يعاني لبنان من أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة تفاقمت بشكل كبير بسبب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت منذ شهور من اجل تحسين مستوى المعيشة وتغير النظام الطائفي ومحاربة الفساد، تواجه الحكومة اللبنانية الجديدة التي اعقبت وكانت استقالة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري وكما نقلت بعض المصادر تحديات غير مسبوقة، سواء من حيث السيطرة على الاحتجاجات، أو وقف تدهور الاقتصاد ومحاربة الفساد والشلل في عمل البنوك والشركات، مما يزيد من حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.

وتقدر خسائر لبنان في ظل الأوضاع الراهنة حسب البنك الدولي بنحو 700 مليون دولار يومياً، كما تراجع سعر الليرة اللبنانية في الاسوق بشكل كبير اثر سلباً على حياة المواطن، خصوصاً مع تفشي ظاهرة البطالة بين صفوف الشباب التي تصل نسبتها الى اكثر 36%، ومنذ أشهر، يواجه لبنان شحاً في السيولة مع ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار.

وتضاعفت نسبة التضخم بين شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، وفق تقرير بنك بلوم للاستثمار، بالتزامن مع خسارة الليرة اللبنانية نحو ثلث قيمتها أمام الدولار في السوق الموازية. وتُهدد الأزمة اللبنانيين في وظائفهم ولقمة عيشهم، وقد أغلقت العديد من المتاجر والشركات أبوابها، وتلقت وزارة العمل عشرات الطلبات بالصرف الجماعي، ما يؤدي حكماً إلى ارتفاع نسبة البطالة ويعيش ثلث اللبنانيين أساساً تحت خط الفقر.

وتقدر مؤسسة "الدولة للمعلومات" للأبحاث والإحصاءات أن وصل عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في العام 2019 إلى 61,924 مقارنة بـ41,766 في العام السابق أي زيادة بنسبة 42 في المئة. وعلى معرفات البحث في غوغل، بلغ معدل البحث عن كلمة "هجرة" في لبنان بين شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الاول/ديسمبر حده الأقسى خلال خمس سنوات. وعلى وقع اقتصاد متهالك وأزمات سياسية متتالية، تحول لبنان على مر السنوات إلى بلد مورد للمهاجرين. وبرغم عدم توفر إحصاءات رسمية، تشير تقديرات إلى أن عددهم يساوي أكثر من ضعف عدد سكان البلاد الذي يقدر بأكثر من أربعة ملايين نسمة.

تكاليف المعيشة

بينما يرتفع التضخم في لبنان بفعل زيادة معروض الليرة وشح الدولار، يبدو من المرجح أن يكون المستهلكون الذين يشعرون بالفعل بوطأة ارتفاع تكاليف المعيشة في ظل أزمة اقتصادية بصدد مزيد من الضغوط المالية. ويعتمد لبنان منذ فترة طويلة على تدفق مطرد من الدولارات من أبنائه في الخارج للمساعدة في تمويل نظامه المصرفي. لكن ذلك المورد آخذ في النضوب في ظل تداعي الثقة في النخب السياسية.

ويعاني الناس في ظل ارتفاع سنوي للتضخم يقدره الاقتصاديون بثلاثين بالمئة خلال الأزمة التي تفاقمت في أكتوبر تشرين الأول. وانهارت الليرة أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية بينما ضربت أزمة سيولة بمعولها. وتسبب ذلك في انخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين ودفع البعض لسحب مبالغ بالليرة من البنوك، إذ حطمت قيود غير رسمية على حركة رؤوس الأموال الثقة في النظام المصرفي وحدت من إمكانية الحصول على الدولار.

وأصبحت نفقات أرليت مطر (54 عاما)، وهي قابلة وأم لثلاثة، تقتصر على الأساسيات، إذ تستبعد الحلويات وتحد من مشتريات مثل المناشف الورقية ومستلزمات العناية الشخصية. وقالت من أمام متجر في حي متوسط ببيروت ”تكلفة المعيشة الآن مرتفعة.. عندما أتسوق الآن أقتصر على ما أحتاجه.“ ورغم أن الليرة المربوطة بالدولار منذ 22 عاما هي العملة الرسمية، فإن الدولار شائع الاستخدام منذ فترة طويلة كبديل. ويقول بعض المستهلكين الذين كانوا يشترون بالدولار إنهم يستخدمون الليرة الآن.

وقالت خبيرة تجميل وأم لطفلين طلبت تعريفها فقط بلقب عائلتها بطرس ”تعلم أن أهم شيء اليوم هو الطعام.. إنه ضروري للحياة، لذا يؤثر هذا على جميع الأسر اللبنانية.“ ويعتمد اقتصاد لبنان على الواردات. ويقدر هاني بحصلي رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية والاستهلاكية والمشروبات نسبة الارتفاع في التكاليف التي يدفعها أعضاء النقابة للموردين العالميين بحوالي أربعين بالمئة منذ أكتوبر تشرين الأول فيما يعود بشكل أساسي إلى انخفاض قيمة الليرة. وقال بحصلي ”إنه أمر مروع... لم تعد هناك أي تسهيلات تجارية بالبنوك، لذا السيولة شحيحة. ليس لديك سوى ما في جيبك اليوم، لذا يصعب العمل بالنسبة لنا“.

وشكل لبنان أخيرا حكومة بقيادة رئيس الوزراء حسان دياب بعد أشهر من الشلل السياسي والاحتجاجات بالشوارع، لكن مازال من الضروري تسوية الأزمة واستمالة المستثمرين والمانحين الأجانب. ورغم أنه ليس تحت وطأة تضخم جامح كالذي تعيشه فنزويلا والذي تعرضت له زيمبابوي قبل عشر سنوات، يحذر الاقتصاديون من أن لبنان عرضة لخطر الاقتراب بشكل أكبر من ذلك المصير في حالة عدم تسوية الأزمة. وأعلن مصرف لبنان المركزي طرح أوراق نقد طُبعت حديثا فئة خمسين ألف ليرة للتداول. وتضخم المعروض النقدي (ن1)، الذي يشمل النقد المتداول والودائع تحت الطلب بالليرة، 45 بالمئة في بداية يناير كانون الثاني مقارنة بنفس الفترة قبل عام. بحسب رويترز.

وقال نافذ صاووك من أكسفورد إيكونوميكس إن غمر السوق بالليرة في ظل تقييد الدولار يهدد بتفاقم التضخم ومزيد من التراجع في قيمة الليرة بالسوق الموازية. وقال ”سيكون هناك مزيد من التضخم لا محالة.. لنفترض إخفاء الناس خمسين بالمئة وتداولهم خمسين بالمئة، فسيظل ذلك يضعف سعر الصرف وسيظل له أثر تضخمي.“

الودائع المصرفية

الى جانب ذلك وخوفا من التهديدات الاقتصادية التي تطال المصارف وتحسبا لانهيار هذا القطاع، ونتيجة إجراءات مشددة تمنعهم من سحب ودائعهم، يلجأ اللبنانيون إلى خيارات بديلة علها تمكنهم من إنقاذ أموالهم العالقة في البنوك عن طريق استثمارها في السلع الفاخرة كالعقارات والذهب وشراء اللوحات الفنية وحتى السيارات الفخمة. فقد ازدادت في الفترة الأخيرة الإشكالات والصراخ داخل المصارف وصلت في بعض الأحيان إلى حد التضارب بين مودعين يطالبون بتحصيل أموالهم وموظفين يطبقون الإجراءات التي حددتها إدارات مصارفهم التي تحد بشكل كبير من سحب الدولار كما الليرة اللبنانية.

ويسعى الكثير من الزبائن إلى سحب ما أمكن من ودائعهم، عبر الحصول عليها على شكل شيكات مصرفية يشترون بها ممتلكات غير منقولة مثل المنازل والشقق والكماليات. وتزامنت الإجراءات المصرفية، مع تراجع كبير لقيمة الليرة اللبنانية في السوق الموازية مقابل الدولار الأمريكي للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن. ففيما لا يزال سعر الصرف الرسمي ثابتا على 1507 مقابل الدولار، فقد يتخطى في السوق الموازية عتبة الألفين.

وتراجعت الودائع المصرفية خلال 11 شهرا من العام 2019 بنحو 12 مليار دولار، بينهم 4,8 مليار في شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحده، وفق إحصاءات رسمية. ويذكر أن لبنان يشهد انهيارا اقتصاديا متسارعا وسط شح في السيولة ومخاوف من عدم تمكنه قريبا من سداد جزء من الدين العام المتراكم، مع تراجع الثقة أكثر وأكثر في قطاعه المصرفي، الذي كان يُعد يوما العمود الفقري للاقتصاد المحلي ودعامة للنظام المالي، الذي يقترب من الإفلاس.

وحول موضوع شراء العقارات، أكد الوكيل العقاري كارل كنعان لوكالة الأنباء الفرنسية "أن مبيعاته ارتفعت ثلاثة أضعاف منذ تشرين الثاني/نوفمبر، وأن الطلب كبير جدا"، موضحا "أن الناس تريد تنويع استثماراتهم لتفادي المخاطر التي تهدد القطاع المصرفي والعملة الوطنية". ويقبل بعض أصحاب العقارات بالشيكات المصرفية كوسيلة للدفع، فيما يرفضها أولئك الذين يحتاجون إلى سيولة. إلى ذلك، لا يقتصر الأمر على شراء عقارات داخل لبنان، بل تنشر العديد من الشركات إعلانات تدعو اللبنانيين للاستثمار في اليونان أو قبرص، على أن يتم الدفع في لبنان، كون التحويلات إلى الخارج ممنوعة بقرار مصرفي.

ويشرح خبير في سوق العقارات، فضّل عدم الكشف عن اسمه، "يُفضل البعض شراء شقة أو حتى أرض في الخارج خوفا من انهيار في الأسعار في لبنان". وفي محاولة لصرف مبالغ لا تزال محاصرة في الحسابات المصرفية، يستخدم لبنانيون ما يُسمح لهم من بطاقات ائتمانهم لشراء الذهب. ومن شأن ذلك أن يتيح لهم الحفاظ على قيمة أموالهم وأن يعود عليهم بأرباح لاحقا، إذ تواصل أسعار الذهب الارتفاع بعد تراجع بنسبة 20 في المئة العام 2019.

ويقول أحد أصحاب محال المجوهرات، "يشتري الزبائن أكثر وأكثر ليرات الذهب، فضلا عن السلاسل والأساور وغيرها، فقط من أجل قيمتها المادية". ويعمد آخرون، وخصوصا من أصحاب الثروات، إلى استثمار أموالهم في سلع كمالية فخمة كالسيارات. وتجد سيارات البنتلي واللامبورغيني الشهيرة، والتي تتخطى أسعارها 400 ألف دولار، سوقا في لبنان، في وقت يتدهور سوق السيارات بشكل عام، وفق وكيل بيع سيارات، ويضيف الوكيل: "بالطبع، السيارات تفقد من قيمتها مع مرور الوقت، لكن الأمر ببساطة وبالنسبة إلى كثيرين هو تفادي أن يخسروا كل أموالهم".

ولا يستثني أصحاب الثروات الأعمال الفنية القيمة. ويقول صاحب معرض لبيع اللوحات الفنية في بيروت "زارني مؤخرا أشخاص لم أرهم من قبل" وبعضهم ليس لديه أي اهتمام في الأعمال الفنية، لكنهم يريدون إنقاذ أموالهم من المصارف "فيشترون اللوحات الأغلى ثمنا". ومنذ أيلول/سبتمبر، حددت المصارف سقفا للسحوبات المالية بالدولار بالكاد يلامس في قلة منها الألف دولار. ويقصد لبنانيون كثر المصارف بشكل شبه يومي للحصول على مئة دولار فقط. وخشية على أموالهم من السرقات، يقبل كثيرون على شراء خزنات ووضعها في منازلهم، ويصل سعر بعضها إلى 20 ألف دولار. بحسب فرانس برس.

ومنذ أيلول/سبتمبر، وفق أرقام رسمية مصرفية، خزّن اللبنانيون ثلاثة مليارات دولار في منازلهم. ويقول خليل شهاب، صاحب محل لبيع الخزنات في بيروت، "ارتفعت مبيعاتنا بنسبة خمسين في المئة في تلك الفترة"، مضيفا "قبل الأزمة، كانت المصارف أبرز زبائننا، أما اليوم بات مودعوهم من يأتون إلينا". ويخلص إلى أن "الناس لم تعد تبحث عن الربح، كل ما تريده هو إنقاذ أموالها مهما كلف الأمر".

وقال عدد من اللبنانيين لرويترز إنهم يخشون فرض قيود أشد أو اقتطاع جزء من ودائعهم أو انهيار البنوك أو تخفيض قيمة العملة اللبنانية المربوطة بالدولار الأمريكي منذ 22 عاما. ويقول مصرف لبنان المركزي إن الودائع آمنة ويتعهد بالحفاظ على ربط العملة بالدولار في حين قال رئيس جمعية مصارف لبنان إن القيود على السحب وغيرها من التدابير تهدف للحفاظ على ثروة لبنان في البلاد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0