استحوذت العملات الرقمية على فكر الكثيرين، واثارت خوف وذعر البعض ، وتسببت في قلق البعض، ولكن المهم أن الجميع يتفق أن العملات الرقمية ثورة تكنولوجية سوف تغير من شكل الأموال في هذا العالم، وسوف تؤثر على أكبر وأهم المؤسسات المالية في العالم وعلى طريقة عملها. وعلى الرغم من الخسائر التي لحقت فيها في عام 2018، الا ان البعض يرى ان هناك ثلاث اسباب تدعو للتفاؤل بشأن مستقبل العملات الرقمية وهذه الاسباب هي دورات السوق الطبيعية والمواقف الايجابية من المؤسسات سيما من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واخيراَ هو التطور الحاصل في العملات الرقمية.

فقد أظهرت بيانات من صندوق النقد الدولي أن حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية للعملات هبطت في الربع الثالث من العام الحالي إلى أدنى مستوى في حوالي خمس سنوات، بينما زادت حصة اليورو لتصبح الأكبر في أربعة أعوام تقريبا. وارتفعت حصة العملة الأمريكية في الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي إلى 6.63 تريليون دولار، أو 61.94 في المئة من مجمل الاحتياطيات، في الربع الثالث، من 6.56 تريليون دولار أو 62.4 بالمئة، في الربع الثاني، ووفقا لبيانات صندوق النقد فإن حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات هبطت إلى أدنى مستوى منذ أن سجلت 61.27 بالمئة في الربع الرابع من 2013.

وأظهرت بيانات صندوق النقد أيضا أن حصة اليورو في الاحتياطيات العالمية للعملات ارتفعت إلى 20.48 بالمئة في الربع الثالث من 2018 وهي أكبر حصة منذ الربع الرابع من 2014، وتراجعت حصة اليوان الصيني في الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي إلى 1.80 بالمئة في الربع الثالث من 2018، وهو أول انخفاض منذ أن بدأ صندوق النقد في نشر أرقام بشأن حصة الصين في الربع الرابع من 2016. من جهة أخرى ذكر وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين إن الولايات المتحدة تريد إدراج بند يمنع التلاعب في العملات في الاتفاقيات التجارية المستقبلية، بما في ذلك مع اليابان، تماشيا مع بند العملة في الاتفاقية الجديدة لتعديل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا).

وأثارت تلك التعليقات قلقا في اليابان، حيث نشرت وسائل إعلام محلية تقارير في صدر صفحاتها تتساءل عما إذا كان ذلك سيعطي واشنطن الحق في إضفاء صفة التلاعب في العملة على أي تدخلات في المستقبل في سوق العملات من جانب طوكيو لاحتواء أي ارتفاعات حادة في قيمة الين، وغالبا ما يُنظر إلى الين على أنه ”ملاذ آمن“ في آسيا، وهو ما يجذب تدفقات أموال إليه خلال أوقات اضطراب الأسواق يمكن أن تؤدي إلى زيادة قيمته على المدى القصير، وأفاد منوتشين في الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في بالي بإندونيسيا إنه واشنطن ترى البند المتعلق بالعملات في اتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا (يو.إس.إم.سي.إيه) كنموذج للصفقات التجارية في المستقبل لمنع الشركاء التجاريين من التلاعب في العملات، وانتقد منوتشين الصين للانخفاضات الأخيرة في قيمة اليوان، موضحاً إن واشنطن تريد أيضا أن تجعل مسألة العملة جزءا رئيسيا في أي محادثات لحل النزاع التجاري الأمريكي-الصيني.

إصدار عملات رقمية

صرحت كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، إن" رياحا جديدة تهب علي اقتصادات العالم وهي رياح الرقمنة، حيث يعيد جيل الألفية اختراع طريقة عمل الاقتصاد، وهم يحملون هواتفهم في أيديهم". وذكرت لاغارد، في كلمة ألقتها، في مهرجان التكنولوجيا المالية بسنغافورة، أن "النقود ذاتها تتغير، ومن المتوقع أن تصبح أكثر ملاءمة وسهولة في الاستخدام، وربما يصبح شكلها أقل جدية، ودعت إلى "دمج النقود في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى يتسنى استخدامها بسهولة على شبكة الإنترنت ومن شخص إلى آخر، وهو ما يشمل المدفوعات متناهية الصغر، التي ستكون رخيصة وآمنة، وتتمتع بالحماية من المجرمين وأعين المتطفلين".

وتساءلت مديرة صندوق النقد الدولي عن الدور الذي تبقى للنقد في هذا العالم الرقمي، بعدما بدأت اللافتات على واجهات المتاجر تقول بالفعل "لا يُقبل الدفع نقداً"، كما بدأت الودائع المصرفية تقع تحت ضغط أشكال النقود الجديدة، وأشارت إلى مقدمي خدمات الدفع المتخصصين الجدد الذين يتيحون الأموال الإلكترونية – مثل AliPay وWeChat في الصين، وPayTM في الهند وM-Pesa في كينيا، وهي خدمات تقدم أنماطا من النقود مصممة على أساس الاقتصاد الرقمي، في استجابة لما يطلبه الناس وما يتطلبه الاقتصاد.

ولفتت إلى أنه حتى العملات المشفرة مثل البتكوين والإثريوم والريبل تتنافس على شغل مكان في العالم الخالي من النقود، وتعيد تشكيل أنفسها باستمرار سعياً لتقديم قيمة أكثر استقراراً وتسوية أسرع وأقل تكلفة، بحسب مديرة صندوق النقد الدولي. كما دعت لاغارد البنوك المركزية لإصدار عملات رقمية، وأن تعمل الدول على سد الفراغ الذي أسفر عنه انسحاب النقد رويدا رويدا، وتساءلت عن جدوى إصدار البنوك المركزية عملة رمزية رقمية بضمان الدولة مثل النقد السائل حاليا، "في ظل رؤية مقدمي خدمات النقود الإلكترونية أنهم أقل خطرا من البنوك لأنهم لا يقرضون أموالا، وإنما يودعون أموال العملاء في حسابات حفظ ويسددون المدفوعات ببساطة في إطار الشبكات الخاصة بهم، بينما تسعى العملات المشفرة إلى ترسيخ الثقة في التكنولوجيا".

ولفتت إلى أن بنوكا مركزية عديدة حول العالم تنظر جدياً في تطبيق هذه الأفكار، منها كندا والصين والسويد وأوروغواي، حيث تتبنى التغيير والفكر الجديد، ورأت أن إصدار البنوك المركزية للعملات الرقمية سيحقق 3 أهداف، أولها الشمول المالي حيث تتيح العملة الرقمية إمكانات كبيرة، من خلال قدرتها على الوصول إلى الأفراد والأعمال في المناطق النائية والمهمشة، بينما لا تعطي البنوك اهتماماً كبيراً لخدمة الفقراء والقاطنين في المناطق الريفية.

وأضافت أن "الميزة الثانية للعملة الرقمية تتعلق بالأمن وحماية المستهلك، وبدون النقد تتركز السلطة المفرطة في يد عدد قليل من الجهات الخاصة الضخمة التي تقدم خدمات الدفع، وفي نهاية المطاف، من الطبيعي أن تسيطر الاحتكارات على خدمات الدفع – فكلما زاد عدد الحاصلين على الخدمة قل ثمنها وزادت فائدتها".

أما الهدف الثالث فيتمثل في الحفاظ على الخصوصية، فبطبيعة الحال يسمح النقد السائل بأداء المدفوعات دون معرفة الأطراف المتعاملة، بينما نلجأ إلى النقد لحماية خصوصيتنا لأسباب مشروعة، كتجنب التعرض للقرصنة أو إنشاء ملفات لتعريف العملاء، إلا أن لاغارد رأت أن "تسارع البنوك المركزية لإنقاذ الموقف بطرح عملة رقمية مجردة تماماً من هوية الأطراف المتعاملة فيها، لأنها ستتيح بذلك منجم ثراء للمجرمين". ورأت أن "المخاطر التي تحيط بالاعتماد على العملات الرقمية، فتتمثل في عدم النزاهة المالية، فقد تصمم البنوك المركزية عملة رقمية يتم التأكد من هوية مستخدميها وتسجيل المعاملات، إلا أن هويات المستخدمين تظل مجهولة للأطراف الأخرى أو للحكومات، ما لم يتطلب القانون خلاف ذلك، لكن ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمكن أن تعمل في الخلفية، وإذا ظهر اشتباه في المعاملة، يمكن كشف النقاب عن الهوية وإجراء التحقيقات المطلوبة".

كما تطرقت مديرة صندوق النقد الدولي إلى مخاطر عدم الاستقرار المالي، مشيرة إلى أن "العملات الرقمية يمكن أن تفاقم الضغوط على الودائع المصرفية، وإذا كانت العملات الرقمية تشبه ودائع البنوك التجارية بالقدر الكافي – لأنها آمنة جداً، ويمكن حيازتها بلا حدود، وتتيح أداء المدفوعات بأي قيمة، وربما حتى تدر فائدة – فما الحاجة إلى حساب مصرفي أصلاً؟"، حسب تعبيرها.

أول سندات بتكنولوجيا سلسلة الكتل في العالم

سعر البنك الدولي أول سندات عامة تُنشأ وتدار باستخدام تكنولوجيا سلسلة الكتل فقط في صفقة قيمتها 100 مليون دولار استرالي (73.16 مليون دولار أمريكي) تهدف إلى اختبار كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحسن ممارسات بيع السندات المعمول بها منذ عقود، وأوضح كومنولث بنك أوف استراليا، المدير الوحيد للعملية، في بيان إن السندات الصادرة لأجل عامين، جرى تسعيرها بعائد 2.251 بالمئة وستجري في فترة قادمة، ويُنظر إلى العملية التجريبية كخطوة أولية للانتقال بمبيعات السندات من نمطها التقليدي صوب نظام آلي أسرع وأقل تكلفة.

وكثيرا ما يستخدم البنك الدولي، الحاصلة سنداته على تصنيف AAA، قدرته على الاقتراض للمساعدة في تطوير أسواق جديدة للسندات وكذلك لتحقيق الريادة في أساليب جديدة لبيع وتداول الأوراق المالية، ويصدر البنك ما بين 50 و60 مليار دولار سنويا من السندات لدعم التقدم الاقتصادي في الدول النامية، واستراليا موقع اختبار مألوف لأحدث التطورات في السوق بسبب بنيتها التحتية الراسخة وقبول المستثمرين العالميين للدولار الاسترالي كأحد أكثر العملات تداولا في العالم.

من جهة أخرى اوضحت مؤسسة للاستثمار المسؤول غير هادفة للربح إنها تسعى لابتكار أداة تستخدم تقنية سلسلة الكتل لتتبع التزامات الشركات من أجل المساهمة في الكشف عن منتهكي تعهداتهم الأخلاقية، وتأتي الخطة في وقت يتسع فيه نطاق قطاع الاستثمار الأخلاقي خارج مراكزه الرئيسية في أوروبا وأمريكا الشمالية لتصدر حكومات مثل إندونيسيا سندات خضراء للمرة الأولى هذا العام. وذكر بليك جود الرئيس التنفيذي لمؤسسة التمويل والاستثمار المسؤول التي مقرها لندن إن المؤسسة ستعمل مع مجموعة تضم 23 مشاركا آخرين لتطوير تلك الأداة على مدى العام القادم.

وان”المنصة مصممة بحيث تكون مولدة للإيرادات كمشروع اجتماعي يموله المستخدمون بطريقة تبقي البيانات مفتوحة ومتاحة من أجل الصالح العام“. وأضاف أن استخدام سلسلة الكتل، وهي التقنية التي تقوم عليها العملات المشفرة، سيساعد في تحديد الممارسات الآخذة بالتجذر في قطاع التمويل المسؤول وإرشاد الوافدين الجدد في هذا المجال، وإن هذا سيوفر وسيلة لرصد التزامات القطاع المالي ومدى تحولها إلى أفعال. كما سيساعد هذا النظام أيضا في الحد من ممارسات بعض الشركات التي تدعي التزاما أخلاقيا أو بيئيا لا يصدقه الواقع.فضلا عن ان ”معظم المؤسسات المالية تريد إحداث أثر إيجابي وتتخذ خطوات للقيام بذلك لكنها جهودها تقوضها بضع مؤسسات تستغل عدم شفافية الالتزامات والإجراءات“. وكشف تقرير أعدته مجموعة خبراء من الاتحاد الأوروبي أن غياب المعايير المتفق عليها لمنتجات التمويل الأخضر يعرقل تطور السوق.

وعلى الرغم من كل هذا الا انه لايزال الكثير من المستثمرين يرون في العملات الرقمية خطراً وبيئة لاتزال يلفها الغموض ، فقد نشرت شركة "سايفر تريس" تقرير حول مكافحة استغلال العملات الرقمية في غسل الأموال، وأكد التقرير أن القراصنة تمكنوا من سرقة 927 مليون دولار من منصات تداول العملات الرقمية في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2018، ليصل حجم المبلغ المسروق في العام بأكمله إلى مليار دولار. وهذا ماقد يجعل النظرة المتفائلة حول العملات الرقمية تتراجع في السنوات القادمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0