منذ تفشيه لا يزال فيروس كورونا يعيث في الاقتصاد العالمي دمارا حتى أصابه بالشلل، فقد عرقل الإنتاج والإمداد والنقل الجوي عبر العالم، وأضعف الطلب العالمي، وعزل دولا ووضعها تحت الحجر الصحي، وأخرى تحت حظر التجول، وأصاب قطاعات المال والطيران والنقل والسياحة بخسائر فادحة.

خلال أسابيع، أدى تفشي فيروس كورونا المستجد وعزل ملايين الأشخاص إلى إضعاف الاقتصاد العالمي إلى درجة أن خبراء الاقتصاد يتوقعون أعنف انكماش في التاريخ الحديث، وقد يكون أسوأ من الانهيار الأكبر، ويتوقع أن يواكب ذلك ارتفاع في معدل البطالة. وسيكون حجم الصدمة مرتبطاً بأساليب العلاج التي تتبعها الحكومات والمصارف المركزية والمؤسسات الدولية، وبمدة الأزمة الصحية.

على هذا الصعيد، رجح مسؤول كبير بصندوق النقد الدولي أن يكون وقع جائحة فيروس كورونا العالمية "شديدا"، لكنه لفت إلى أن الوباء جاء عقب فترة نمو طويلة ومعدلات، وقال صندوق النقد الدولي في تقرير جديد إن موجات جديدة من الاضطرابات الاجتماعية قد تحدث في بعض البلدان إذا ما اعتبرت التدابير الحكومية للتخفيف من تداعيات جائحة فيروس كورونا غير كافية أو منحازة للأثرياء، أنفقت الحكومات بالفعل ما يقرب من ثمانية تريليونات دولار لمكافحة الجائحة والتخفيف من تداعياتها الاقتصادية، لكن الصندوق قال في تقريره "الراصد المالي" نصف السنوي إن الأمر سيتطلب المزيد من إجراءات التحفيز الاقتصادي بمجرد أن تهدأ الأزمة، وقال إن الزيادة في الإنفاق ستؤدي إلى زيادة حادة في العجز المالي، إذ من المتوقع أن يرتفع الدين العام العالمي 13 نقطة مئوية ليتجاوز 96 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020.

كان الصندوق توقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة ثلاثة بالمئة خلال العام الجاري بفعل الجائحة، لكنه لفت إلى أن توقعاته تكتنفها "ضبابية شديدة" وإن النتيجة الفعلية قد تكون أسوأ بكثير، وأدت الجهود الرامية لوقف انتشار المرض إلى توقف قطاعات كبيرة من الاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن تكون الاقتصادات الناشئة والدول النامية الأشد تضررا، وقال فيتور جاسبر مدير قسم الشؤون المالية بالصندوق لرويترز في مقابلة إنه رغم استبعاد وقوع احتجاجات جماهيرية أثناء سريان القيود المشددة على حركة الناس، فمن المتوقع أن تزداد الاضطرابات عندما تظهر مؤشرات على أن الأزمة أصبحت تحت السيطرة.

وأضاف أنه لتفادي المزيد من الاضطرابات في أعقاب وقوع احتجاجات عديدة في أنحاء كثيرة من العالم خلال السنة الأخيرة، يتعين على صناع السياسات التواصل مع الفئات التي تضررت من الأزمة من أجل كسب التأييد للإجراءات الخاصة بمكافحة الفيروس، وقال "هذه مسألة شددنا عليها: من الضروري توفير دعم للأسر والشركات التي أصابتها الأزمة بالضعف ... الهدف هو دعم وحماية الأشخاص والشركات الذين تضرروا من إجراءات العزل العام".

يتجلى التوتر بالفعل مع تعطل عمال اليومية وأعداد كبيرة من العمالة غير الرسمية عن العمل وصعوبة حصولهم على الغذاء، ففي مدينة مومباي، العاصمة التجارية للهند، تظاهر آلاف المهاجرين العاطلين عن العمل في محطة سكك حديدية وطالبوا بالسماح لهم بالعودة إلى بيوتهم في الريف بعد أن مدد رئيس الوزراء ناريندرا مودي القيود المفروضة على حركة السكان البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة، وقال مركز متابعة الاقتصاد الهندي، وهو مركز أبحاث خاص، إن معدل البطالة تضاعف تقريبا إلى نحو 14.5 في المئة بالهند منذ سريان القيود في أواخر مارس آذار.

وفي الهند وغيرها أدت القيود إلى نزوح ملايين العمال ممن يعملون في صناعات صغيرة وقطاع الخدمات بالمدن للعودة إلى قراهم، ويقول مسؤولون من البنك الدولي إن العاملين بأجور يومية هم الأكثر حساسية، ويضطر كثير منهم بالفعل إلغاء وجبات، وقالت جيتا جوبيناث كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد إن الأزمات والكوارث السابقة دعمت التكاتف المجتمعي، غير أن النتيجة قد تختلف هذه المرة، وقالت لرويترز "إذا أسيئت إدارة هذه الأزمة واعتبرت غير كافية لمساعدة الناس، فقد ينتهي بك الحال إلى اضطرابات اجتماعية".

وأضافت أن من الضروري لتجنب أي اضطرابات مستقبلية أن يلعب المجتمع الدولي دورا داعما للدول الأكثر فقرا من خلال التمويل الميسر وتخفيف أعباء الديون، وقال التقرير إن الإنفاق الحكومي حتى الآن شمل إنفاقا مباشرا قدره 3.3 تريليون دولار وضخ قروض ورأسمال للقطاع العام بما قيمته 1.8 تريليون دولار بالإضافة إلى ضمانات والتزامات أخرى مشروطة قيمتها 2.7 تريليون دولار.

وتوقع التقرير انخفاض الإنتاج، وقال إن من المتوقع الآن أن تكون الإيرادات الحكومية أقل بنسبة 2.5 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عنها في تقديرات شهر أكتوبر تشرين الأول الماضي، وقال جاسبر إن من الصعب التنبؤ بحجم الإنفاق الإضافي المطلوب لكن إجراءات التحفيز المالي العامة ستكون أداة مهمة في دعم الانتعاش ما إن ينحسر التفشي.

صندوق النقد يرى أن عواقب كورونا الاقتصادية هي الأسوأ منذ الكساد الكبير

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن العواقب الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد-19 ستكون "الأسوأ منذ الكساد الكبير" عام 1929، مشيرة إلى أن أكثر من 170 دولة من أصل 189 دولة عضواً في الصندوق ستشهد انكماشاً في دخل الفرد لديها، وقالت كريستالينا جورجييفا دون أن تعرض أرقاماً محددة إن "النمو العالمي سيصبح بالضرورة سلبياً في 2020"، وأضافت في كلمة ألقتها قبل اجتماعات صندوق النقد الدولي الربيعية التي ستعقد الأسبوع المقبل عبر الفيديو، "قبل ثلاثة أشهر ليس إلا، كنا نتوقع ارتفاعا في دخل الفرد في 160 من البلدان الأعضاء في خلال 2020 أما اليوم (...) فنحن نتوقع أن يواجه أكثر من 170 بلداً انكماشاً في دخل الفرد".

وفي حين يواصل كوفيد-19 الذي انطلق من الصين في أواخر عام 2019 انتشاره في جميع أنحاء العالم، قالت جورجييفا إن الدول تواجه "وضعاً استثنائياً من انعدام اليقين بشأن عمق هذه الأزمة ومدتها"، ونتيجة لذلك، يتوقع الصندوق في أحسن الأحوال "تعافياً جزئياً" للاقتصاد في عام 2021 شريطة أن يتم احتواء الوباء في النصف الثاني من هذا العام، وأن يكون بالإمكان رفع تدابير العزل للسماح بإعادة فتح المتاجر والمطاعم وانتعاش السياحة والاستهلاك.

في حال لم يحدث ذلك، قد يكون عام 2021 "أسوأ" من عام 2020 إذا استمر انتشار الوباء، وبديهياً أن يكون العاملون الذين سيفقدون وظائفهم أو أشغالهم هم الأكثر معاناة ففي الولايات المتحدة تقدم 10 مليون شخص بطلب إعانة بدل البطالة عن العمل خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر آذار/مارس، وقالت جورجييفا إن الدول ذات الدخل المنخفض أو الناشئة في إفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا "في خطر كبير"، وفي الشهرين الماضيين، بلغت تدفقات رأس المال الخارجة من الاقتصادات الناشئة نحو 100 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما خرج خلال الفترة المماثلة إبان الأزمة المالية عام 2008.

وعلى الرغم من أن التأثير الاقتصادي سيكون شديداً بشكل خاص، إلا أن كريستالينا جورجييفا قالت إنه لا توجد معضلة للاختيار بين إنقاذ حياة الناس والحفاظ على سبل العيش، وقالت إن الأولوية رقم 1 بالنسبة لها تتمثل في "مواصلة تدابير الاحتواء الأساسية ودعم النظم الصحية"، كما حضت على الاستمرار في حماية الأشخاص والشركات من خلال اتخاذ تدابير مالية مستهدفة مثل إعانات الأجور والتأجيلات الضريبية وتمديد التأمين ضد البطالة، وقالت "يجب أن نتجنب أن يتحول الضغط على السيولة إلى مشكلة ملاءة مالية"، الأمر الذي قد يترك "ندبة على الاقتصاد العالمي تزيد من صعوبة الانتعاش".

8000 مليار دولار

كما دعت الحكومات إلى الاستعداد للنهوض الاقتصادي، وهذا يتطلب "التأني" بشان متى ينبغي رفع القيود المفروضة على التنقل والمخالطة، ورأت أنه فيما تصبح خطط استقرار الاقتصاد سارية المفعول ويبدأ نشاط الشركات بالعودة إلى طبيعته، سيكون من الضروري التصرف "سريعًا لتحفيز الطلب"، من خلال "إجراءات مالية منسقة"، وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن لديه قدرة إقراض بقيمة تريليون دولار فيما اتخذت الدول في الإجمال إجراءات مساعدة اقتصادية تمثل حوالي 8000 مليار دولار.

ففي الولايات المتحدة، أصدر الرئيس دونالد ترامب بالفعل حزمة مساعدات ضخمة بقيمة 2,2 تريليون دولار ومع ذلك، ومع الشلل القسري المفروض على نشاط العديد من الشركات الصغيرة، يتوقع بعض الاقتصاديين انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 15% في الربع الثاني من السنة، وفي فرنسا، أظهرت البيانات الأولية تراجعاً بنسبة 6% في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول، ما يعد أسوأ أداء ربع سنوي منذ عام 1945.

في الوقت نفسه، توقعت المعاهد الاقتصادية الألمانية الرئيسية أن ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ستسجل تراجعاً بنسبة 9,8% في الربع الثاني، وهو أكثر بمرتين من الانكماش المسجل في الربع الأول من عام 2009 بعد الأزمة المالية، ومن المقرر أن ينشر صندوق النقد الدولي المقبل أرقام توقعاته للدول والمناطق الرئيسية في العالم.

الأثر السلبي لكورونا على نمو الشرق الأوسط سيفوق أزمة 2008 وصدمة نفط 2015

قال صندوق النقد الدولي إن دولا في منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا ستشهد انكماشا هذا العام يفوق ما حدث خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 وصدمة أسعار النفط في 2015، وقال الصندوق في وقت سابق من الأسبوع الجاري إن من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي ثلاثة بالمئة خلال 2020 في ظل انهيار للأنشطة الاقتصادية ناجم عن فيروس كورونا ما سيمثل أكبر تراجع منذ الكساد العظيم في الثلاثينيات من القرن العشرين.

وفي الشرق الأوسط، ستعاني الدول التي تعول بقوة على صادرات النفط من ضغط إضافي نتيجة انهيار أسعار الخام الناجم عن تراجع الطلب على النفط، وكذلك بسبب معركة على الحصص السوقية بين عملاقي النفط السعودية وروسيا والتي عززت تخمة فائض المعروض وقد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول المنطقة المصدرة للنفط 4.2 بالمئة العام الجاري في تعديل حاد نزولا من توقعات الصندوق بنمو 2.1 في المئة التي أعلنها في أكتوبر تشرين الأول من العام الماضي، ومن المتوقع أن تنخفض صادرات نفط تلك الدول بأكثر من 250 مليار دولار، وقال الصندوق إن اتفاق خفض إنتاج قياسي أُبرم بين منتجين دوليين قد يقدم بعض الدعم لأسعار الخام ولكن "الانخفاضات في أسعار النفط كبيرة لدرجة أن من المتوقع أن تنخفض الإيرادات المالية وحصيلة الصادرات في جميع دول المنطقة المصدرة للخام بما في ذلك التي قد تتمكن من كسب حصة في السوق من منتجين أعلى تكلفة".

ومن المتوقع أن ينكمش اقتصاد السعودية، أكبر دولة مصدرة للخام في العالم، 2.3 بالمئة في العام الجاري من نمو 0.3 بالمئة في 2019 بحسب الصندوق الذي كان يتوقع نموا 2.2 بالمئة للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي هذا العام قبل أن تغير الجائحة جميع توقعات النمو، وتسعى إيران، أكثر دول الشرق الأوسط تضررا من المرض، لاقتراض خمسة مليارات دولار من تمويل الطوارئ للصندوق فيما تحاول تحقيق التوازن بين إجراءات احتواء الفيروس والتحرك لدعم الاقتصاد الذي تضرر بالفعل جراء العقوبات الأمريكية.

وقال الصندوق في توقعاته الاقتصادية للمنطقة "إجراءات الاحتواء اللازمة لوقف تفشي الفيروس أثرت على القطاعات الغنية بالوظائف في المنطقة، مع آثار سلبية على الثقة والنشاط غير النفطي" وعقب ركود حاد في 2019، يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد الإيراني ستة بالمئة هذا العام.

آثار الجولة الثانية

من المرجح أن يقع الأثر الأكبر لإجراءات احتواء الفيروس، التي أدت لتوقف شبه كلي لقطاعات اقتصادية حيوية مثل السياحة والضيافة والتجزئة، على الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم في المنطقة، وتابع الصندوق "إلى جانب ذلك نظرا لكثافة العمالة في هذه القطاعات، قد تكون هناك موجة ثانية من الآثار على الطلب المحلي في المنطقة إذا ارتفع معدل البطالة وانخفضت الأجور والتحويلات" وتضررت أنشطة اقتصادية أخرى بفعل تعطل سلاسل الإمداد وتهاوي الأنشطة وثقة المستهلكين،وزاد من الضغط، التدهور في أسواق المال العالمية مما قاد لنزوح تدفقات رأس المال، وقال الصندوق إن تدفقات محافظ بنحو خمسة مليارات دولار خرجت من المنطقة في مارس آذار ما يمثل تهديدا لتحديات إعادة التمويل لحكومات تواجه استحقاقات خارجية مقبلة تصل إجمالا إلى 35 مليار دولار هذا العام.

ويثير هذا القلق بشكل خاص لبعض الدول المستوردة في المنطقة بما في ذلك العراق والسودان واليمن التي تواجه أكبر تحديات لاحتواء تفشي الفيروس، وذكر الصندوق "من أجل المساعدة في مواجهة هذه التحديات، فقد يتضح أن من الضروري تلقي دعم مالي وطبي خارجي في الوقت المناسب من اقتصادات كبرى ومنظمات دولية" مضيفا أنه قدم إعفاء من الدين لليمن بالفعل، كما أن الصندوق قدم دعما ماليا للأردن وجمهورية قرغيزستان وباكستان وتونس وإعفاء من الدين من مقرضين دوليين للصومال.

لا تعافي قويا دون احتواء

شددت مديرة صندوق النقد الدولي على أهمية إجراءات الاحتواء القوية للسيطرة على جائحة فيروس كورونا، وللتمهيد لتعاف قوي في 2021، وأبلغت كريستالينا جورجيفا تلفزيون سي.ان.بي.سي أن المجتمع الدولي يحتشد لمواجهة الأزمة بإجراءات مالية قوية، وإن الاستجابة أقوى مما حدث في خضم الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، لكنها حذرت من النكوص عن جهود الاحتواء قبل الأوان، مضيفة "لا سبيل لتعاف قوي دون احتواء قوي".

البورصات ما زالت تسجل تراجعا

في غياب أخبار مطمئنة على الصعيد الصحي، لم تتمكن أسواق المال من وقف تدهور أسهمها الاثنين فيما يسود القلق من عواقب جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد العالمي، وقرابة الساعة 2:10 بعد الظهر (12:10 بتوقيت غرينتش) تراجعت بورصة باريس بنسبة 1,38% ، ولندن بنسبة 1,15% وفرانكفورت بنسبة 0,41% فيما انخفضت بورصة ميلانو بنسبة 1,30% وسجلت مدريد أعلى خسارة متراجعة بنسبة 2,21%، لكن وول ستريت قد تقلب المعادلة، إذ إنه وقبل افتتاح السوق الأميركية، قرابة الساعة 12:10 بتوقيت غرينتش، تطور مؤشر داو جونز الصناعي للعقود الآجلة بنسبة 0,06% في حين سجل المؤشر العام ستاندرد أند بور 500 ارتفاعا بنسبة 0,30% وزاد مؤشر ناسداك بنسبة 0,39%.

وقالت استي دويك، مديرة استراتيجية السوق لدى شركة "ناتيكسيس آي أم سوليوشنز" إنه "في حين أن إعلانات التحفيز ساعدت في التخفيف قليلاً من الذعر الذي عشناه في الفترة الأخيرة، إلا أن الوباء ما زال يزداد سوءاً في الوقت الحالي ولا يمكن للمستثمرين تقييم حجم التأثير الاقتصادي ما دمنا لم نعرف متى ستنتهي الأزمة"، وتوقعت أن "تستمر المخاطر السلبية والتقلبات العالية".

وقال جون بلاسار، اختصاصي الاستثمار لدى "ميرابو"، إنه لمواجهة العواقب الاقتصادية للأزمة، أعلنت البنوك المركزية والدول "خططاً لم نشهد لها مثيلاً"، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمعة حزمة تحفيز بقيمة 2,2 تريليون دولار في محاولة لتجنب انزلاق الاقتصاد الأميركي إلى ركود طويل المدى وهي أكبر حزمة من الإجراءات التي تم تبنيها في الولايات المتحدة، في المقابل، فشلت دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون في الاتفاق على تبني آلية استجابة مالية مشتركة قوية، وشجبت بلدان الجنوب خطر الأنانية التي وصفت بها موقف بلدان الشمال على مستقبل أوروبا.

"موجة دعم ثانية"

قال المحلل مايكل هيوسن لدى شركة "سي ام سي ماركتس"، إنه "في غياب الإجماع، تعتمد معظم الدول إجراءاتها الخاصة للتعامل مع الأزمة، في حين تستمر معدلات الإصابة والوفيات في الارتفاع، وتسجل إسبانيا وإيطاليا أعلى الوفيات والإصابات" من جراء جائحة كورونا المستجد، وأضاف جون بلاسار أن "تفشي فيروس كورونا (...) في الولايات المتحدة التي يبدو أنها تأخرت في استباق الأزمة ... يشكل عنصر قلق" للأسواق.

تسجل الولايات المتحدة أكبر عدد من الحالات المؤكدة متجاوزة 143000 إصابة، ولقد تجاوز عدد الإصابات المؤكدة في العالم 727 ألفا بينها أكثر من 34 ألف وفاة في 183 دولة ومنطقة منذ بداية تفشي الوباء، بحسب حصيلة أعدتها فرانس برس استناداً إلى مصادر رسمية الاثنين في الساعة 11:00 بتوقيت غرينتش، وفي غياب لقاح أو علاج مثبت لمرض كوفيد-19، يبقى أكثر من ثلاثة مليارات شخص منعزلين في منازلهم في العالم، قال ويليام دي فيلدر، كبير الاقتصاديين في بنك "بي إن بي باريبا": "بمجرد رفع القيود في مختلف البلدان، سوف ينتعش النشاط الاقتصادي بصورة تلقائية لأن الناس سيكونون قادرين على الإنفاق والسفر مرة أخرى وستعرض الشركات سلعها وخدماتها".

وتدارك "ومع ذلك، ليس هناك ما يشير إلى أن الشركات ستسرع في إطلاق خطط استثمارية عُلقت أو ألغيت من قبل وبالمثل، فإن الزيادة المفاجئة في أعداد العاطلين عن العمل ستستغرق بعض الوقت لتسجيل اتجاه معكوس" وبالتالي، قد تستدعي الحاجة "موجة ثانية من الدعم للسياسة المالية للحفاظ على الزخم"، وقال مايكل هيوسون إنه في هذا السياق وصلت أسعار النفط إلى "أدنى مستوى لها منذ 17 عامًا، مع استمرار الضغط على القدرة على التخزين، في حين يتراجع الطلب العالمي".

وقرابة الساعة 10:25 بتوقيت غرينتش، بلغ سعر برميل برنت من بحر الشمال لتسليم أيار/مايو 22,89 دولاراً في لندن، بانخفاض 8,18% مقارنة بإقفال، بعيد وصوله إلى 22,58 دولاراً وهو أدنى مستوى بلغه منذ نهاية عام 2002، على صعيد العملة، ضعفت العملة الأوروبية مقابل الدولار، وقرابة الساعة 9:00 بتوقيت غرينتش، خسر اليورو 0,44% مقابل الدولار ليصل إلى 1,1092 دولا. وفي سوق الديون، خففت معدلات الفائدة لعشر سنوات في الدول الأوروبية، باستثناء إيطاليا.

الدول النامية تحتاج 2.5 تريليون دولار لمواجهة أزمة كورونا

ذكر تقرير للأمم المتحدة أن الدول النامية سوف تحتاج إلى حزمة دعم بقيمة 2.5 تريليون دولار العام الحالي لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي سببها تفشي فيروس كورونا المستجد، وقال التقرير إن اقتصاديات هذه الدول ستتضرر بشدة من تدفقات رؤوس الأموال للخارج وخسارة عائدات التصدير لانخفاض أسعار السلع وتراجع قيمة العملة مع احتمال أن يكون الأثر العام أسوأ من أزمة عام 2008، وذكر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن الإجراءات المطلوبة ستشمل ضخ سيولة بقيمة تريليون دولار وحزمة لتخفيف عبء الدَين بقيمة تريليون دولار.

وأضاف التقرير أنه ستكون هناك حاجة إلى 500 مليون دولار أخرى لخدمات الصحة الطارئة والبرامج ذات الصلة، إضافة إلى ضوابط رأس المال، وقال ريتشارد كوزول رايت، مدير شعبة العولمة واستراتيجيات التنمية لدى أونكتاد الذي أشرف على التقرير، إن دول أفريقيا جنوب الصحراء ستكون من بين الدول الأكثر تضررا إلى جانب دول أخرى مثل باكستان والأرجنتين، أضاف "سيكون الأمر سيئا حقا" مشيرا إلى "مجموعة مخيفة" من العوامل بينها ديون متزايدة ودوامة انكماشية محتملة وأزمة صحية كبيرة.

وأردف قائلا "يتعين على المؤسسات الدولية أن تأخذ هذه النوعية من المقترحات بجدية بالغة، باعتبارها السبيل الوحيد الذي يمكننا أن نراه لمنع الضرر الراهن بالفعل والذي سيتفاقم" وفيما قال إنه يحتمل أن يكون تقديرا متحفظا، أوضح كوزول رايت أن فيروس كورونا سيتسبب في عجز تمويلي يتراوح بين تريليونين وثلاثة تريليونات دولار هذا العام والعام المقبل، وفي إشارة مبكرة إلى التأثير، قال التقرير إن تدفق المحافظ المالية إلى الخارج من الاقتصادات الناشئة الرئيسية بلغ 59 مليار دولار شهريا بين فبراير شباط ومارس آذار مقارنة بمبلغ 26.7 مليار دولار في أعقاب أزمة 2008 مباشرة.

ويعتبر أونكتاد أن حوالي 170 دولة في طور النمو لكن الرقم الخاص بالفجوة التمويلية جرد الصين وكوريا الجنوبية من هذه الصفة، وكان زعماء مجموعة العشرين قد تعهدوا بضخ أكثر من خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي للحد من فقدان الوظائف والدخل بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد و"للقيام بكل ما يلزم للتغلب على الوباء".

مجموعة العشرين تتعهد "ببذل كل ما يلزم" لمكافحة فيروس كورونا

تعهد زعماء مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى "ببذل كل ما يمكن" للتغلب على جائحة فيروس كورونا وقالوا إنهم يضخون خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي من خلال إجراءات وطنية في إطار مساعيهم لتخفيف آثارها، وبعد قمة استثنائية عبر دائرة تلفزيونية تعهد الزعماء بتنفيذ وتمويل جميع الإجراءات الصحية اللازمة لحماية الأرواح مع التخفيف قدر الإمكان من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية وكذلك تجنب التدخل غير الضروري في التجارة الدولية.

كما عبر الزعماء عن القلق من المخاطر على الدول الهشة، لا سيما في أفريقيا، وعلى فئات من السكان ومنهم اللاجئون وأقروا بضرورة تعزيز شبكات الضمان المالي العالمية والأنظمة الصحية الوطنية، وقال الزعماء في بيان مشترك عقب الاجتماع عبر الدائرة التلفزيونية، والذي استمر 90 دقيقة "ملتزمون بشدة بتشكيل جبهة متحدة لمواجهة هذا الخطر المشترك" كانت السعودية، الرئيس الحالي للمجموعة، قد دعت إلى القمة في ظل انتقادات لبطء الإجراءات التي اتخذتها المجموعة للتصدي للمرض الذي أصاب أكثر من 470 ألفا وقتل أكثر من 21 ألفا في أنحاء العالم، وتصدى الزعماء للمخاوف المتنامية من إجراءات الحماية التجارية المحتملة وأصروا على ضرورة بقاء السوق مفتوحة.

وقال في البيان "ستكون إجراءات الطوارئ الهادفة إلى حماية الصحة، موجهة ومتناسبة وشفافة ومؤقتة. كما نكلف وزراء التجارة بتقييم أثر الجائحة على التجارة" كان العاهل السعودي الملك سلمان قد قال في كلمته في افتتاح القمة إنه ينبغي لمجموعة العشرين استئناف التدفق الطبيعي للسلع والخدمات بما في ذلك الامدادات الطبية في أسرع وقت ممكن للمساعدة في استعادة الثقة في الاقتصاد العالمي، وتعهد زعماء المجموعة بدعم مالي واسع النطاق وقالوا "إننا نقوم بضخ أكثر من 5 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي، وذلك كجزء من السياسات المالية والتدابير الاقتصادية وخطط الضمان المستهدفة لمواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والمالية للجائحة" ويلقي تيدروس أدهانوم جيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية كلمة للزعماء سيطلب فيها زيادة التمويل ودعم إنتاج أدوات الوقاية الشخصية للعاملين في المجال الطبي، وقال في مؤتمر صحفي في جنيف "علينا مسؤولية عالمية كمجتمع إنساني وبخاصة دول مثل أعضاء مجموعة العشرين" وأضاف "يتعين عليها دعم البلدان على مستوى العالم" وفيما يتعلق بمجال الصحة، تعهد زعماء مجموعة العشرين بسد فجوة التمويل في خطة استجابة منظمة الصحة العالمية وتعزيز تفويض المنظمة فضلا عن توسيع طاقة تصنيع الامدادات الطبية وتعزيز قدرات الاستجابة للمرض المعدي وتبادل البيانات الاكلينيكية.

وبرغم الدعوات إلى التعاون، تواجه مجموعة العشرين تعقيدات محتملة بسبب حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا والخلافات بين الولايات المتحدة والصين بشأن منشأ فيروس كورونا،

أنظمة مصرفية عالمية قد تحتاج إعادة رسملة وهيكلة

قال مسؤولون في صندوق النقد الدولي إن الأنظمة المصرفية لبعض الدول قد تحتاج إلى إعادة الرسملة بل وإعادة الهيكلة إذا تعرضت اقتصاداتها لأضرار شديدة من تعطيلات طويلة المدى جراء تفشي فيروس كورونا، وكتب توبياس أدريان وأديتيا ناراين، مدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية بالصندوق ونائبه، في مدونة، "الضغط على النظام المصرفي يتنامى وزيادة تخلفات سداد الدين صارت وشيكة وكثيرون يتوقعون الآن صدمة للقطاع المالي مماثلة في الحجم لأزمة 2008".

وفي حين لم يحدد صندوق النقد دول الأنظمة المصرفية الأكثر انكشافا، فإن تحذير أكبر صندوق إنقاذ متعدد الأطراف في العالم يكشف عن نبرة مختلفة تماما عما صدر عن جهات تنظيمية كبيرة ومدراء بنوك، وبخاصة في الولايات المتحدة، حيث قالوا إن المقرضين من القوة بما يسمح لهم بتجاوز الأزمة الاقتصادية الآخذة بالتكشف.

بدأ الأثر السلبي لتفشي وباء كورونا في دول آسيا يتضح مع إصدار سنغافورة الأرقام الأولية للنمو الاقتصادي للربع الأول من العام، ويبدو أن سنغافورة تسير الآن صوب أول ركود اقتصادي تتعرض له البلاد العام منذ عقدين، كما تشير الأرقام إلى أن الاقتصاد العالمي أيضا بصدد أن يشهد تراجعا حادا، فقد حذر صندوق النقد الدولي من ركود اقتصادي عالمي أسوأ من الركود الذي شهده العالم عقب الأزمة المالية عام 2008.

وتقول سنغافورة إن الناتج المحلي الإجمالي انكمشبمقدار 2.2 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بينما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.6 في المئة مقارنة بالربع الأخير من العام، ويعد ذلك أكبر تراجع سنوي يشهده الاقتصاد في سنغافورة منذ عام 2009، في منتصف الأزمة المالية العالمية، وباعتبارها من أوائل الدول التي تصدر بيانات حول النمو الاقتصادي في هذه الفترة التي يتفشى فيها فيروس كورونا عالميا، تشير البيانات الاقتصادية لسنغافورة إلى مدى تأثير الوباء على الاقتصادات حول العالم.

وكانت سنغافورة من أوائل الدول بعد الصين التي أعلنت عن ظهور حالات كورونا، وفي وقت لاحق أعلنت سنغافورة عن حزمة قيمتها 33.7 مليار دولار لمساعدة اقتصادها على مواجهة تأثير وباء كورونا، ويأتي ذلك بعد توقع صندوق النقد الدولي حدوث كساد عالمي هذا العام سيكون، على الأقل، في نفس درجة سوء ذلك الركود الذي شهده العالم عقب الأزمة المالية قبل عقد من الزمن، وتؤذي الإغلاقات وغيرها من الإجراءات التي اتخذتها الحكومات حول العالم، بغرض إبطاء تفشي الفيروس، الاقتصاد العالمي حيث بات العديد من المحللين يتوقعون ركودا طويلا وعميقا.

اليابان تعلن حالة طوارئ وتطلق تحفيزا بقيمة 990 مليار دولار

قال رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إن بلاده ستفرض حالة طوارئ في طوكيو وست مقاطعات أخرى في وقت قريب ربما يوم الثلاثاء في محاولة لوقف انتشار فيروس كورونا، وإن الحكومة تُعد حزمة تحفيز بقيمة 990 مليار دولار لتخفيف الضرر الاقتصادي، أظهرت الفحوص إصابة أكثر من 3500 شخص بالفيروس في اليابان وقد توفي 85 شخصا، وهو ما لا يعد انتشارا كبيرا مقارنة ببعض بؤر التفشي الخطير، لكن العدد يواصل الارتفاع مثيرا القلق على الأخص من انتشار العدوى في طوكيو التي سجلت أكثر من ألف إصابة، منها 83.

وقال آبي للصحفيين "نظرا لحالة الأزمة الطبية، نُصحت الحكومة بالاستعداد لإعلان حالة طوارئ" وأضاف أن الحكومة قررت إطلاق حزمة تحفيز قيمتها نحو 108 تريليونات ين، تشمل أكثر من ستة تريليونات ين مدفوعات نقدية للأُسر والشركات الصغيرة و26 تريليون ين لإتاحة تأجيل مدفوعات الضمان الاجتماعي والضرائب، ولم يتضح بعد كم من هذه الحزمة سيكون إنفاقا حكوميا جديدا، وقال آبي "ترغب الحكومة في مساعدة الشركات على الاستمرار وحماية الوظائف".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3