يرى العديد من الخبراء ان استمرار تراجع اسعار النفط عالميا والذي اثرت سلباً على اقتصاد العديد من الدول المصدرة، التي اصبحت تعاني من مشكلات وازمات مالية خطيرة بسبب غياب الحلول والاتفاقات بين دول منظمة أوبك، يمكن ان تكون له اثار سلبية جديد قد تسهم بتعقيد الامور، خصوصا وان العديد من الدول المصدرة قد دخلت اليوم في حرب تنافسية من اجل زيادة حصصها السوقية والتمدد الى اسواق اخرى، في سبيل تحقيق عوائد مالية اضافية قد تسهم بمعالجة بعض مشكلاتها وازماتها الداخلية، تلك المنافسة وكما يقول بعض الخبراء ستكون سببا في اغراق الاسواق العالمي التي تعاني اصلا من تخمة المعروض الذي قد يزداد بشكل كبير بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن ايران التي ستسعى الى زيادة حصتها، فيما تواصل المملكة العربية السعودية وكما تنقل بعض المصادر توسيع مبيعاتها في أوروبا على حساب الشركات الروسية، يسعى العراق إلى زيادة إنتاجه من النفط في 2016، وزيادة مبيعاته في أسواق آسيا وأوروبا، وتجري شركات النفط العربية خصومات كبيرة على عقودها المستقبلية في سبيل الحصول على أكبر عدد من الزبائن.

ووسط التخمة التي تعيشها الأسواق العالمية من المخزونات التجارية والمخزونات العائمة يصبح من الصعب التكهن بتحسن قريب في أسعار النفط، وبدأت العديد من المصارف العالمية تعود للحديث عن احتمال نزول أسعار النفط إلى مستوى اقل من السعر الحالي، وقال مسؤولون تنفيذيون بكبرى شركات النفط إنهم يتوقعون استمرار تخمة المعروض من الخام وضغطها على أسعار النفط لشهور عديدة قادمة إن لم يكن لسنوات رغم التخفيضات الحادة في استثماراتها وإلغاء مشروعات في أنحاء العالم.

صراع الحصص

في هذا الشأن يشكل تدفق مبيعات النفط الخام السعودي على مصافي شمال أوروبا مقتحمة الساحة الخلفية لروسيا المنافسة مزيدا من الضغوط على أسعار النفط التي ترزح بالفعل تحت وطأة تخمة المعروض في السوق، وبعد تضررها من نجاح روسيا في إزاحتها من السوق الصينية العملاقة والحلول محلها هناك بدأت الرياض حملة مغرية في أوروبا إذ خفضت أسعارها لشحنات ديسمبر كانون الأول بأكثر مما فعلته لأي منطقة أخرى لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ 2009 إبان الأزمة المالية.

ونادرا ما تقوم السعودية ببيع نفطها في شمال البحر المتوسط وهي منطقة تهيمن عليها خامات روسيا وأفريقيا وبحر الشمال. ونتيجة لذلك فإن نجاح المملكة في إغراء مشترين لخام الأورال الروسي المنافس في بولندا والسويد سيؤثر بشكل كبير على السوق وسيشمل تأثيره مجموعة واسعة من الخامات الأخرى في المنطقة.

وتستفيد مصافي التكرير من هبوط أسعار الخام في تلبية الطلب المرتفع على البنزين لكن هناك الآن تخمة في المنتجات المكررة أيضا وهو ما يعني أن المصافي لن تلعب دور المنقذ باستيعاب الفائض، وقال ديفيد هفتون الرئيس التنفيذي لبي.في.إم "يبدو النصف الأول من العام القادم بشكل واضح فترة خطيرة للمراهنين على صعود أسعار النفط، "ربما تكون فترة تمتلئ فيها الصهاريج وهو ما يؤدي إلى ضعف الأسعار"، وبدأ سوق الأطلسي يشهد مجددا تراكم كميات من النفط ليست متجهة إلى أماكن بعينها وهو ما يشعل حرب أسعار بين جميع أنواع الخامات تجعل من مستوى 50 دولارا للبرميل حاجزا منيعا يصعب اختراقه من جانب العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت.

وقال كريس مين المحلل لدى سيتي "لا أحد ينكر أن العوامل الأساسية تدفع إلى الهبوط... هناك تخمة في الشحنات وهو ما يضغط على الخام القياسي." ولم تحل المبيعات الجديدة للسعودية في أوروبا إلا مكان كميات صغيرة من خام الأورال وهو خام ثقيل لا يواجه مخاطر كبيرة من تخمة المعروض هذا العام والذي يشكل معظمها الخام الأمريكي الصخري الخفيف. لكن ذلك يشير إلى فتح جبهة جديدة في الصراع على الحصة السوقية بين المنتجين العملاقين.

وقال وزير البترول السعودي علي النعيمي إن الطلب العالمي على النفط سيعكس قريبا جاذبية الأسعار الحالية مشيرا إلى آسيا كعامل رئيسي في النمو. وزاد إنتاج روسيا من النفط إلى أعلى مستوياته منذ الحقبة السوفيتية ليصل إلى 10.78 مليون برميل يوميا وهو ما ساعد على زيادة الخصم في سعر خام الأورال عن خام برنت إلى ثلاثة أمثاله في ثلاثة أشهر فقط ليصل إلى أدنى مستوياته في 17 شهرا.

من جانب اخر حل العراق محل السعودية كثاني أكبر مصدر للنفط إلى أوروبا واستعدت إيران بقائمة من مشتري خامها تأهبا لرفع العقوبات عنها. ونقلت وكالة الطاقة الدولية عن مصادر في السوق قولها إن طهران ستستطيع بيع ما لا يقل عن 400 ألف برميل إضافي يوميا لمشترين في آسيا وأوروبا حالما ترفع عنها العقوبات. وقالت الوكالة "لهذا السبب من المرجح أن يستمر احتدام التنافس على السعر بين المنتجين".

وانتزعت روسيا حصصا سوقية من أوبك في كثير من أسواق آسيا بفضل خط أنابيب يمتد إلى المحيط الهادئ والصين. وخلق هذا التحول فرصا للمنافسين في الأسواق الأوروبية التي كانت تهيمن عليها روسيا. وتستورد أوروبا أكثر من تسعة ملايين برميل يوميا من الخام من خارج المنطقة وتشكل الخامات التي تحتوي على نسبة عالية من الكبريت أكثر من ستة ملايين برميل من تلك الكمية. وعلى الرغم من أن خام الأورال الروسي ما زال يهيمن بحصة تبلغ نحو 55 بالمئة إلا أن العراق فاز بحصة سوقية كبيرة منذ عام 2012 بعد تشديد العقوبات على إيران بحسب وكالة الطاقة. وقبل أن يحظر على إيران بيع النفط لأوروبا في 2012 كانت طهران تبيع نحو مليون برميل يوميا من الخام العالي الكبريت.

ومنذ منتصف 2014 ارتفع إجمالي حجم صادرات العراق نحو 40 بالمئة إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا وبلغ حجم مبيعاته لأوروبا مليون برميل يوميا في شهري يوليو تموز وأغسطس آب لترتفع حصته السوقية إلى 17 بالمئة وهو ما سمح له بالتفوق على السعودية وفقا لما ذكرته وكالة الطاقة. ونتيجة للمعارك الدائرة على الحصة السوقية ازدادت تخمة المعروض من النفط في أوروبا. بحسب رويترز.

وقالت وكالة الطاقة الدولية "أسواق الخام العالي الكبريت على وجه الخصوص تبدو متخمة بالمعروض مع اتساع الفوارق السعرية مع الخامات المنخفضة الكبريت. فأوروبا تشهد وفرة في الخامات العالية الكبريت المتنافسة من (دول) الاتحاد السوفيتي السابق والشرق الأوسط بينما ظل الخام الأمريكي العالي الكبريت مكبوحا بسبب صيانة المصافي".

في السياق ذاته وكما تنقل بعض المصادر فقد أشار مصدر روسي مطلع إلى استعداد موسكو لخفض أسعار النفط المباع إلى أوروبا بهدف الحفاظ على مواقع روسيا في السوق الأوروبية، وقال المصدر: لن نتوانى عن حماية مواقعنا في سوق النفط الأوروبية، وسوف نخفض أسعار الخام الروسي المباع أورالس، وليس من السهولة أبدا على السعوديين رفد المصافي الأوروبية بالخام اللازم نظرا لاعتمادها منذ عقود على النفط الروسي حصرا، والأمر معقد من الناحية التكنولوجية، ولم يفصح المتحدث عن قيمة الحسوم التي قد تقدمها روسيا، مشيرا إلى أن الأسعار المتدنية التي وضعها العراق على خامها نابعة من رخص نوع النفط المعروض، وأضاف: نعلم بأن العراق يبيع نفط البصرة الثقيل بـ30 دولارا للبرميل، وذلك بخصم قدره 5 دولارات، إذ لا يتعدى سعر البرميل من هذا النوع الـ35 دولارا. نفط البصرة لا يعد منافسا لنفطنا، فهو ثقيل جدا.

فنزويلا وايران

على صعيد متصل قال وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديل بينو إن أوبك لا يمكن أن تسمح بحرب أسعار وإن على المنظمة أن تتحرك لإعادة الاستقرار إلى سوق الخام قريبا. وقال ديل بينو على هامش منتدى الدول المصدرة للغاز في طهران "على أوبك أن تفعل شيئا قريبا جدا... لا نتفق مع الرأي القائل بأن السوق ستملي بطريقة ما سعر النفط الخام. لا نتفق مع الموقف السعودي.

وإيران تعلن أن إنتاجها سيزيد فور رفع العقوبات وينبغي أن نقوم بشيء ما. لا يمكننا (في أوبك) أن نسمح بالدخول في حرب أسعار. نحن بحاجة إلى جلب الاستقرار إلى السوق." وقال ما لم تغير أوبك سياستها "منتصف العشرينات." وقال إن فنزويلا سبق أن قدمت في فيينا يوم 21 أكتوبر تشرين الأول مقترحا بخصوص سعر لتحقيق التوازن في السوق وأعاد التأكيد على أن السعر الذي يسمح باستمرار الاستثمار في المستقبل لتعويض أثر التراجع الطبيعي في الإنتاج يوجد عند مستوى 88 دولارا.

وقال إن أسعار النفط المنخفضة ستؤثر على الاستثمارات في المستقبل وهو ما قد يعني عدم تلبية نمو الطلب على النفط مما سيعني طفرة سعرية لاحقا. وأضاف "لا نريد مثل هذا النمط من دورة تراجع السعر وارتفاعه فهي ضارة بالمستهلكين والمنتجين على السواء. نحتاج إلى أن نرسل بإشارة استقرار إلى السوق وإشارة الاستقرار تلك ليست ما نقوم به حاليا... نحن ندمر سعر النفط الخام. المضاربة هي المسيطرة على السوق. بحسب رويترز.

من جانب اخر قال وزير النفط الإيراني بيجن نامدار زنغنه إنه لا يتوقع أي تغيير في سياسة أوبك خلال اجتماعها المقبل. وأجاب على سؤال عما إذا كانت أوبك ستبقي على استراتيجيتها بقوله "لا أتوقع أي اتفاق جديد". وتابع أن أوبك بحاجة أيضا إلى التعامل مع عودة الانتاج النفطي الإيراني في إطار سقف الانتاج الحالي. وأضاف "تنتج أوبك أكثر من السقف الذي حددته وطلبت من المنظمة خفض الانتاج واحترام السقف ولكن هذا لا يعني ألا ننتج أكثر لأن العودة إلى السوق من حقنا وكذلك الحفاظ على حقوقنا وحصتنا في السوق."

توقعات متشائمة

الى جانب ذلك قالت وكالة الطاقة الدولية إن العالم يشهد وفرة في معروض النفط بعد تكوين مخزونات قياسية في الأشهر الأخيرة وإن تباطؤ نمو الطلب العالمي ومرونة الإمدادات من خارج منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) قد يزيدان من تخمة المعروض في العام المقبل. وقالت الوكالة في تقرير شهري "وصول مخزونات النفط إلى مستوى قياسي يبلغ ثلاثة مليارات برميل يعطي الأسواق العالمية قدرا من الارتياح" مضيفة أن وفرة المخزون توفر حماية غير مسبوقة من الصدمات الجيوسياسية والتعطل المفاجئ للإمدادات.

وقالت وكالة الطاقة إن إمدادات النفط العالمية تجاوزت 97 مليون برميل يوميا في أكتوبر تشرين الأول لتزيد مليوني برميل عن مستواها قبل عام مع تعافي الإنتاج من خارج أوبك من مستوياته المتدنية التي سجلها في الشهر السابق. وعلى الرغم من أن أسعار النفط المتدنية ستؤدي إلى تراجع إنتاج النفط الأمريكي المحكم العام المقبل إلا أن التخلص من تخمة المعروض في الأسواق سيحتاج شهورا بحسب وكالة الطاقة.

وقالت الوكالة "هذه البطانة الهائلة تضخمت حتى في ظل تكيف سوق النفط العالمية مع 50 دولارا للبرميل. "نمو الطلب ارتفع إلى أعلى مستوى له في خمس سنوات عند نحو مليوني برميل يوميا... لكن الإنتاج الضخم من أوبك والإمدادات المرنة من خارج المنظمة تجاوزا حجم الزيادة في الطلب - حيث وصل حجم إنتاج روسيا إلى ذروته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ومن المرجح أن يظل مرتفعا في 2016 أيضا."

وقالت أوبك في تقريرها الشهري إن المخزونات في الاقتصادات المتقدمة سجلت أكبر زيادة عن متوسط الخمس سنوات خلال ما لا يقل عن عشرة أعوام. وذكرت وكالة الطاقة أن زيادة المخزونات التي تحققت في البداية في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع الإنتاج امتدت الآن إلى الدول المتقدمة بالإضافة إلى الصين والهند. وقالت وكالة الطاقة إن "القدرة على امتصاص الصدمات التي توفرها مخزونات النفط لم تعد حكرا على الخام فحسب.

ففي حين تعمل المصافي بأقصى سرعة لتغطية زيادة الطلب على البنزين في الولايات المتحدة والصين - وهما أكبر الدول المستهلكة - فإن ذلك قد أدى إلى زيادة مخزونات نواتج التقطير." وبإمكان المخزونات الكبيرة أن تحمي السوق من أزمات الإمدادات في ظل موجات الطقس البارد الطويلة. لكن الوكالة قالت إن "التوقعات الحالية هي أن يكون الشتاء معتدلا في أوروبا والولايات المتحدة. وإذا صحت تلك التوقعات فإن مستويات المخزونات المرتفعة ستفرض مزيدا من الضغوط وقد يختار دببة أسواق النفط عدم الدخول في بيات شتوي."

وتتوقع الوكالة أن يتراجع نمو الطلب العالمي على النفط إلى 1.21 مليون برميل يوميا في 2016 من مستواه المرتفع البالغ 1.82 مليون برميل يوميا هذا العام. وقالت الوكالة "من المستبعد أن يتكرر تأثير الهبوط الحاد في أسعار النفط على المستهلكين ومن المتوقع أن تظل الظروف الاقتصادية تمثل إشكالية في بلدان مثل الصين." وذكرت أنه رغم المرونة التي يتمتع بها منتجون مثل روسيا إلا أنه من المتوقع أن تنكمش إمدادات المعروض من خارج أوبك بأكثر من 600 ألف برميل يوميا في العام المقبل. بحسب رويترز.

ومن المتوقع أن يتراجع إنتاج الخام الأمريكي المحرك الأساسي لنمو الإنتاج خارج أوبك بمقدار 600 ألف برميل يوميا العام القادم مقابل توقعات سابقة بهبوطه 400 ألف برميل. وقالت الوكالة "الإنتاج القياسي المرتفع في روسيا يعوض (هذا) جزئيا." ورفعت الوكالة تقديراتها للطلب على نفط أوبك في 2016 بمقدار 200 ألف برميل يوميا إلى 31.3 مليون برميل. وتتوقع وكالة الطاقة أن يزيد الطلب على نفط أوبك في النصف الثاني من 2016 بمقدار 1.4 مليون برميل يوميا عن مستواه في النصف الأول ليصل إلى 32 مليون برميل يوميا وهو ما يتجاوز المستوى الحالي لإنتاج المنظمة.

وتوقعت وكالة الطاقة الدولية ايضا ان تستعيد السوق النفطية توازنها تدريجيا وتستقر على سعر يقارب 80 دولارا للبرميل بحلول العام 2020 تحت تاثير عرض اقل وفرة، واوردت وكالة الطاقة الدولية في دراستها الاستطلاعية السنوية ان "عملية تكيف السوق النفطية نادرا ما تحصل بشكل هادئ، لكن بحسب السيناريو الرئيسي الذي اعددناه، فان السوق ستستعيد توازنها بمستوى 80 دولارا للبرميل عام 2020 مع مواصلة الاسعار ارتفاعها بعد ذلك".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0