ليست الدول الريعية (التي تعتمد على مصدر رئيسي واحد لجمع مواردها)، وحدها تضررت من التدهور السريع لأسعار النفط، وانما بعض الدول الكبرى، ألحق الانخفاض في الاسعار تدهورا خطيرا باقتصادها، والمثال، روسيا، فهذه الدولة التي يعدها المراقبون دولة كبرى، لم تحسب حساب هذا النزول السريع لأسعار النفط، ويبدو أنها كانت تعتمد في جمع مواردها على الطاقة (النفط والغاز)، لهذا السبب تأثر اقتصادها كثيرا وباتت تعاني من أزمة قد يطول أمدها، وقد لا تجد حلولا قريبة لها.

فمنذ ما يقرب من 15 عاما، يدق الخبراء ناقوس الخطر وتعد السلطات الروسية بمعالجة الأمر، لكن شيئا لم يحدث، فلا تزال روسيا تعتمد بشكل كبير على النفط الذي منحها سنوات عدة من الازدهار، لكنه يدفعها اليوم الى أزمة خانقة مع تدهور أسعار الخام، خلال السنوات الأخيرة، حيث شكل النفط والغاز نحو ثلثي صادرات البلاد ونصف إيرادات الميزانية، ولم تنخفض هاتان النسبتان في الأشهر الأخيرة إلا بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز، وتبعهما تدهور سعر صرف الروبل.

مما انعكس على الاسواق وحركة المال، ودفع بالخبراء نحو البحث عن حلول عاجلة، تمثلت بالبحث عن منافذ ضريبية جديدة قد تثقل كاهل الشركات والقطاع الخاص والمواطن في نهاية المطاف، فقد تراجعت العملة الروسية مجددا الى مستويات قياسية امام الدولار حيث خسر سعر صرف الروبل اكثر من 3% مع بدء التداولات ووصل الى 84 مقابل الدولار مع استمرار تدهور اسعار النفط. والروبل الذي يسجل تراجعا منذ الاشهر الـ18 الماضية بسبب هبوط اسعار النفط والعقوبات الغربية على اوكرانيا، تراجع ايضا امام اليورو ليصل الى 92 لليورو. ويشكل النفط مع الغاز اكثر من نصف عائدات الدولة الروسية.

وهذا يعني أن الحلول ليست في متناول اليد، ومع ذلك لا يزال البحث متواصلا لمعالجة مضاعفات ازمة هبوط الاسعار، والحاقها نوعا من الركود في حركة المال، لاسيما أن الروبل الروسي يواجه مصاعب امام العملات الاخرى بسبب ازمة اسعار النفط مما قاد الى افلاس بعض المصارف، فقد اعلنت السلطات الروسية افلاس مصرفين جديدين احدهما انتركوميرتس المتوسط الحجم والذي وضع تحت الوصاية في نهاية كانون الثاني/يناير بعدما ضعف وضعه المالي بشكل كبير في الاشهر الاخيرة. وقال المصرف المركزي الروسي في بيان بثته وكالة الانباء انترفاكس ان المصرف الذي كان يحتل المرتبة 67 في الموجودات من اصل 700 بنك، اعلن افلاسه "بسبب النوعية غير المرضية لموجوداته".

ولم يتردد المسؤولون الروس عن اعلان الموقف الحرج الذي يواجهه الاقتصاد الروسي، بل هم يتحدثون بصراحة، ويضعون الامور في نصابها الصحيح، بحثا عن الحلول المناسبة، وفي هذا الجانب يتعامل الجميع من موقع المسؤولية الصحيحة، وهؤلاء المسؤولون لا يدسون رؤوسهم في الرمال هربا من المشاكل التي تضرب اقتصادهم، بل هم يتحدثون بوضوح ويعلنون مشاكلهم على الملأ من اجل مشاركة الخبراء والمعنيين في إيجاد الحلول المناسبة، لاسيما أن مسلسل انخفاض النقط لا يزال مستمرا، ولا احد يستطيع التكهن بشأن صعود اسعار النفط مرة اخرى.

إنها مجرد توقعات وتخمينات لا أكثر، لا تخضع للمنطق او النتائج الدقيقة والحاسمة، فهناك من يتحدث عن انفراج بسيط للازمة، وهناك من يغلق ابواب اية انفراجة قريبة، فيما يعلن مسؤولون في الحكومة عن الموقف الحرج الذي يجتازه الاقتصاد الروسي في خضم ركود الاسعار في أسواق النفط بصورة تثير القلق.

روسيا لم تعد تسعى للخصخصة

في هذا السياق حذر وزير الاقتصاد الروسي اليكسي اوليوكاييف من ان الوضع المالي "الحرج" للبلاد بسبب انهيار السوق النفطية يجعل تنفيذ مشاريع الخصخصة التي تجري مناقشتها منذ فترة طويلة امرا عاجلا. ورغم ظروف الاسواق الصعبة تسعى الحكومة الروسية الى تقليص مساهمتها في بعض المجموعات العامة على غرار عملاقة النفط روسنفط لسد الهوة في الحسابات الناتجة عن انهيار اسعار المحروقات التي توفر نصف عائدات الميزانية. وصرح الوزير "في 2014-2015 كانت السوق تميل الى الانخفاض وتوقعنا ان يتغير الوضع. لكننا بدانا ندرك الان ان الانتظار لم يعد ممكنا"، في اقوال نقلتها الوكالات الروسية.

وتابع ان "وضع الميزانية حرج فيما لا توحي اضطرابات الاسواق المالية باي توجه للتحسن". واوضح "يكمن التحدي في ابرام صفقات جيدة النوعية ومربحة في اسواق غير مشجعة لذلك على الاطلاق". بعد سلسلة واسعة النطاق من اعمال الخصخصة التي اثارت الجدل في التسعينيات وضعت روسيا في 2010 خطة خصخصة طموحة بايعاز من ديمتري مدفيديف الذي كان رئيسا انذاك، بغية تحديث تلك الشركات وسد مواقع العجز الناجم عن ازمة 2008-2009.

لكن تم تخفيض هذه الطموحات بشكل كبير مع عودة فلاديمير بوتين الى الكرملين، مع ارتفاع اسعار النفط سريعا في تلك الفترة فاثمرت عائدات وفيرة قبل ان يتباطأ الاقتصاد الروسي. في كانون الاول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير اتخذ انهيار اسعار النفط حجما هائلا بحيث اعلنت الحكومة انها تعد تخفيضا لنفقاتها ومشاريع خصخصة اضافية نظرا الى صياغة الميزانية استنادا الى معدل لسعر برميل النفط يوازي 50 دولارا، فيما بلغ فعليا 32 دولارا الثلاثاء في لندن.

وقد تراس بوتين اجتماعا حول هذا الموضوع مع مدراء شركات عامة، من دون الكشف عن تلك التي تعنيها الخصخصة فيما حدد شروطا كثيفة القيود. واعتبر الرئيس الروسي ان على الدولة "الا تفقد السيطرة على شركاتها الاستراتيجية" فيما ينبغي على الزبائن ان يضعوا انفسهم "تحت سلطة القضاء الروسي" وكذلك يجب الامتناع عن بيع الاصول المعنية "باسعار مخفضة" فيما تتهالك الاسواق الروسية نتيجة اسعار النفط والعقوبات المفروضة على البلاد بسبب الازمة الاوكرانية بحسب فرانس برس.

في السياق نفسه ومنذ 15 عاما، يدق الخبراء ناقوس الخطر وتعد السلطات بمعالجة الأمر، لكن شيئا لم يحدث: لا تزال روسيا تعتمد بشكل كبير على النفط الذي منحها سنوات عدة من الازدهار، لكنه يدفعها اليوم الى أزمة خانقة مع تدهور أسعار الخام. خلال السنوات الأخيرة، شكل النفط والغاز نحو ثلثي صادرات البلاد ونصف إيرادات الميزانية. ولم تنخفض هاتان النسبتان في الأشهر الأخيرة إلا بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز، وتبعهما تدهور سعر صرف الروبل. وهدأت العاصفة في الأسواق مؤخرا. ودعت رئيسة البنك المركزي الروسي إيلفيرا نابيولينا إلى القيام "بجهود هيكيلية لتنويع الاقتصاد"، معتبرة أنه "لا يجب توقع عودة أسعار النفط إلى مستوياتها العالية".

وأعقب وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في العام 2000 ارتفاع كبير في أسعار المحروقات. وساعد هذا الارتفاع غير المتوقع روسيا التي تملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز، على طي صفحة السنوات العجاف في التسعينات عبر سداد ديونها وتحسين الوضع المعيشي لسكانها، ما أدى إلى تزايد شعبية السلطة بشكل استثنائي. ومنذ أكثر من عشر سنوات وحتى اليوم، يتضمن كل تقرير يصدر عن صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي التوصيات نفسها: على روسيا أن تستغل هذه العائدات للتشجيع على تنمية القطاعات الأخرى.

في العام 2012، حذر مسؤول الملف الروسي في صندوق النقد الدولي أنتونيو سبيليمبيرغو من أن "النفط هو نعمة ونقمة على حد سواء"، طالبا من روسيا تحسين مناخ الأعمال والحد من الفساد لجذب الاستثمارات. ومنذ العام 2006، دعا بوتين إلى تغيير هيكلية الاقتصاد لصالح تقنيات جديدة. وفي السنوات اللاحقة، أنشأت روسيا "روسنانو"، وهي شركة عامة مساهمة متخصصة في تكنولوجيا النانو، أو "سكولكوفو"، وهي تقنية متقدمة جدا على غرار وادي السيليكون في الولايات المتحدة. لكن هذه القطاعات لا تزال بعيدة عن المنافسة مع شركات الطاقة العامة العملاقة.

ويقول نيل شيرينغ من شركة "كابيتال ايكونوميكس" إنه "من السهل الحديث عن الحاجة إلى تنويع الاقتصاد، لكن استكمال الإصلاحات أكثر صعوبة، خصوصا عندما تكون أسعار النفط والغاز مرتفعة". فارتفاع الاسعار يدفع السلطات الى التريث ودعم الروبل من جهة أخرى، ما يجعل الشركات الروسية أقل قدرة على المنافسة دوليا.

وكانت الأزمة المالية بين العامين 2008 و2009، والتي تبعها تراجع في أسعار النفط، بمثابة تحذير. واعتبر الرئيس الروسي حينها ديمتري ميدفيديف ان انتظار الانتعاش الاقتصادي من دون تجديد الاقتصاد سيكون "قاتلا".ىالا ان هذه الطلقة التحذيرية أقنعت بوتين بالمضي قدما في عملية انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، رغم المخاطر الاجتماعية. ولكن أسعار الطاقة ارتفعت وإنتاج النفط الروسي اتبع المسار التصاعدي نفسه حتى وصل إلى مستوى قياسي في العام 2015. وعززت الدولة تواجدها في القطاع وجعلت من مجموعة "روسنفت" العامة عملاقا عالميا، وجاهرت بطموحاتها في استغلال القطب الشمالي. ولكن وزير المال الروسي أنتون سيلوانوف حذر الجمعة من ان "لا انتعاش متوقعا" هذه المرة. واشار الى إعداد تدابير طوارئ، واخرى على المدى الطويل لتأخذ سياسة الموازنة "الوقائع الجديدة" بالاعتبار.

وترى الخبيرة الاقتصادية ليليت جيفورجيان من "أي أتش أس غلوبال انسايت" إن اخراج اقتصاد من الاعتماد على النفط "يتطلب جهودا سياسية جادة طويلة المدى لحل المشاكل التي تقوض مناخ الأعمال منذ عقود" كالبيروقراطية والفساد وعدم استقلال القضاء. والبيئة الحالية ليست مؤاتية جدا مع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية. وخلصت جيفورجيان إلى أنه "في الوقت الحاضر، روسيا أبعد ما يكون عن الإصلاح: تديرها سلطة تنفيذية قوية جدا ترى في لامركزية السلطة السياسية والاقتصادية تهديدا لوجودها" بحسب فرانس برس.

اللجوء لرفع معدلات الفائدة

من جهته حذر البنك المركزي الروسي الذي كان يواجه ضغوطا حتى الان لخفض معدلات الفوائد من اجل تخفيف الانكماش، من انه قد يرفع الفوائد لابقاء سعر صرف الروبل ونسبة التضخم تحت السيطرة مع تراجع اسعار النفط. وآفاق التحسن الاقتصادي تدهورت فجأة في مطلع السنة في روسيا التي تجني نصف عائدات موازنتها من المحروقات. والبلاد الخاضعة ايضا لعقوبات اقتصادية بسبب الازمة الاوكرانية اصبحت تستعد حاليا لسنة ثانية من الانكماش وتراجع مستوى معيشة شعبها.

وعقد بنك روسيا مؤخرا اول اجتماع له لبحث السياسة النقدية منذ انهيار الروبل الى ادنى مستوى في تاريخه امام الدولار في 20 و21 كانون الثاني/يناير. ورغم ان العملة الروسية تحسنت منذ ذلك الحين الى حد كبير فان البنك المركزي شدد من لهجة بيانه الجمعة. وبعدما وعد في كانون الاول/ديسمبر بخفض فائدته الرئيسية قريبا، انتهى به الامر بابقائها على 11% وهو مستوى عال جدا بالنسبة للنشاط الاقتصادي. ولم يستبعد في المستقبل "تشديد سياسته النقدية في حال تزايد مخاطر ارتفاع التضخم". وهدف ابقاء الفائدة عالية هو دعم سعر صرف العملة.

وقالت ليزا ارمولنكو من شركة "كابيتال ايكونوميكس" "هذا التغيير الكبير في اللهجة ناجم بوضوح عن تراجع اسعار النفط في الاونة الاخيرة". لكنها اضافت "نظرا لضعف الاقتصاد، فان الامر سيستلزم هبوطا اقوى بكثير لاسعار النفط والروبل" لكي يدفع البنك المركزي الى وضع تهديده قيد التنفيذ. ومع تسببه بتراجع العملة الروسية، فان تدهور سوق النفط يضع ضغوطا على الاسعار رغم ان معدل التضخم تراجع من 12,9% في نهاية كانون الاول/ديسمبر الى 10% في نهاية كانون الثاني/يناير كما اضاف البنك المركزي.

واعتبر البنك المركزي انه اذا بقيت اسعار النفط متدنية فان ذلك يشكل تهديدا للاستقرار المالي بمجمله. واعتبر الخبراء الاقتصاديون في بنك "الفا" ان هذه التعليقات "قاسية جدا" وتنطوي على رغبة في "تهدئة السوق" بعد "التقلبات الشديدة في سوق الصرف" الاسبوع الماضي. وقالوا انه بعد بيان البنك المركزي "من غير المرجح خفض معدلات الفوائد في العام 2016". واضافوا "في الوقت نفسه فان رفع الفائدة لن يكون امرا قابلا للاستمرار ونتوقع الابقاء على الوضع القائم خلال الاجتماع المقبل للبنك المركزي في 18 اذار/مارس". ورفع معدلات الفائدة في حال تقرر يمكن ان يشكل صدمة جديدة لاقتصاد يعاني من ازمة كبرى فيما لم يخف العديد من رؤساء الشركات وكذلك الحكومة التعبير عن املهم في اعتماد سياسة اكثر ليونة في اسرع وقت ممكن.

واقر بنك روسيا بان الافاق الاقتصادية قاتمة قائلا ان خفض اجمالي الناتج الداخلي هذه السنة سيتراوح بين -0,5% و -1%. واضاف ان "نمو اجمالي الناتج الداخلي سيصبح ايجابيا مجددا في العام 2017 لكن بمستوى ضعيف".

وشهدت روسيا تراجعا بنسبة 3,7% لاجمالي الناتج الداخلي في العام 2015. واذا تاكد سيناريو سنة ثانية من الانكماش فانه سيكون وضعا غير مسبوق تواجهه روسيا منذ وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الكرملين في العام 2000. والرئيس الروسي الذي بنى شعبيته على اساس رفع مستوى معيشة الروس مع ارتفاع العائدات النفطية في اول ولايتين له، استقبل الجمعة للمرة الثانية هذا الاسبوع رئيسة البنك المركزي الفيرا نابيولينا ووزير المالية انتون سيلوانوف.

وتنشط الحكومة حاليا للقيام باقتطاعات جديدة في الموازنة وتبني اجراءات لانعاش الاقتصاد، قدرت الخميس بحوالى 750 مليار روبل (9 مليارات يورو) بحسب فرانس برس.

العملة الروسية تواصل تراجعها

في سياق مقارب تراجعت العملة الروسية مجددا الى مستويات قياسية امام الدولار حيث خسر سعر صرف الروبل اكثر من 3% مع بدء التداولات ووصل الى 84 مقابل الدولار مع استمرار تدهور اسعار النفط. والروبل الذي يسجل تراجعا منذ الاشهر الـ18 الماضية بسبب هبوط اسعار النفط والعقوبات الغربية على اوكرانيا، تراجع ايضا امام اليورو ليصل الى 92 لليورو. ويشكل النفط مع الغاز اكثر من نصف عائدات الدولة الروسية، وياتي تراجعه في وقت تامل روسيا التي تستهدفها ايضا عقوبات على خلفية الازمة الاوكرانية، بتجاوز الانكماش الذي شهدته في 2014.

وسبق ان اقرت الحكومة الروسية بان الاقتصاد سيواصل تباطؤه على وقع السعر الراهن لبرميل النفط، مع ضرورة اجراء اقتطاعات في الموازنة. وكثفت الحكومة اجتماعاتها في الايام الاخيرة لايجاد مصادر مالية اضافية مع مواصلتها التقديمات الاجتماعية ومساعدتها للقطاعات الاكثر تعثرا مثل السيارات والبناء. واقر الرئيس فلاديمير بوتين الذي كان يتحدث الاربعاء امام متعهدين تزامنا مع التراجع التاريخي للروبل امام الدولار، بان العامين الماضيين كانا صعبين "بالنسبة الى كل القطاعات بحسب فرانس برس.

تبسيط اداري لمساعدة منتجي المحروقات

من جهته اعلن وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك ان الحكومة تعد اجراءات "تبسيط اداري" لمنتجي المحروقات وليس مساعدات مالية، مع اضطرار هؤلاء الى خفض اكلافهم على وقع تراجع العملة الروسية. وقد تواجه روسيا عاما ثانيا من الانكماش مع انهيار اسعار النفط، واعلنت الحكومة الخميس انها تعد "خطة" جديدة "لمواجهة الازمة". وسئل نوفاك عن امكان اتخاذ اجراءات تساعد شركات النفط والغاز فاجاب "لن تكون مالية او ضريبية بل في اطار التبسيط الاداري". واضاف ان "غاية الحكومة هو تسهيل عمل الشركات النفطية".

واعتبر انه بالنظر الى وضع السوق، "على قطاع المحروقات ان يزيد انتاجيته وعلى الشركات ان تراجع خططها الاستثمارية". وحتى الان، خفف التراجع التاريخي للروبل الروسي في الايام الاخيرة مقابل الدولار، من وطأة تأثير تراجع اسعار النفط على مجموعات الطاقة. فالاخيرة تبيع قسما كبيرا من انتاجها بسعر محدد بالدولار في حين انها تنشر غالبية حساباتها بالروبل.

وفي الاشهر الاخيرة، طرحت داخل الحكومة فكرة فرض ضرائب اضافية على هذا القطاع لزيادة واردات الدولة التي تحصل على نصف عائداتها من المحروقات. ولكن في نهاية المطاف اتخذ قرار بارجاء هذا الامر. واستبعد نوفاك زيادة الضرائب وقال "الاهم حاليا هو عدم المساس باي شيء لعدم تحميل القطاع عبئا اضافيا". وهذا الاسبوع، اعلن فاغيت الكبيروف رئيس "لوك اويل" ثاني اكبر مجموعة روسية نفطية ان "الشركات النفطية لم تعد تملك قرشا واحدا. انها تنفق كل مالها على الاستثمار لتطوير الصناعة الروسية. اذا توقفنا عن ذلك، فان عددا هائلا من المدن التي تعول على الصناعة (...) سيصيبها الشلل" بحسب فرانس برس.

روسيا تخصص 1.7 مليار دولار لدعم الاقتصاد الحقيقي

في سياق آخر قال مسؤولان كبيران إن الحكومة الروسية خصصت 135 مليار روبل (1.7 مليار دولار) لدعم الاقتصاد الحقيقي في إطار مشروع خطة لمواجهة الأزمات فيما قال مصدر ثالث إن الحكومة قد تستخدم احتياطيات أخرى بقيمة 340 مليار روبل لتهدئة السخط الاجتماعي. وفي ظل معاناة روسيا من هبوط أسعار النفط والعقوبات الغربية وانخفاض الروبل تجد موسكو صعوبة شديدة في الموازنة بين ضرورة دعم اقتصادها الآخذ في الانكماش ورغبتها في الاحتفاظ بأموال تساعدها على اجتياز أسوأ موجة انكماش تشهدها البلاد منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة.

وقال مسؤولان كبيران لرويترز شريطة عدم ذكر اسمهما إنه تم إعداد خطة لمواجهة الأزمات تخصص 135 مليار روبل لدعم قطاعات في الاقتصاد الحقيقي. وقال أحد المسؤولين الكبيرين إن وزارة المالية التي تسيطر على صندوق مواجهة الأزمات تعارض إنفاق جميع تلك الأموال. ولم يتم بعد اتخاذ القرار النهائي بخصوص القطاعات التي ستستفيد من هذه الأموال وحجم استفادتها. وستتمثل معظم إجراءات مواجهة الأزمات في تقديم الدعم الحكومي وضمانات من الدولة لتقاسم المخاطر مع البنوك وتقليص تكلفة الإقراض.

وقال أحد المصادر "تراجعت إيراداتنا بسبب التطورات التي شهدتها سوق النفط في الآونة الأخيرة ولم تزد." ولم يتسن الحصول على تعقيب من وزارة النفط. وأشار أحد المصادر إلى أن الأموال المخصصة لحزمة مواجهة الأزمات قد تزيد -إذا لزم الأمر- بفضل الأموال البالغة 340 مليار روبل المتوافرة من تجميد تحويلات تتعلق بالمعاشات. لكنه أضاف أن احتمالات حدوث ذلك "ضعيفة جدا".

ويقول عدد من المستشارين الاقتصاديين لبوتين إنه يفضل الحفاظ على احتياطيات البلاد حتى وإن كان ذلك سيؤثر سلبا على النمو الاقتصادي. ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الروسي بما يصل إلى واحد بالمئة هذا العام بعد انكماشه 3.9 بالمئة في 2015. وتم جمع 340 مليار روبل بفضل تعليق تحويل أموال إلى صناديق المعاشات غير الحكومية. وقال أحد المسؤولين إن من المحتمل استخدام جزء من هذا المبلغ في تهدئة السخط الاجتماعي عن طريق دعم التوظيف والمساهمة في تعويض الزيادة في أسعار الأدوية بحسب رويترز.

وقالت روسيا إنها تستعد لإنفاق ما يصل إلى 2.3 تريليون روبل على إجراءات مواجهة الأزمات في 2015. وشمل ذلك ضمانات حكومية ودعم لقطاع السيارات وغيره من القطاعات. لكن روسيا لم تطبق جميع الإجراءات التي أعلنتها.

توقع تراجع اجمالي الناتج الداخلي الروسي

من جهته توقع البنك المركزي الروسي تراجع اجمالي الناتج الداخلي للبلاد "اقل من 1%" خلال الفصل الاول من السنة بعدما بقي مستقرا في نهاية 2015، وذلك نتيجة تدهور الاوضاع الاقتصادية العالمية مؤخرا. واوضح البنك المركزي في تقرير مخصص لوضع الاقتصاد الكلي صدر مؤخرا ان هذا التباطؤ المتوقع للاقتصاد الروسي بالمقارنة مع الفصل السابق بحسب المعطيات المعدلة موسميا، ياتي بعد "تراجع قريب من الصفر" في الفصل الرابع من عام 2015. وقدر البنك المركزي تراجع اجمالي الناتج الداخلي في الفصل الاول من 2016 بالمقارنة مع الفصل ذاته من العام الماضي بين 1,7% و2,5%، بعدما كانت تقديراته تتراوح من قبل بين 1% و2%.

واوضح خبراء البنك ان "التدهور المسجل في مطلع العام في وضع الاقتصاد الداخلي يعزز مخاطر تراجع الاقتصاد الروسي". وسجل اجمالي الناتج الداخلي تراجعا بنسبة 3,7% عام 2015 بعد نمو بنسبة 0,7% عام 2014، متأثرا بتدني اسعار النفط والعقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا على خلفية الازمة في اوكرانيا. وادى تفاقم انهيار السوق النفطية في نهاية 2015 ومطلع 2016 الى تخفيض التوقعات بالنسبة لروسيا التي تستمد حوالى نصف مداخيلها من المحروقات. وهبط الروبل في نهاية كانون الثاني/يناير الى ادنى مستوياته التاريخية مقابل الدولار واطلقت الحكومة مبادرات على جميع الاصعدة للحد من انفاقها والقيام بعمليات خصخصة ودعم القطاعات الاكثر تاثرا بالازمة. ويتوقع صندوق النقد الدولي تراجع اجمالي الناتج الداخلي بنسبة 1% خلال 2016 بحسب رويترز.

عرض اسعار العملات الاجنبية في موسكو

من جهتها اعلنت السلطات الروسية افلاس مصرفين جديدين احدهما انتركوميرتس المتوسط الحجم والذي وضع تحت الوصاية في نهاية كانون الثاني/يناير بعدما ضعف وضعه المالي بشكل كبير في الاشهر الاخيرة. وقال المصرف المركزي الروسي في بيان بثته وكالة الانباء انترفاكس ان المصرف الذي كان يحتل المرتبة 67 في الموجودات من اصل 700 بنك، اعلن افلاسه "بسبب النوعية غير المرضية لموجوداته".

واضاف البنك المركزي الذي وضع انتركومرتس تحت الوصاية في 29 كانون الثاني/يناير ان "تقييما سليما للمخاطر المالية كشف خسارة كاملة لاموال المصرف. كما انه متورط في عمليات مثيرة للشبهة". وعند وضعه تحت الوصاية، ذكرت الصحف الروسية ان البنك الذي يتخذ مقرا في موسكو لم يعد قادرا على تأمين سحب المبالغ التي يطلبها زبائنه. وسحب المصرف المركزي رخصة مصرف آخر ايضا اصغر حجما هو التابنك (المرتبة 186) بسبب "خسائر في السيولة" تمنعه من ايفاء التزاماته لدائنيه.

وآخر مصرف كبير اعلن البنك المركزي افلاسه هو فنيشبرومبنك الذي كان بين زبائنه مقربون من شخصيات روسية، وذلك بعد اكتشاف مخالفات كبيرة في حساباته. وقامت السلطات الروسية في السنوات الاخيرة بعملية تنظيم واسعة في هذا القطاع الذي يضم مئات المصارف الهشة التي تثير نشاطات بعضها الشبهات. وتسارعت الوتيرة منذ عام ونصف العام مع تراجع سعر الروبل، مما ادى الى افلاس عشرات من المصارف بحسب رويترز.

المركزي الروسي يضع 35 دولارا للبرميل

من جهته قال نائب محافظ البنك المركزي الروسي إن البنك خفض توقعاته لمتوسط سعر النفط للعام الحالي إلى 35 دولارا للبرميل من تقدير سابق بلغ 50 دولارا للبرميل. وأضاف ديمتري تولين أن السيناريو الأساسي لتوقعات المركزي الروسي يشير إلى متوسط لسعر النفط قدره 45 دولارا للبرميل في 2017-2018 في حين أن التوقعات في سيناريو المخاطر يضعه عند 35 دولارا. ومنذ بداية العام لم تتجاوز أسعار خام برنت القياسي العالمي مستوى 39 دولارا للبرميل وظلت إلى حد كبير دون 35 دولارا. وجرى تداول عقود برنت يوم الجمعة حول 31.50 دولار.

وقال تولين للصحفيين "درجة عدم اليقين مرتفعة... نحن ندرك أن مثل هذه التقلبات وعدم القدرة على التنبؤ بحركيات أسعار النفط العالمية يوجدان حالة من عدم اليقين لنا فيما يتعلق باحتمالات تحقيق مستويات التضخم التي نستهدفها في إطار زمني محدد." لكنه أضاف أن البنك المركزي لم يتخل في الوقت الحالي عن أهدافه ومن أبرزها خفض التضخم إلى 4 بالمئة بحلول 2017. وبلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في يناير كانون الثاني 9.8 بالمئة بحسب رويترز.

خصخصة الأصول النفطية في روسيا

في السياق نفسه قالت مصادر مطلعة لرويترز إن شركة النفط الروسية لوك اويل أبلغت الحكومة أنها تريد شراء منافستها الأصغر حجما باشنفت بينما تستعد الدولة لبيع حصة مسيطرة أو حصة أقلية في الشركة لسد عجز في الميزانية. وأمرت حكومة الرئيس فلاديمير بوتين بمسعى للخصخصة لتغطية عجز متزايد في ميزانيتها التي تضررت من هبوط أسعار النفط وعقوبات غربية بسبب دور موسكو في الصراع في اوكرانيا.

وتملك الدولة حصة قدرها 75 بالمئة في باشنفت التي جرى تأميمها قبل حوالي عامين. وقالت مصادر حكومية ومصادر بصناعة النفط إن الحكومة تدرس ما إذا كانت ستبيع حصة تزيد عن 50 بالمئة أو حصة تقتصر على 25 بالمئة من خلال طرح في سوق الأسهم. وقال مصدر حكومي "توجد أطراف كثيرة تبدي اهتماما بما في ذلك لوك اويل." وامتنعت لوك اويل وباشنفت عن التعقيب بينما لم يتسن على الفور الاتصال بوزارة الاقتصاد الروسية للحصول على تعليق.

ولوك اويل هي ثاني أكبر منتج للنفط في روسيا وأكبر شركة نفطية مملوكة للقطاع الخاص. وبيع باشنفت إلى مشتر من القطاع الخاص سيمثل تحولا مهما لأكبر صناعة للطاقة في العالم إذ سيأتي بعد أكثر من 15 عاما من برنامج تأميم سمح للكرملين باستعادة السيطرة على القطاع بعد خصخصة شابها التشوش في عقد التسعينات من القرن الماضي.

وهو أيضا مؤشر إلى المحنة التي تحدق بالميزانية التي قد تواجه عجزا إضافيا يصل إلى 2.5 تريليون روبل (31.7 مليار دولار) هذا العام إذا ظلت أسعار النفط عند حوالي 30 دولارا للبرميل. وباشنفت هي سادس أكبر شركة نفطية في روسيا ويبلغ إنتاجها 400 ألف برميل يوميا. وتبلغ قيمتها السوقية 4.5 مليار دولار وهو ما يعني أن مشتريا قد يضمن السيطرة في الشركة -التي لديها أيضا وحدة لتكرير الخام- مقابل أقل من 2.5 مليار دولار. وكانت القيمة السوقية قد وصلت إلى حوالى 13 مليار دولار قبل أن تبدأ أسعار النفط بالهبوط في منتصف 2014 وقبل أن يهوي الروبل أيضا بحسب رويترز.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0