تواجه دول الخليج العربية في ظل استمرار انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية، مشكلات اقتصادية كبيرة، على الرغم من الاحتياطات المالية الضخمة التي تمتلكها، خصوصا وان هذه الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط لتمويل الجزء الأكبر من الموازنات العامة.

وكما يرى العديد من الخبراء قد بدأت تعاني ازمات حقيقية اثارت القلق والمخاوف الامر الذي قد يدفع الجهات الحكومية الى اعتماد خطط واجراءات جديدة قد تؤدي الى تغير السياسات المالية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي.

وتوقع المحللون أن يؤثر انخفاض أسعار النفط على الدول الخليجية بدرجات متفاوتة وفقا لاعتماد الحكومات على النفط في تمويل الميزانيات، وإن كانت معظم البلدان ستشهد تأثرا فوريا في معدلات الإنفاق العام، مع احتمال لجوء بعض الدول إلى تسييل أصول مملوكة لها لتمويل العجز المنتظر.

وتعتمد موازنات الدول الخليجية بشكل كبير على سعر برميل النفط في احتساب موازناتها العامة، حيث يحدد سعر البرميل ما إذا كانت الموازنة ستحقق فائضا أم عجزا في نهاية السنة المالية. وتهتم الدول المنتجة للبترول بصفة عامة بسعر تعادل برميل النفط مع ميزانيتها، وهو سعر برميل النفط الذي تحتاجه كل دولة حتى لا تشهد ميزانيتها عجزا ماليا وتضطر إلى الاستدانة أو استخدام موارد أخرى كالاحتياطات المالية لتغطية وسد العجز.

واشار العديد من المراقبين الى انه في الأعوام المقبلة ستتعرض الدول النفطية لمزيد من المشاكل الاقتصادية إذا لم توسع استثماراتها. يضاف الى ذلك المخاطر الاخرى والمفاجآت غير المتوقعة التي قد تسهم في تغير اسعار النفط في الاسواق العالمية، ومنها التوقعات الخاصة بزيادة حصص بعض الدول المنتجة ومنها ايران التي تتطلع الى تعوض خسائرها الاقتصادية من خلال استعادة حصصها النفطية.

السعودية

وفي هذا الشأن فقد افاد تقرير ان احتياطي السعودية من العملات الاجنبية انخفض 49 مليار دولار في الاشهر الاربعة الاولى من عام 2015 بعد تراجع اسعار النفط العالمية. واكدت مؤسسة "جدوى" السعودية للابحاث ان الاحتياطي الذي تراكم خلال العقد الماضي نتيجة ارتفاع اسعار النفط الخام، انخفض من 732 مليار دولار نهاية عام 2014 الى 683 مليار دولار اواخر نيسان/ابريل. وتابعت انه في اذار/مارس ونيسان/ابريل وحدهما، بلغ حجم التراجع 31 مليار دولار.

وهبطت اسعار النفط من حوالى 115 دولارا للبرميل في حزيران/يونيو العام الماضي، الى 46 دولارا فقط للبرميل في كانون الثاني/يناير، قبل ان يرتفع الى نحو 65 دولارا للبرميل. وتضخ اكبر دولة مصدرة في العالم حاليا 10,3 ملايين برميل يوميا. وتوقعت مؤسسة جدوى ايضا ان تسجل المملكة عجزا في الموازنة قدره 107,7 مليار دولار في عام 2015، مقارنة مع توقعات الحكومة بـ39 مليار دولار. ويعود ذلك اساسا الى انخفاض بنسبة 39 في المئة من عائدات النفط الى 171,8 مليار دولار، من 285 مليارا العام الماضي، في حين لا يزال الانفاق مرتفعا.

من جانب اخر اعلن صندوق النقد الدولي انه من المتوقع ان تسجل السعودية عجزا ضخما يساوي 20% من اجمالي الناتج المحلي بسبب الانخفاض الكبير في اسعار الخام. وقالت مجموعة من خبراء الصندوق في اعقاب زيارة الى المملكة انه "من المتوقع ان يبقى الانفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة ... فيما انخفضت عائدات النفط". واضاف الفريق "نتيجة لذلك، يتوقع خبراء صندوق النقد ان تسجل الحكومة عجزا بقيمة حوالى 20% من الناتج المحلي في 2015".

ولم يشر فريق صندوق النقد الى الكلفة المالية المرتفعة لمشاركة السعودية في الحرب على تنظيم داعش ولقيادتها تحالفا عربيا في اليمن. وتبلغ قيمة العجز المتوقع 130 مليار دولار اذ ان توقعات الصندوق لاجمالي الناتج المحلي للسعودية في 2015 هي 649 مليار دولار. وقال الصندوق ان انخفاض اسعار النفط كان له تأثير كبير على الدخل، الا ان تأثيره على باقي القطاعات الاقتصادية ظل محدودا حتى الآن بفضل الانفاق الحكومي القوي. وتوقع صندوق النقد ان تسجل السعودية نموا بنسبة 3,5% هذه السنة، اي نفس نسبة النمو التي سجلت في 2014، الا ان النمو سيتباطأ الى 2,7% في 2016. بحسب فرانس برس.

وانخفضت اسعار النفط من 115 دولارا للبرميل قبل سنة الى 46 دولارا مطلع 2015، الا ان الاسعار تحسنت نسبيا وبلغت مستوى 65 دولارا للبرميل تقريبا حاليا. وتشكل عائدات النفط 90% من اجمالي العائدات العامة في السعودية التي تضخ يوميا 10,3 مليون برميل من الخام وهي اكبر مصدر للنفط في العالم.

الى جانب ذلك أصدرت السعودية أول سندات سيادية لها منذ العام 2007 لتغطية عجز في الميزانية نجم عن هبوط أسعار النفط لتطلق سلسلة من إصدارات الديون قد تعيد تشكيل أسواقها المالية. فقد نقلت صحيفة الاقتصادية السعودية عن محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) قوله إن المملكة أصدرت سندات بقيمة 15 مليار ريال (أربعة مليارات دولار) هذا العام لتمويل عجز الموازنة وإنها تتوقع زيادة الاقتراض عبر السندات في الأشهر المقبلة.

ولم يكشف التقرير عن الشروط المالية ولم يقل على وجه الدقة متى حدث إصدار السندات أو هل توافق السندات الصادرة بالعملة المحلية قواعد الشريعة الإسلامية وهو ما سيتيح للبنوك الإسلامية شراءها. وينبئ إصدار هذه السندات بتحول كبير في السياسة السعودية. وحتى هذا العام كانت السعودية تركز على سداد دينها العام الذي بلغ إجمالا 44 مليار ريال بنهاية عام 2014 أو نحو 1.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وقد أصدر عدد قليل من المؤسسات الحكومية أو الشركات التي تسيطر عليها الدولة سندات في السنوات القليلة الماضية لكن آخر مرة أصدرت فيها الحكومة سندات تنمية سيادية كانت في عام 2007. وجاءت تعليقات فهد المبارك اثناء مؤتمر صحفي مع مراسلي الصحف المحلية في الرياض. وقال المبارك إن السندات تهدف لسد العجز المتوقع أن يتجاوز التقديرات الأولية التي تبلغ 145 مليار ريال في ظل تزايد الإنفاق الحكومي واستمرار هبوط أسعار النفط.

ونقلت الصحيفة عن المبارك قوله "وزارة المالية اقترضت حتى الآن 15 مليار ريال عبر إصدار سندات لتمويل عجز الميزانية... سوف نرى زيادة في الاقتراض خلال الأشهر المقبلة." ولم يذكر المبارك تقديرا لحجم مبيعات السندات في المستقبل لكن البنوك السعودية الغنية بالسيولة لديها متسع في ميزانياتها لشراء سندات حكومية الأمر الذي ينبئ في بادئ الأمر على الأقل ان هذه المبيعات لن تضعف كثيرا من السيولة في النظام المصرفي. وفي نهاية مايو أيار كانت البنوك التجارية تملك ودائع بقيمة 1.65 تريليون ريال مقابل 1.31 تريليون ريال من القروض للقطاع الخاص.

وكان المبارك قال في فبراير شباط إن الحكومة تدرس تمويل عجز الموازنة إما عن طريق الاحتياطيات أو الاقتراض من السوق المحلية أو كليهما. لكنه قال خلال المؤتمر الصحفي إن كل المؤشرات المالية والاقتصادية المتاحة تشير إلى استمرار الأداء الجيد للاقتصاد. ولفت إلى أنه لا يوجد انكشاف للبنوك السعودية على الأزمة اليونانية وإنها لن يكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد.

وقد يمهد قيام الحكومة بشكل منتظم بإصدار سندات الطريق إلى مزيد من إصدارات الشركات للسندات عن طريق خلق أسعار إرشادية ووضع منحنى للعائد يحظى بقبول واسع. وقال جون سفاكياناكيس مدير الشرق الأوسط في مجموعة أشمور لإدارة الثروات "الإصدار في هذه المرحلة يهدف إلى تحقيق هدفين: خلق مصادر دخل بديلة وإحياء سوق الدين." وأضاف قوله "من أجل تطوير أسواق رأس المال يجب أن يتواصل الإصدار ويشمل مجموعة متنوعة من المشترين."

الكويت

على صعيد متصل قال وزير المالية الكويتي أنس الصالح إن بلاده سجلت عجزا بلغ 2.314 مليار دينار (27.0 مليار دولار) في موازنة السنة المالية 2014-2015 وهو أول عجز في 15 سنة. وقال الوزير في بيان أمام مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) "العجز المالي في ميزانية دولة الكويت قد تحقق بأسرع مما يتصور الجميع حيث حققت مالية الدولة عجزا لأول مرة منذ السنة المالية 1999-2000... ويعكس كل التوقعات التي قدرت حدوث العجز بين 2017 و2021."

ويأتي هذا العجز بعد استقطاع مخصصات صندوق احتياطي الأجيال القادمة مقارنة مع فائض قدره 4.955 مليار دينار قبل عام. ووافق مجلس الأمة الكويتي على مشروع موازنة 2015-2016 التي تتوقع عجزا قدره 8.18 مليار دينار على أساس سعر للنفط 45 دولارا للبرميل. وتوقع الصالح أن يصل العجز إلى 4.5 مليار دينار فقط في 2015-2016 إذا استمر متوسط سعر النفط على حاله عند 60 دولارا للبرميل. وتقدر موازنة 2015-2016 المصروفات بحوالي 19.17 مليار دينار والإيرادات بنحو 12.2 مليار دينار من بينها 10.7 مليار إيرادات نفطية.

وقال الصالح إنه لم يتم إتخاذ أي قرار بشأن كيفية تمويل العجز لهذا العام مضيفا انه سيجري اختيار مصدر التمويل بما يحقق افضل مصالح الكويت. ونقلت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا) عن الصالح قوله "نحن أمام وضع صعب من الناحية المالية في الوقت الحالي يحتم علينا ضرورة التفكير جديا في بدء عمليات الإصلاح المالي للسيطرة على إنفاقنا العام الجاري وأن نعمل على تنويع مصادر إيرادات الدولة حتى لا تستمر الميزانية تحت رحمة تطورات الأوضاع في سوق النفط العالمي." ولم يذكر الصالح مزيدا من التفاصيل حول الإصلاحات المزمعة. بحسب رويترز.

وتملك الكويت احتياطيات مالية ضخمة مما يعني أنها ستبقى بعيدة عن أي أزمة مالية. ويحوز صندوق الثروة السيادية الكويتي أصولا بقيمة 548 مليار دولار بحسب تقديرات معهد صناديق الثروة السيادية. وقال الصالح إن الكويت سجلت فائضا في الميزانية بلغ 4.96 مليار دينار في السنة المالية 2013-2014.

امارة أبوظبي

في السياق ذاته تتجه إمارة أبوظبي التي تنعم بثراء هائل لشد الحزام قليلا مع تراجع حصيلة الصادرات جراء انخفاض أسعار النفط وذلك في مؤشر على أن تبعات هبوط أسعار الخام طالت حتى أكثر اقتصادات الخليج ثراء. بيد أن الإمارة التي يقطنها نحو 2.4 مليون نسمة لا تواجه أي ضغوط مالية جسيمة إذ أن أصول صندوق الثروة السيادي جهاز أبوظبي للاستثمار التي تقدر بأكثر من 770 مليار دولار تسمح لها بالتكيف بسهولة مع انخفاض ايراداتها بنحو النصف منذ يونيو حزيران الماضي.

ولا زالت أبوظبي تنفق علي مشروعات ثقافية كبيرة مثل فرع لمتحف اللوفر تقدر تكلفته بمئات الملايين من الدولارات فضلا عن البنية التحتية للنقل والتوسع في قطاع النفط والاسكان ومشروعات في قطاعي الإسكان والتكنولوجيا المتطورة وتهدف جميعها لتنويع مواردها الاقتصادية بعيدا عن النفط. ولا تلوح في الأفق بوادر تغيير لاسلوب الحياة المترف. فقد افتتح الشيف سيرجي ارولا الشهير الحاصل على نجمة ميشلان مطعما اسبانيا فخما في الإمارة في ابريل نيسان. وفي الشهر الماضي قالت شركة الدار العقارية انها جمعت 135 مليون دولار من حجوزات لمشروع فيلات مزمع على جزيرتين صغيرتين قرب وسط المدينة.

وتحول السرية التي تحيط بميزانية حكومة أبوظبي دون معرفة بعض التفاصيل إلا أن مصرفيين ورجال أعمال يقولون إن تغييرا طرأ على نمط الإنفاق في الإمارة في الأشهر التسع الماضية. فقد تقلصت المبالغ المخصصة لاستثمارات خارجية ضخمة وثمة عودة للتأكيد على تنمية الاقتصاد المحلي وفي الوقت نفسه يجري تأجيل بعض المشروعات المحلية التي ينظر إليها على أنها أقل أهمية وفي حالات قليلة جرى إلغاء مشروعات.

وقال مصدر مطلع على اسلوب التفكير في الإمارة "شد الحزام قليلا في ظل انخفاض أسعار النفط أمر طبيعي ويبدو أن حقبة الاستثمارات الضخمة في الخارج ولت في الوقت الحالي." وأضاف المصدر الذي طلب ألا ينشر اسمه لانه غير مخول بالتحدث لوسائل الاعلام "التركيز حاليا على مشروعات التنمية المحلية - النفط والغاز والصناعة والسياحة والبنية التحتية وتوفير وظائف ودعم الاقتصاد."

وذكرت إدارة الاتصالات في حكومة أبوظبي في بيان أن خططها لا زالت تحركها الاهداف التنموية والاستراتيجية ولم تتأثر بالتغيرات في سوق الطاقة. وتابعت أن الشركات التابعة للدولة ستواصل أنشطتها تمشيا مع السياسات الاستثمارية والاطار المحدد لها. وتكلفة انتاج النفط في أبوظبي منخفضة نسبيا لذا فان الإمارة تجتاز حقبة تراجع أسعار النفط بيسر أكثر من معظم اقتصادات المنطقة.

ويقدر بنك أبوظبي الوطني أكبر بنوك الإمارة انه حتى في حالة انخفاض سعر مزيج برنت الخام إلى 55 دولارا للبرميل العام الجاري فان إمارة أبوظبي ستسجل عجزا ماليا لن يتجاوز 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وسيتقلص صافي الاصول الخارجية بواقع ثمانية مليارات دولار فحسب إلى 733 مليار دولار. ووفقا لحسابات البنك فان أبوظبي ستحقق فائضا بسيطا في الميزانية عند السعر الحالي لبرنت الذي يقترب من 65 دولارا للبرميل.

وفي ظل ضبابية الآفاق على المدى الطويل يشدد القائمون على خزانة الدولة على أهمية الاقتصاد في الإنفاق. ولم تتوقف الاستثمارات الخارجية تماما ففي ابريل نيسان أبرم جهاز أبوظبي للاستثمار اتفاقا لشراء حصة 50 في المئة في ثلاثة فنادق في هونج كونج مقابل 2.4 مليار دولار لكن عددا من شركات الاستثمار المملوكة لأبوظبي قلصت نشاطها في الخارج. وفي ابريل نيسان قالت شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) التي تملك استثمارات في شتى أنحاء العالم إنها ستقلص الإنفاق الرأسمالي للعام الجاري بنسبة 39 في المئة.

كما لم تبرم مبادلة للتنمية التي استثمرت مليارات الدولارات في الخارج في عامي 2013 و2014 أي صفقة استثمار رئيسية في الخارج منذ بداية العام الجاري. وحتى شركة الاتحاد للطيران سريعة النمو التي اشترت 49 بالمئة من شركة الطيران اليطاليا العام الماضي وبعد استثمارها في اير برلين وجت ايروايز الهندية وغيرها توقفت فيما يبدو عن ابرام أي صفقات استحواذ اخرى. وقال متحدث باسم الاتحاد "عند الاعلان عن صفقة اليطاليا أوضحنا أنه لا توجد أي خطط لاستثمارات اخري. ولا يزال الحال على ما هو عليه."

وفي الداخل جرى إلغاء مشروعات أو تأجيلها أو تباطأ تنفيذها. وفي وقت سابق ألغي مهرجان أبوظبي السينمائي الذي اقيم سنويا منذ عام 2007. وقالت السلطات إنها تنوي تحويل اهتمامها لمبادرات أخرى. وفي مارس آذار ذكرت مصادر أن شركة الاستثمار والتنمية السياحية في أبوظبي أجلت خططها لجمع تمويل لبناء أكبر مركز تسوق بالتعاون مع شركة ال.في.ام.اتش الفرنسية للسلع الفاخرة. وامتنعت شركة الاستثمار والتنمية السياحية في أبوظبي عن التعليق.

وقال بيير سيرونفال مدير عام وحدة شركة الانشاء البلجيكية بيسيكس في الشرق الأوسط إن سوق مشروعات التشييد في أبوظبي هاديء نسبيا هذا العام. وقال "نجحنا في بعض المشروعات ولكن بعض الاخر لم يجتاز مرحلة تقديم العروض منذ ما يزيد عن عام. نعيد طرح المناقصة باستمرار." وقال بنك اوف امريكا ميريل لينش "رغم ان الميزانية لم تنشر ولكن ما فهمناه هو أن حكومة أبوظبي تتجه لترشيد الإنفاق قليلا." بحسب رويترز.

ولمح إلى أنه في حالة استمرار أسعار النفط المنخفضة فان المساعدات التي تمنحها أبوظبي لدول اخرى أو الامارات الأقل ثراء ستخفض في نهاية المطاف. "ستستمر المشروعات الاستراتيجية على الأرجح مما يدعم النشاط الاقتصادي غير النفطي. لكن نعتقد انها سيلجأون عوضا عن ذلك لتقليص قطاعات الإنفاق غير الضرورية مثل المنح الخارجية أو صافي القروض والمنح والتحويلات الاتحادية."

خفض الانفاق العام

من جانب اخر قال كبير خبراء البنك الدولي الاقتصاديين المختصين بمنطقة الخليج العربية إن انخفاض أسعار النفط أدى إلى إصلاحات مرحب بها لبرامج الدعم في دول المنطقة لكن تلك الدول تحتاج بشدة إلى إيجاد سبل جديدة لتوزيع ثروتها النفطية وتقليص القطاع العام فيها. واعتمدت دول الخليج على إيرادات النفط الخام لتمويل حكوماتها على مدى العقود الماضية. لكن كاهل الميزانيات يواجه ضغوطا بسبب تضخم القطاعات العامة والانفاق السخي على البرامج الاجتماعية بعدما انخفضت أسعار النفط.

وفي ابريل نيسان قدر البنك الدولي أن انخفاض اسعار النفط قد يكلف دول مجلس التعاون الخليجي الست - السعودية والكويت والامارات وقطر وعمان والبحرين - 215 مليار دولار أو حوالي 14 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي لاقتصاداتها هذا العام. وبناء على ذلك قد تسجل المنطقة عجزا ماليا قياسيا للمرة الأولي في أربع سنوات. وقال شانتا ديفاراجان كبير الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا على هامش مؤتمر بشأن اقتصادات المنطقة بمركز تشاتام هاوس البحثي "من المثير للإعجاب مدى حشدهم الجهود لفعل شيء بشأن الدعم." واضاف "غير أنه ينبغي لتلك الدول حقا إيجاد سبيل جديد لتوزيع إيراداتها البترولية."

ورفعت الكويت عضو منظمة أوبك سعر الديزل في مطلع العام 2015 لكنها قلصت الزيادة مرة أخرى في يناير كانون الثاني بسبب المعارضة السياسية. وقال ديفاراجان إنه ينبغي لدول مجلس التعاون الخليجي التفكير في إعطاء الأموال التي تستخدم لإبقاء أسعار الوقود منخفضة بشكل مصطنع إلى السكان المحليين مباشرة كما يحدث في ولاية ألاسكا الأمريكية أو في مقاطعة ألبرتا الكندية حيث يحصل المواطنون على مدفوعات سنوية من إيرادات النفط. وأضاف "ما إن تبدأ في إلغاء الدعم وتتحرك صوب التحويلات النقدية المباشرة تحصل أيضا على كثير من الميزات ومنها خفض التلوث وحركة المرور إلى جانب زيادة استهلاك سلع أخرى." بحسب رويترز.

وتابع يقول إنه ينبغي للمنطقة أيضا معالجة تضخم القطاع العام. وقال "لم نلحظ تقليصا كبيرا للانفاق العام ... وتحتاج تلك الدول بشدة أن تقلص القطاع العام." وقدر ديفاراجان أن نحو 80 إلى 90 بالمئة من الذكور في القوى العاملة المحلية في أنحاء المنطقة يعملون بالقطاع العام. واضاف "تلك الوظائف عادة ما تكون أجورها جيدة ولا تسبب كثيرا من العناء." وقال إن هذا عرقل أيضا جهود القطاع الخاص لإيجاد وظائف وهو ما حال بدوره دون تطوير سوق عمل محلية تتيح فرصا للشبان. وتشير تقديرات البنك الدوي إلى أن معدل البطالة في الفئات العمرية بين 15 و24 عاما بلغ 29 بالمئة في السعودية في عام 2013 و20 بالمئة في الكويت.

دول الخليج وإيران

الى جانب ذلك يتوقع مراقبون أن تتعزز التعاملات التجارية بين إيران ودول الخليج في حال رفع العقوبات عن طهران، إلا أن سوق النفط يمكن أن تخلق توترات في منظمة "الأوبك"، خاصة وأن إيران تطمح لاستئناف إنتاجها إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحظر، فيما ستكون دول الخليج غير متحمسة لخفض إنتاجها وتقليص حصتها.

وتدهور إنتاج النفط في إيران جراء الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد انخفض الإنتاج من 2,2 مليون برميل يوميا في منتصف 2012 إلى 1,2 مليون برميل حاليا. ورفعت السعودية والكويت والإمارات إنتاجها لتعويض النقص في النفط الإيراني وإبقاء الإمدادات مستقرة.

وقال مسؤولون إيرانيون إن طهران تسعى لإعادة إنتاجها إلى مستويات ما قبل الحظر، إلا أن خبراء يرون أن ذلك سيتطلب وقتا. وقال مدير مؤسسة "الشال" للاستشارات جاسم السعدون إن "كامل الإنتاج الإيراني الإضافي سيذهب إلى التصدير إلا أن ذلك لن يفاقم الفائض الذي تعاني منه الأسواق لأن الزيادة ستكون تدريجية". وأضاف السعدون "أعتقد أن إيران ستحتاج إلى بضع سنوات قبل أن تبلغ هدفها برفع الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا". من جانبها، ذكرت مؤسسة "جدوى للاستثمار" في تقرير نشرته مؤخرا أن إيران ستزيد إنتاجها بمقدار 150 ألف برميل يوميا في الربع الأخير من العام.

وقالت المؤسسة السعودية في تقريرها "لا نتوقع أن يؤدي (رفع العقوبات) إلى إغراق الأسواق في المدى القصير". إلا أن إيران ستتمكن في النهاية من الوصول إلى مستويات الإنتاج التي كانت تتمتع بها ما قبل العقوبات، ما سيؤدي إلى تصاعد التوتر مع شركائها في "أوبك". وقامت بعض دول "أوبك"، لاسيما دول الخليج العربية، بضخ كميات كبيرة من الخام في الأسواق بهدف إبقاء الأسعار منخفضة وإجبار منافسيها على الخروج من السوق، لاسيما منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة. وتنتج السعودية وحدها حوالى 10,3 ملايين برميل يوميا، أي ثلث إنتاج منظمة "أوبك".

ويرى مراقبون أنه عندما ستتمكن إيران من العودة إلى مستويات الإنتاج ما قبل العقوبات، فإن دول الخليج لن تكون متحمسة لخفض إنتاجها وتقليص حصتها. وتشهد "أوبك" أصلا توترات بسبب دفع الأعضاء الأفقر مثل الجزائر وأنغولا وفنزويلا وليبيا، إلى خفض إنتاج المنظمة للمساهمة في ارتفاع الأسعار، وبالتالي تعزيز عائداتها المالية. وقال السعدون إن "المشكلة الحقيقة تبدأ عندما يبدأ أعضاء "أوبك" بالمواجهات حول حصص الإنتاج في ظل الفائض الموجود في السوق والخلافات حول الحصص في السوق". وأضاف "إذا دخلت إيران وفنزويلا والجزائر وليبيا، وهي جميعها بحاجة إلى ضخ مزيد من النفط، في خلاف مع دول الخليج فإن ذلك يعني نهاية أوبك".

لكن من جهة أخرى، فإن التجارة بين إيران وجيرانها الخليجيين ستزدهر على الأرجح مع رفع العقوبات. وتستحوذ الإمارات على 80% من التبادلات التجارية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، فيما تعد طهران رابع شريك تجاري للإمارات. ومصدر معظم هذا التبادل هو دبي التي يعيش فيها نحو 400 ألف إيراني يديرون شبكة ضخمة من الأعمال. وقال وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان المنصوري في وقت سابق إن التجارة مع إيران ارتفعت إلى 17 مليار دولار العام الماضي، إلا أنها تبقى أدنى من المستوى القياسي الذي سجلته العام 2011 قبل بدء العقوبات الأخيرة حين بلغ التبادل 23 مليار دولار. بحسب فرانس برس.

وتوقع نائب رئيس مجلس الأعمال الإيراني في دبي حسين حقيقي أن يرتفع التبادل التجاري بعد رفع العقوبات. وذكر حقيقي أنه يتوقع أن يرتفع حجم التجارة بين الإمارات وإيران "بما بين 15% و20%" خلال السنة الأولى التي تلي رفع العقوبات. كما يتوقع أن يرتفع التبادل التجاري مع سلطنة عمان التي حافظت على علاقات جيدة مع الجار الإيراني. إلا أن المنافسة الشديدة بين إيران الشيعية ودول الخليج السنية قد تحول دون ارتفاع التبادل التجاري مع كل دول الخليج بحسب السعدون. وأورد السعدون أن "العلاقات التجارية ستتحسن مع الإمارات إلا أن ذلك لن يحصل على الأرجح مع السعودية والكويت إذا استمر الوضع السياسي على حاله".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1