمتعون بهذا المهارات يطلق عليهم اليوم Transformational leaders (قادة التحولات) والذين تفتقدهم مؤسساتنا التربوية مما جعلها تعيش اوقات حرجة وعصيبة قد تهدد وجود هذه الكيانات لاحقا. اذن، كيف يمكن ان نصنع هكذا قادة؟

الامر معقد فالجواب لا يمكن اختصاره بجملة او مقال، بل اعداد القادة هي فلسفة وفكر تحتاج الى جهود استثنائية والى عمل مضني وكبير لتحقيقه.

* دكتوراه الإدارة والسياسات التربوية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0