بعد 178 عاما من التفوّق العالمي في قطاع السياحة، أعلنت مجموعة السياحة والسفر "توماس كوك" وهي أقدم شركة للرحلات بالعالم، تأسست على يد "توماس كوك" في العام 1841 في بريطانيا، وتحوّلت إلى واحدة من أهم وأبرز وأعرق شركات السياحة البريطانية ذات التأثير العالمي الواسع، تدير عشرات الفنادق والمنتجعات وشركات الطيران حول العالم، وتخدم ما يزيد على 19 مليون مسافر في العام الواحد. إفلاسها، بعد فشلها في جمع الأموال اللازمة للإبقاء على المجموعة، وأشارت إلى أنها ستدخل في عملية "تصفية فورية". خبر انهيار "توماس كوك" المفاجئ للمتعاملين مع الشركة، عدة البعض اول رسالة في ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

هذا الملف الذي ستكون له اثار سلبية مدمرة على الاقتصاد البريطاني، الذي يواجه وبحسب بعض المصادر حزمة من التحديات والمشكلات الكبيرة خصوصا مع وجود بوادر تشير الى تراجح الشركات العالمية عن الاستثمار في بريطانيا، ويعتمد الاقتصاد البريطاني على الاتحاد الأوروبي بشكل أكثر لكون 12.6% من ناتجه المحلي الإجمالي يرتبط بالصادرات إلى الاتحاد. بالمقابل يرتبط 3.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأخرى الـ27 في الاتحاد بالصادرات إلى المملكة المتحدة. والاتحاد الأوروبي يستوعب 44% من صادرات بريطانيا و60% من إجمالي تجارة المملكة المتحدة مشمولة بعضويتها في الاتحاد، مما يمنحها الوصول إلى 53 سوقا خارج التكتل.

و هذه الشركة يعمل بها نحو تسعة آلاف موظف في بريطانيا فقط، وأكثر من 21 ألف موظف حول العالم من المقرر أن يتم تسريحهم بالكامل بعد إعلان الإفلاس، بينما يتبع للشركة الآن أكثر من 600 ألف عميل يقضون إجازاتهم في الخارج وهو الذي أدّى إلى حركة ارتباك عالمية في المطارات، من بينهم نحو 150 ألف عميل بريطاني متعثّر في وجهات مختلفة من العالم غير قادر على العودة. هذا التكدّس جعل هيئة الطيران المدني البريطانية تطلق أكبر حملة إعادة لمواطنين بريطانيين من الخارج في تاريخها في أوقات السلم.

توماس كوك وبريكسيت

وفي هذا الشأن أفلست مجموعة السياحة والسفر البريطانية "توماس كوك"، وفق ما أعلنته رسميا، بعد فشلها في جمع الأموال اللازمة للإبقاء على المجموعة. وقالت "توماس كوك" في بيان إنه "رغم الجهود الكبيرة، لم تسفر المناقشات عن اتفاق" بين المساهمين والممولين الجدد المحتملين. وأضاف البيان "لذلك، خلص مجلس إدارة الشركة إلى أنه ليس لديه خيار سوى اتخاذ خطوات للدخول في تصفية إلزامية بمفعول فوري". والسبب المباشر لإفلاس الشركة هو السبب نفسه الذي يؤدّي إلى إفلاس أي شركة أخرى: تراكم الديون. بلغت الديون المتراكمة على "توماس كوك" 1.7 مليار جنيه إسترليني، وهو ما جعل الشركة تدخل في أزمة حادة طلبت على إثرها قرضا بقيمة 900 مليون جنيه إسترليني لسداد مستحقاتها للفنادق والخدمات المختلفة، ثم عادت وطلبت قرضا إضافيا بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني، إلا أن طلبها لم يُستجب له، وهو ما أدّى إلى إعلان الإفلاس بعد سنوات من التعثّر المالي ومحاولة تجنّب حتمية الإفلاس.

وسيكون على "توماس كوك" أن تنظم فورا عملية إعادة 600 ألف سائح من المتعاملين معها حول العالم، بينهم 150 ألف سائح بريطاني، ما سيشكل أكبر عملية من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية. ويشكل إفلاس "توماس كوك" ضربة قاسية لقطاع السياحة الأوروبي. وقالت الحكومة البريطانية في وقت سابق إنها وضعت خططا لإعادة السائحين الذين قد تتقطع بهم السبل إذا خرجت توماس كوك من السوق. وسيتعين على الحكومات وشركات التأمين التدخل لإعادة عملاء الشركة لبلدانهم.

وفي ألمانيا حيث يوجد 300 ألف في رحلات تابعة للشركة، ستقع المهمة على عاتق شركات التأمين للمساعدة في عودتهم. وقالت شركة كوندور الألمانية للطيران، وهي جزء من مجموعة توماس كوك، إنها تقدمت بطلب للحصول على قرض من الحكومة الألمانية. وتبحث الحكومة هذا الطلب. وحاولت المجموعة جمع مئتي مليون جنيه إسترليني بالإضافة إلى ضخ رأس مال جديد بقيمة 900 مليون جنيه إسترليني كان قد أعلن سابقا لتجنب انهيارها، بعدما واجهت الشركة الرائدة في مجال السفر صعوبات سببها المنافسة من مواقع إلكترونية خاصة بالسفر وقلق المسافرين من ملف البريكست.

وتعهد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بإعادة المسافرين البريطانيين الذين تقطعت بهم السبل إلى الوطن وكشف عن أن الحكومة رفضت طلبا من توماس كوك يتعلق بصفقة إنقاذ بنحو 150 مليون جنيه استرليني (187.1 مليون دولار) بسبب ما قال إنه ”خطر أخلاقي“. وأبلغ الصحفيين على متن الطائرة لدى توجهه لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ”إنه وضع صعب للغاية ومشاعرنا بالتأكيد مع عملاء توماس كوك بشكل كبير.. السائحون الذين قد يواجهون الآن صعوبات في العودة، سنبذل قصارى جهدنا من أجل إعادتهم للبلاد“. بحسب رويترز.

وقال الرئيس التنفيذي بيتر فانكهاوزر إنه من دواعي الأسف العميق توقف عمل الشركة بعد فشلها في التوصل إلى صفقة إنقاذ من مقرضيها في محادثات محمومة. وأظهرت صور على وسائل التواصل الاجتماعي طائرات لتوماس كوك يجري تحويل مسارها من أماكنها المعتادة بالمطارات. وتُرك بعضها خاوية بعد إخلائها من الركاب وأفراد الطواقم. ونشر موظفون صورا لهم وهم ينهون آخر رحلاتهم.

وقالت الحكومة البريطانية إنها استأجرت طائرات لإعادة سياح بريطانيين، في عملية باسم "عملية ماترهون" بدأت فورا. وأعلن وزير النقل البريطاني غرانت شابس إطلاق "أكبر عملية إعادة مواطنين في تاريخ السلم" مضيفا أن الحكومة وهيئة الطيران المدني البريطانية استأجرتا العشرات من طائرات التشارتر لإعادة مسافري توماس كوك إلى البلاد.

وقالت الحكومة "جميع زبائن توماس كوك الموجودين حاليا في الخارج والذين قاموا بحجوزاتهم للعودة إلى المملكة المتحدة ، ستتم إعادتهم إلى الديار في أقرب موعد لحجوزات عودتهم". والشركة التي واجهت مشكلات منذ مدة، رزحت أيضا تحت تكاليف هائلة نجمت عن اندماجها الكارثي عام 2007 مع شركة مايترافل، في صفقة كبدتها ديونا باهظة. والمجموعة الضخمة مشغل سياحي وشركة طيران في نفس الوقت. ووجهاتها الرئيسية هي جنوب أوروبا ودول البحر المتوسط، لكنها نظمت أيضا رحلات سياحية إلى آسيا وشمال إفريقيا والكاريبي.

وكانت وكالة السفر الصينية فوسون، وهي أكبر مساهم في توماس كوك، قد وافقت الشهر الماضي على ضخ 450 مليون جنيه في المجموعة ضمن صفقة إنقاذ أولية بقيمة 900 مليون جنيه. وفي المقابل يستحوذ التكتل المدرج في بورصة هونغ كونغ على 75 بالمئة من أسهم وحدة أنشطة السفر في توماس كوك، و25 بالمئة من وحدة الخطوط الجوية. وقالت المجموعة الصينية في بيان لوكالة الأنباء الفرنسية إن "فوسون تشعر بالخيبة لعدم تمكن مجموعة توماس كوك من إيجاد حل قابل للتطبيق لإعادة رسملتها المقترحة مع فروع أخرى وبنوك مقرضة رئيسية وحاملي سندات وأطراف مشاركة أخرى".

ويمثل إفلاس توماس كوك سقوطا مدويا لشركة كانت مدرجة في بورصة لندن على مؤشر فوتسي لأكبر 100 شركة عام 2010، وعلى مؤشر فوتسي لأكبر 250 شركة العام الماضي. وفقدت أسهمها قيمتها وتم تعليقها. ويأتي إفلاس الشركة بعد عامين فقط على انهيار خطوط مونارك الذي دفع بالحكومة البريطانية لاتخاذ تدابير طارئة لإعادة 110 ألف مسافر، في عملية كلفت دافعي الضرائب قرابة 60 مليون جنيه إسترليني لاستئجار طائرات. وقال المحلل لدى مؤسسة إكس.تي.بي المالية ديفيد شيتام "ليس من شأن صفقة إنقاذ على الأرجح سوى تأجيل المحتم وهدر مزيد من المال على ما لا يمكن إصلاحه".

رواتب وديون

الى جانب ذلك تساءل رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون لماذا حصل كبار المسؤولين في توماس كوك على مبالغ طائلة، وذلك بعدما أدي انهيار شركة السفر لاعتماد عشرات الآلاف من البريطانيين على الحكومة البريطانية لإعادتهم إلى ديارهم. وتحدث جونسون في نيويورك متسائلا لماذا تتحمل الدول المسؤولية عن تصرفات مديرين يحصلون على أجور ضخمة، مضيفا أنه ينبغي أن يكون هناك نوع من التأمين لشركات السياحة في مواجهة مثل هذه الأزمات.

وقال ”لدي أسئلة بداية عما إذا كان من الصواب أن يدفع المديرون، أو أي شخص كان، مجلس الإدارة، لأنفسهم هذه المبالغ الضخمة حين يمكن أن تنهار الشركة بهذا الشكل“. وتابع ”ينبغي ان تكون هناك آلية ما كي تؤمن شركات السفر نفسها في مواجهة مثل هذه الأحداث بشكل مناسب“. ومع استنزاف الأنشطة للسيولة، اكتشف الرئيس التنفيذي بيتر فانكهاوز أنه لم يعد لدى المقرضين الرغبة في المساعدة. وتقاضى فانكهاوز على 8.3 مليون جنيه استرليني (10.3 مليون دولار) منها 4.3 مليون في 2015.

وقالت الحكومة البريطانية إنها ليست مستعدة لإهدار مزيد من المال لدعم خطة إنقاذ الشركة. وقال جونسون ”كيف يمكن أن نضمن أن تأخذ شركات السفر إجراءات وقائية مناسبة في يخص أسلوب عملها بحيث لا ينتهي الحال بوضع يجبر دافعي الضرائب والدولة على التدخل لإعادة الناس إلى ديارهم“.

من جانب اخر قال وزير السياحة التونسي روني الطرابلسي إن حوالي 45 فندقا في تونس، التي يعتمد اقتصادها على قطاع السياحة الحيوي، تأثرت من انهيار شركة توماس كوك في حين تسعى الحكومة لمساعدة هذه الفنادق عبر قروض ميسرة. وقال وزير السياحة التونسي لرويترز إن توماس كوك تدين للفنادق التونسية بنحو ستين مليون يورو.

وعقد الطرابلسي اجتماع أزمة مع السفيرة البريطانية بتونس وملاك فنادق. وعقب الاجتماع، قال الوزير إن الحكومة البريطانية تعهدت بدفع ديون توماس كوك لكنها لم تضع مدة محددة. ويتعامل 45 فندقا في تونس مع توماس كوك بشكل حصري. وقال وزير السياحة إنه يوجد مقترح لفتح خط تمويل لتوفير قروض ميسرة لملاك الفنادق المتضررة انتظارا لتسديد الديون. بحسب رويترز.

وقال سياح بريطانيون إن فندقا تونسيا منعهم من المغادرة قبل أن يتم الاتفاق مع توماس كوك. وقالت وزارة السياحة إنه كان سوء تفاهم. وتسهم السياحة في تونس بحوالي ثمانية بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهي ثاني أكبر مشغل للأيدي العاملة بعد القطاع الزراعي. وتتوقع تونس استقبال تسعة ملايين سائح هذا العام، في تعاف من آثار هجمات استهدفت سياحا في 2015.

كما قالت مجموعة بلو سكاي، وكيل توماس كوك في مصر، إنه تقرر إلغاء حجوزات حتى أبريل نيسان 2020 لعدد 25 ألف سائح إلى مصر. وقال حسام الشاعر رئيس مجلس إدارة بلو سكاي في بيان إن لدى الشركة 1600 سائح في منتجع الغردقة بمصر حاليا. وأضاف البيان ”الأعداد المتوقعة لعام 2020 تبلغ 100 ألف سائح“ إلى مصر من خلال توماس كوك. وقالت وزارة السياحة التركية إنها ستقدم دعما للشركات المحلية المتأثرة بانهيار توماس كوك.

وقال رئيس رابطة الفندقيين الأتراك إن نحو 45 ألف سائح من بريطانيا وأنحاء أخرى في أوروبا مازالوا في البلاد. وقالت وزارة السياحة المغربية إنها شكلت خلية أزمة للتعامل مع تداعيات انهيار توماس كوك. وتسير الشركة رحلتين إلى مراكش أسبوعيا. ولم تصدر أرقام رسمية. وقالت توماس كوك الهند إنها لم تتأثر حيث أنها كيان منفصل منذ أغسطس آب 2012.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0