يعتقد الكثيرون انه من المبكر الحديث عن حدوث نهوض اقتصادي في لبنان نظراً للانعكاسات السلبية التي سببتها السياسة والتوترات الأمنية الإقليمية طيلة الخمس سنوات الماضية، فإن الدولة والحكومة خصوصا، تحاول قدر الإمكان تحسين النشاط الاقتصادي مع استمرار حالة الترقب والتريث السائدة في أوساط المستثمرين وما يرافقها من تأجيل للقرارات الاستثمارية الكبرى. سيما مع تفاقم معدلات الدين العام الذي وصل الى 155% وارتفاع معدل البطالة الى 34% لفئة الشباب، تزامناً مع تراجع الاستثمارات الاجنبية التي وصلت الى 2.35 مليار دولار عام 2016 بعد ان كانت 4.85 مليار دولار عام 2010.

فقد افاد البنك الدولي في تقريره المرصد الاقتصادي اللبناني 2018 إن إطار المخاطر الخاص بلبنان يرتفع ”بشكل حاد“، وأن فائدة بعض الأدوات التي يستخدمها المصرف المركزي تُستنفَد بعد سنوات من التطبيق، وذكر التقرير أن مصرف لبنان المركزي استجاب ”من خلال تعزيز مخزونه من احتياطيات النقد الأجنبي وإطالة آجال استحقاق الودائع والحد من السيولة المتاحة“، وبعد مرور نحو ستة أشهر على الانتخابات البرلمانية، لم يتفق السياسيون اللبنانيون حتى الآن على حكومة وحدة يمكنها الشروع في إصلاحات اقتصادية تشتد إليها الحاجة. وحذر سياسيون من أزمة اقتصادية ما لم يتم تشكيل حكومة قريبا.

ويعاني لبنان من ثالث أكبر نسبة للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم إلى جانب ركود اقتصادي وما وصفها صندوق النقد الدولي بأنها مواطن ضعف متزايدة في نظامه المالي، وتحتاج البلاد إلى الإصلاحات لخفض العجز في الموازنة وفي ميزان المعاملات الجارية وتقليص اعتمادها على عمليات البنك المركزي التي وصفها صندوق النقد بأنها غير تقليدية، كما ذكر تقرير البنك الدولي أن من المتوقع أن تواصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الارتفاع ”في مسار غير مستدام“ لتقترب من 155 بالمئة بحلول نهاية 2018.

وأضاف ”يرتفع إطار المخاطر الخاص بلبنان بشكل حاد في ظل اجتماع عدد من العوامل المحلية والعالمية السلبية، بما في ذلك الظروف النقدية العالمية“. وتابع ”يتم تسليط الضوء على الإصلاحات في الأوضاع المالية وقطاع الكهرباء كأولويات“. وأشار البنك الدولي إلى أنه عدل توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في 2018 بالخفض إلى واحد بالمئة من اثنين بالمئة، موضحاً إن توقف الإقراض المدعوم من المصرف المركزي أدى إلى تأثر الاقتصاد الحقيقي بشكل كبير.

ومن المرجح أيضا أن يؤدي تشكيل حكومة جديدة وبرنامج الإصلاحات إلى ضخ استثمارات في البنية التحتية بأكثر من 11 مليار دولار جرى التعهد بها في مؤتمر المانحين في باريس في أبريل نيسان. واضاف البنك الدولي أن ”إمكانات لبنان في استعادة ثقة شعبه ومستثمريه واضحة“ بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في مايو أيار. كما رجح البنك أن يستفيد لبنان من إعادة فتح معبر نصيب الحدودي المهم بين سوريا والأردن في الآونة الأخيرة، غير أن آمال تشكيل حكومة جديدة سريعا والدفعة الإيجابية من مؤتمر المانحين في باريس انحسرتا بعد أسابيع من الخلافات السياسية.

كما اشار البنك الدولي الى ان ”اجتذاب رأس المال الكافي، وعلى وجه الخصوص الودائع، لتمويل حالات العجز في الميزانية والحساب الجاري، يبرهن على أنه أمر صعب في ظل تباطؤ نمو الودائع، خاصة في ضوء ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية“. وأضاف ”ثمة فراغ شبه كامل على صعيد المبادرة الحكومية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية الكلية. ”وبدلا من ذلك، فإن التدخلات المتزايدة القوة لمصرف لبنان والتي يسعى من خلالها لإدارة التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجه البلاد في حال نجاحها لا تمثل سوى حلا مؤقتا وهي لا تخلو من مخاطر مالية كلية إضافية“.

القطاع العقاري قاب قوسين من الانهيار

مبان قيد الانشاء مهجورة، أبراج فارغة وعمارات ارتفعت اعمدتها فقط، أمثلة عن مشاريع عقارية توقف بناؤها أو الاقبال على شرائها، في ظل أزمة تهدد بانهيار قطاع لطالما شكّل أبرز ركائز الاقتصاد المتداعي أساساً في لبنان. اذ شهد القطاع العقاري طفرة غير مسبوقة بين العامين 2008 و2011، أدت الى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، قبل أن يتوقف النشاط مع اندلاع النزاع في سوريا المجاورة. وتراجع الطلب محليا، وأحجم المغتربون اللبنانيون والخليجيون الأثرياء، الذين كانوا في أساس هذه الطفرة، عن الشراء جراء الأزمات السياسية المتلاحقة والاضطرابات الأمنية على وقع النزاع السوري. وأضيف الى ذلك تراجع أسعار النفط منذ العام 2014.

وجراء هذا الجمود، لا تجد آلاف الشقق السكنية التي تم بناؤها خلال السنوات الماضية من يشتريها، واضطر كبار المطورين العقاريين الى وقف العمل في مشاريع ضخمة كان بوشر العمل فيها مع بداية الأزمة، ويقدر الخبير العقاري لدى شركة رامكو للاستشارات العقارية غيّوم بوديسو وجود "نحو 3600 شقة غير مباعة حالياً في بيروت الإدارية وحدها". ويمكن معاينة هذا الواقع من خلال جولة ميدانية على بعض المشاريع. في مقابل مرفأ بيروت، يشرف مبنى "الساحل" الفخم على البحر والسفن الراسية هناك. ورغم انتهاء عملية بنائه في العام 2014، تم بيع شقتين فقط من اجمالي 21، مساحة كل واحدة منها 500 متر مربع.

ولا تسري حالة الجمود في القطاع العقاري على العاصمة فحسب. في محافظة النبطية (جنوب) مثلاً، انخفضت المبيعات بنسبة 19,2 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2017، وكذلك في محافظة الشمال، حيث تراجعت بنسبة 19,4 في المئة خلال الفترة ذاتها، وفق احصاءات السجل العقاري، وعلّق المصرف المركزي منذ مطلع العام منح قروض سكنية مدعومة لذوي الدخل المحدود، في خطوة يثير استمرارها المخاوف ازاء أزمة سكن خصوصاً في صفوف الشباب وكذلك تراجع الطلب المتباطىء أساساً، وتزامن رفع الدعم عن القروض السكنية مع ارتفاع معدلات الفوائد المصرفية، جراء عدم الاستقرار السياسي مع الفشل في تأليف حكومة منذ ستة أشهر، والمخاوف من انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية. وتتخطى نسبة الفوائد راهناً 10 في المئة، الأمر الذي يخفف من الاقبال على الاقتراض.

ويثير احتمال حدوث تدهور اضافي في القطاع العقاري، المخاوف على القطاع المصرفي، الذي يعدّ أيضاً من الدعامات الرئيسية للاقتصاد اللبناني، ويشير مصدر مصرفي الى حصول تأخير في تسديد الديون العقارية لصالح المصارف التي تقوم بإعادة جدولة البعض منها، في وقت يتعين على المطورين العقاريين والمشترين تسديد نحو 24 مليار دولار للمصارف، ما يشكل أكثر من ثلث القروض الممنوحة للقطاع الخاص، وفي مسعى لتفادي سيناريو كارثي، أطلق مصرفيون وشركات عقارية منصة للاستثمار العقاري بقيمة 250 مليون دولار في مرحلة أولى، هدفها شراء عدد من الشقق التي تعثّر بيعها، الا أن الاستثمارات المتوقعة تشكل أقل من عشرة في المئة من اجمالي الشقق غير المباعة في بيروت وحدها والمقدرة قيمتها، وفق ما يوضح وائل الزين المدير العام لـ"لوسيد انفستمنت بنك" المشاركة في المنصة، ما "بين 2,5 و3,5 مليار دولار".

المركزي اللبناني : خطر الدين العام في تزايد مستمر

صرح النائب الثاني لحاكم مصرف لبنان المركزي إن لبنان فشل في تبني خطوات لخفض العجز الهائل في الميزانية والدين العام في الوقت الذي يجد فيه قادته صعوبة في تشكيل حكومة، واضاف سعد عنداري خلال مؤتمر في أبوظبي إن الانضباط المالي لم يبدأ كما كان مأمولا مضيفا أن الجمود السياسي عطل العملية. اذ يبلغ العجز في ميزانية لبنان نحو عشرة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. يذكر انه قد تعهد المانحون الدوليون خلال اجتماع في باريس باستثمارات تتجاوز 11 مليار دولار لكنهم طالبوا بدلائل على تطبيق إصلاحات اقتصادية أولا. وفي ذلك الاجتماع تعهد الحريري بخفض العجز بنسبة خمسة بالمئة على مدى خمس سنوات.

كما اضاف عنداري إن لبنان بموارده المحدودة لا يمكنه الاعتماد على الزراعة أو الصناعة لتحقيق النمو بل يحتاج إلى اقتصاد قائم على المعرفة باستثمارات في مجالات من بينها تكنولوجيا المعلومات، وتابع أن الاقتصاد ينمو في نطاق بين واحد وثلاثة بالمئة لكنه يتحمل عبء 1.5 مليون لاجئ سوري دون مساعدة دولية تذكر، وأن ذلك تسبب في توترات بسوق العمل حيث يعاني اللبنانيون أنفسهم من تزايد معدلات البطالة، وتوقع أن يبدأ لبنان التنقيب عن الغاز بنهاية 2019 وهو ما سيستغرق ما بين ثلاث وأربع سنوات وذلك عن طريق كونسورتيوم تقوده شركة النفط الفرنسية العملاقة توتال. وكانت السلطات اللبنانية وافقت على خطة تنقيب قدمها كونسورتيوم مكون من توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية.

من جهة اخرى ذكر رياض سلامة حاكم مصرف لبنان المركزي إن البنك سيتمسك بعملياته المالية في 2019، مضيفا أن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية يمثل مبعث قلق لصانعي السياسات في البلد المثقل بالديون. وشجع النظام المالي في لبنان البنوك التجارية على إيداع العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي سعيا للحصول على عوائد مرتفعة، في الوقت الذي يسعى فيه سلامة للحفاظ على مستويات مرتفعة للاحتياطيات الأجنبية للدفاع عن ربط الليرة اللبنانية بالدولار، ونتيجة لهذا، توقفت البنوك التجارية تدريجيا عن المشاركة في العطاءات الأسبوعية لأذون الخزانة مما اضطر البنك المركزي لشراء الدين الحكومي، متكبدا خسائر تتمثل في الفارق بين الفائدة التي يحصل عليها من تلك الأذون والفائدة المرتفعة التي يدفعها للبنوك التجارية للحفاظ على تدفق الأموال إليه. الا ان وكالة موديز للتصنيف الائتماني قرعت بعض أجراس الخطر حين غيرت نظرتها المستقبلية للبنان إلى سلبية بالنظر إلى زيادة المخاطر على وضع السيولة الحكومية والاستقرار المالي في البلاد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0