ماتزال اسواق النفط العالمية وعلى الرغم من تخفيضات الإنتاج التي تقوم بها منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ومنتجون كبار آخرون، تشهد تقلبات كبيرة في ظل استمرار جائحة فيروس كورونا حول العالم، حيث يرى بعض الخبراء ان اسواق النفط العالمية، تواجه تحديات وازمات غير مسبوقة في التاريخ وإن هذا الوضع المضطرب قد يستمر لفترة غير قصيرة، حيث أدت الاضطرابات الاقتصادية والصناعية الناجمة عن جائحة كورونا إلى حدوث اضرار كبيرة في قطاع النفط وكانت سبباً في اجبار العديد من المنصات والشركات النفطية الى اجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق وتسريح آلاف العاملين ووقف الإنتاج في مواجهة التخمة العالمية.

ويرى بعض الخبراء ايضاً ان تخفيف قيود العزل والإغلاق في العديد من دول العالم، يمكن ان يسهم في تنامي الطلب العالمي على النفط وهو ما سيسهم بتعافي الأسعار واستمرار الإنتاج، حيث تحسنت أسعار النفط وكما نقلت بعض المصادر، قليلا منذ بدء دخول اتفاق "أوبك +" حيز التنفيذ مطلع مايو، لكنها ظلت دون مستويات 30 دولارا للبرميل. وبدأ تحالف "أوبك +" تنفيذ خفض في إنتاج النفط بمقدار 9.7 ملايين برميل يوميا، يستمر شهرين، في محاولة للقضاء على تخمة المعروض النفطي في السوق العالمية.

وقال الرئيس التنفيذي لفيتول إن أسواق النفط في بداية تعاف هش مع تخفيف إجراءات العزل بسبب فيروس كورونا، لكن ذروة الطلب للمدى الطويل قد تختفي بشكل دائم. وقال راسل هاردي الرئيس التنفيذي لأكبر شركة لتجارة النفط في العالم إن الطلب العالمي على الخام انخفض بما بين 26 و27 مليون برميل يوميا في أبريل نيسان، ويتوقع انخفاضا سنويا يتجاوز ثمانية ملايين برميل يوميا. وقال ”ستتأرجح السوق بين التفاؤل والتشاؤم على مدى الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة. ويخضع أكثر من أربعة مليارات شخص لبعض من إجراءات العزل العام للحيلولة دون انتشار فيروس كورونا. لكن بعض الولايات الأمريكية والهند وعدة دول أوروبية كبرى بدأت على مدار الاسابيع الماضي تخفيف القيود.

تخفيضات واضرر

ستعمق السعودية بشكل طوعي تخفيضات إنتاج النفط اعتبارا من يونيو حزيران، إذ يتسبب هبوط أسعار الخام في ضرر هائل لموازنة المملكة ولا يزال الطلب العالمي ضعيفا نتيجة إجراءات العزل العام الرامية إلى احتواء جائحة فيروس كورونا. وإعلان المملكة عن إضافة مليون برميل يوميا، أو ما يوازي واحدا بالمئة من الإمداد العالمي، إلى التخفيضات التي سبق إعلانها يأتي في أعقاب محادثة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعاهل السعودي الملك سلمان.

وعمل ترامب على إقناع السعودية وأعضاء أوبك الآخرين وروسيا، في إطار ما يعرف بمجموعة أوبك+، بخفض إنتاج النفط بعد انهيار في أسعار الخام وضع ضغوطا ثقيلة على المنتجين الأمريكيين. وتباحث الرجلان بشأن النفط والدفاع وسط أنباء عن أن واشنطن ستسحب بطاريتي صواريخ باتريوت من السعودية جرى نشرهما لردع إيران. وقالت واشنطن إن السحب ليس مرتبطا بالنفط.

وقال مسؤول بوزارة الطاقة السعودية إن التخفيضات الجديدة ستقلص إجمالي الإنتاج السعودي بنحو 4.8 مليون برميل يوميا في يونيو حزيران مقارنة بأبريل نيسان. وبالتالي، سيكون الإنتاج عند 7.492 مليون برميل يوميا، وهو ما سيكون أدنى مستوى في عقدين تقريبا. وقال المسؤول السعودي ”تستهدف المملكة من خلال هذا الخفض الإضافي تشجيع المشاركين في أوبك+، وكذلك الدول المنتجة الأخرى، على الامتثال لتخفيضات الإنتاج التي تعهدوا بها، وتقديم تخفيضات إضافية طوعية في مسعى لدعم استقرار أسواق النفط العالمية“.

وانضمت الكويت للسعودية في الإعلان عن تخفيضات جديدة في إنتاج النفط بمقدار 80 ألف برميل يوميا في يونيو حزيران، إضافة إلى تلك التي جرى الاتفاق عليها بموجب خطة أوبك+. وهوى الطلب العالمي على النفط بنحو 30 بالمئة، إذ كبحت جائحة فيروس كورونا السفر والنشاط الاقتصادي حول العالم، مما تسبب في تراكم المخزونات عالميا. واتفقت أوبك+ على خفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا في شهري مايو أيار ويونيو حزيران، وهو خفض في الإنتاج لم يسبق له مثيل. بحسب رويترز.

وسيخفف المنتجون القيود ببطء بعد يونيو حزيران، رغم أن التخفيضات في الإمدادات ستظل قائمة حتى أبريل نيسان 2022. وقال كريستيان مالك، العضو المنتدب لدى جيه.بي مورجان، إنه يتوقع أن تعمق السعودية التخفيضات بشكل أكبر، ربما بما بين مليون برميل يوميا و1.5 مليون برميل يوميا أخرى تحت ضغط من ترامب وضغوطها المالية في الداخل. وقالت السعودية إنها سترفع ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أمثالها وستعلق بدل غلاء المعيشة لموظفي الدولة.

وقال مالك ”إنه خفض عابر للمساعدة في تخفيف أثر تضرر الطلب في الأشهر القلية المقبلة. يبدو أيضا أنه خفض بدافع سياسي لتلبية اتفاق مع ترامب ... يتطلع قطاع الطاقة الأمريكي إلى إنقاذ من السعودية“. وأضاف أن المملكة تتطلع في المقابل إلى استثمارات أمريكية وإلغاء تشريع ضد أوبك. وقال ”لكن إذ تطلعت لما بعد 12 إلى 18 شهرا، ستكون لدى السعودية حصة سوقية أكبر، بينما سيتضرر كبار منتجي النفط وقطاع النفط الصخري بشكل حاد.“

النفط الامريكي

يفيد تحليل أجرته من واقع بيانات ولايات أمريكية وشركات أن منتجي النفط في أمريكا الشمالية قلصوا الإنتاج بأسرع مما توقعه مسؤولو أوبك المتشككون ومحللو الصناعة، إذ يتجهون للوصول بالتخفيضات إلى حوالي 1.7 مليون برميل يوميا بنهاية يونيو حزيران. كانت منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفاء بقيادة روسيا أبرموا اتفاقا لاحتواء تخمة معروض آخذة بالتفاقم مع تقلص الطلب العالمي على الوقود.

واستحثوا غير الأعضاء، بما فيهم دول بأمريكا الشمالية، على المساهمة بعشرة ملايين برميل أخرى، ليبلغ إجمالي الخفض نحو 20 بالمئة من المعروض العالمي. لكن خلال المحادثات التي جرت أثار بعض أعضاء أوبك بواعث قلق من أن دولا مثل الولايات المتحدة وكندا لا تستطيع تفعيل تخفيضات بذلك الحجم من الشركات الخاصة دون إلزام حكومي. لكن مخاوفهم لم تتحقق. فقد أعلن العديد من منتجي أمريكا الشمالية عن تخفيضات كبيرة، شملت كونوكو فيليبس وإكسون موبيل وشيفرون وسينوفوس إنرجي الكندية. وخفضت الولايات المتحدة وكندا، اللتان تنتجان أكثر من 17 مليون برميل يوميا، الإنتاج نحو عشرة بالمئة حتى الآن.

وكان وزير الطاقة الأمريكي دان برويليت قال في ابريل نيسان إن الوزارة تتوقع تراجع الإنتاج الأمريكي بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يوميا بنهاية السنة. وقال هو ومسؤولون أمريكيون آخرون إنه لا حاجة إلى تخفيضات إلزامية لأن تدني الأسعار سيجبر الشركات على وقف بعض الإنتاج. ودرس المسؤولون التنظيميون في ولايات نفطية كبيرة، مثل تكساس ونورث داكوتا، تخفيضات إلزامية، لكن ذلك لم يتبلور.

وقال مصدر كبير في أوبك ”قوة السوق يمكن أن تكون شديدة أحيانا،“ مضيفا أنه مندهش لسرعة تخفيضات المعروض الأمريكية والكندية. وقالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن إنتاج الولايات المتحدة من الخام بلغ 12.8 مليون برميل يوميا في فبراير شباط، وهو أحدث شهر تتوافر بياناته. وتظهر الأرقام الأسبوعية انخفاض الإنتاج إلى 11.9 مليون برميل يوميا، لكن تلك الأرقام أقل وثوقا من البيانات الشهرية.

وشهدت الأيام الأخيرة انتعاشا للأسعار في الأسواق الحاضرة. وعدل المحللون توقعاتهم لتخفيضات الإنتاج في ضوء سرعة استجابة الشركات. وقال أليسون كاترايت، مدير رابيدان إنرجي جروب، ”عندما نزلت الأسعار عن الصفر سرع هذا بعض التخفيضات بالفعل.“ ورفعت الشركة الاستشارية في الآونة الأخيرة توقعاتها للتخفيضات الأمريكية والكندية إلى 2.3 مليون برميل يوميا في يونيو حزيران.

وتأتي أشد التخفيضات من تكساس، أكبر ولاية أمريكية منتجة للنفط، ويبلغ إنتاجها خمسة ملايين برميل يوميا. وبحسب كار إنجهام، نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد منتجي الطاقة في تكساس، فمن المرجح انخفاض إنتاج الولاية 20 بالمئة بنهاية مايو أيار. وقال ”الشركات المشغلة توقف ما بين 20 إلى 50 بالمئة من الإنتاج، والبعض أكثر من ذلك، بناء على حجم ما يعتقدون أن بوسعهم بيعه في السوق.“ بحسب رويترز.

وفي نورث داكوتا، تراجع الإنتاج ما لا يقل عن 400 ألف برميل يوميا منذ أول مارس آذار، بما يقارب ثلث إنتاج الولاية البالغ حوالي 1.4 مليون برميل يوميا قبل الأزمة. ويتوقع مسؤولو الولاية مزيدا من التخفيضات. وخفضت كونوكو فيليبس بأكبر قدر، قائلة إنها ستقلص الإنتاج 460 ألف برميل يوميا في الولايات المتحدة وكندا. وأعلنت إكسون موبيل عن تخفيضات عالمية بنحو 400 ألف برميل يوميا، ثلثاها من البلدين.

شروط جديدة

أبلغت مصادر مطلعة أن شركات تبيع الخام والمكثفات في آسيا أضافت بندا جديدا للعقود يمنع أسعار نفطهم من التراجع لما دون الصفر. وصُدمت أسواق النفط في أبريل نيسان عندما انهارت أسعار العقود الآجلة للخام الأمريكي، حيث عرض المتعاملون المال للتخلص من النفط الذي في حوزتهم وسط تخمة معروض بسبب فيروس كورونا ونقص في مساحات التخزين.

واستخدم الشرط الجديد للمرة الأولى في أمريكا الشمالية، إذ استحدثته شركات نفط كبرى وأخرى تعمل في النفط الصخري كي لا تضطر إلى دفع المال إلى المشترين ليأخذوا النفط. وقالت المصادر إن معظم المشترين الآسيويين أبدوا قبولا للشرط الجديد الذي يحمي مصالح البائعين. وقال مصدر في شركة لتجارة السلع الأولية ”لا شحنات إذا لم يقبلوا.“

وقالت وكالة الطاقة الدولية إنها تتوقع انخفاض مخزونات الخام العالمية بنحو 5.5 ملايين برميل يوميا في النصف الثاني من العام الجاري. في هذه الأثناء، رفع بنك باركليز كوموديتيز ريسيرش، توقعاته لسعر النفط في العامين الجاري والمقبل، مشيرا إلى إمكانية زيادة العقود الآجلة لخامي برنت وغرب تكساس الوسيط بما يتراوح بين خمسة وستة دولارات للبرميل لعام 2020 و16 دولاراً للبرميل لعام 2021.

وقال باركليز إن من المتوقع أن يبلغ متوسط سعر برنت 37 دولارا للبرميل هذا العام و53 دولاراً للبرميل في 2021، وأن يبلغ سعر الخام الأميركي 33 دولاراً هذا العام و50 دولاراً للبرميل العام المقبل. وكانت أسعار الخام الأميركي قد هوت إلى سالب 40 دولاراً في إبريل/نيسان الماضي، بسبب مشكلات تتعلق بالتخزين في مركز التخزين بكوشينج في ولاية أوكلاهوما بالولايات المتحدة. وقال باركليز، إنه على المدى القصير جدا، من المرجح أن تظل الأسعار تتعرض لضغوط إذ إن الضبابية التي تكتنف سرعة التعافي الاقتصادي ما زالت مرتفعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2