حرب تجارية سياسية كلامية اندلعت بين المارد الصيني والقطب الاميركي الذي وبإدارة رئيسه ترامب يبادر لتوجيه اتهامات خطيرة غير مسبوقة لبكين، والصين ترد على كل خطوة تقوم بها واشنطن بخطوة معاكسة، حيث تعتزم واشنطن زيادة الرسوم على السلع الصينية بقيمة إجمالية تعادل 200 مليار دولار، بينما تدعو بكين واشنطن إلى العودة إلى "الحس السليم" ولا تستبعد اتخاذ إجراءات تقييدية جوابية بحق الصادرات الأمريكية.

وتبادل كل من الصين والولايات المتحدة، أكبر اقتصادين في العالم فرض رسوما على واردات الآخر في حرب تجارية متصاعدة هزت الأسواق العالمية وأثارت المخاوف من تباطؤ في الاقتصادات العالمية والطلب على السلع الأولية العام القادم.

يرى المحللون الاقتصاديون انه لا يوجد أطراف فائزة من الحرب التجارية فالجميع مهدد بالخسارة، وسيحاول الطرفان هنا ضمان البقاء وتحقيق مكاسب مالية على حساب الطرف الآخر وهذا ما بدأت الصين القيام به بالفعل ردا على موقف أمريكا بفرض رسوم جمركية على بضائعها، ومن المتوقع أن تتأثر عدد من الشركات الكبرى والصادرات بهذه الحرب مثل ما سيحدث في حبوب الصويا الأمريكي الذي تعتمد عليه الصين كمصدر رئيسي للغذاء تستورده من أمريكا بنسب كبيرة وتصل القيمة لأكثر من 12.3 بليون.

ويبقى هناك سؤال رئيسي يلوح في الأفق الآن، أكثر من أي وقت مضى، وهو عندما يدخل أكبر اقتصادين في العالم في حرب تجارية، كيف يمكن الخروج منها؟

في الوقت الذي أظهرت فيه الدولتين القليل من الاستعداد للتراجع على مدار الأسابيع القليلة الماضية، فقد دخلت الحرب التجارية بين أمريكا والصين أخطر منعطف لها منذ بداية المناوشات بينهما، إذ بدأ سريان أكبر جولة للرسوم الجمركية بين البلدين، والتي تعد الأكبر بين أي بلدين في العالم، حيث يخضع الآن أكثر من 300 مليار دولار من التبادل التجاري بينهما لرسوم جمركية كبيرة تزيد الضغوط عليهما وتضع العالم على شفا موجة من الركود التضخمي.

لكن يرى خبراء التجارة أنه مع عدم القدرة على الوصول إلى حل تفاوضي في إطار منظمة التجارة العالمية، فإن الضرر الاقتصادي والسياسي للنزاع بين الصين والولايات المتحدة سوف يزداد على الأرجح. فبالنسبة إلى كل من القيادة الصينية وترامب، أصبح الإعلان عن فرض التعريفات المتبادلة، تمرينًا على استعراض العضلات بين القوتين السياسيتين. وأنه ما لم يتفاوض الطرفان على حل، لا يبدو أن هناك طريقة لتراجع أي منهما وحفظ ماء الوجه، وعلى المدى الطويل، قد تكون الاختيارات المتاحة هو الاعتراف بالهزيمة وهو خيار غير محتمل. ويبقى الخيار الثاني وهو عقد اتفاق بين الدولتين لحفظ ماء الوجه، وهو الحل الأكثر احتمالا، خاصة إذا ما ارتفعت الكلفة الاقتصادية للخلاف.

بينما يتفق اغلب المحللين الاقتصاديين، على أنه يمكن للحروب التجارية فيما لو ذهبت بعيدا، أن تحدث بحد ذاتها ضررا جادا في اقتصادات كل الدول المشاركة فيها، أي في منظمة التجارة العالمية، ويمكن أن يؤدي إلى انهيار جديد في البورصات وإلى أزمة مصرفية عالمية كما حدث في عام 2008، ومع ذلك فإن الخطر الرئيسي هو (الانهيار المحتمل لنظام الدولار نفسه) وقد قام «ترامب» بإرادته الخاصة بالخطوة الأولى نحو ذلك!

وأن العالم واقتصاده لا يزالان يعيشان تبعات تلك الأزمة، فيأتي الرئيس الأمريكي بإجراءاته الأخيرة ضد الصين وروسيا، ليشعل فتيلها الخامد مجددا! ما يعني التسبب في تأثيرات لاحقة على البورصات العالمية وعلى سوق العملات! إلى جانب التسبب في زيادة التضخم العالمي! حيث الاقتصاد العالمي أصبح مفتوحا على بعضه في ظل (العولمة الاقتصادية والتجارية) التي يتم ضربها من أمريكا المتحكمة فيها! وحيث هناك على مستوى العالم (بنوك مركزية رئيسية) تعمل في ظل (خطوط ائتمانية مفتوحة وغير محدودة بينها) إلى جانب التنسيق، لمنع حدوث تغييرات غير قابلة للسيطرة في أسعار صرف العملات.

ويبدو أن الولايات المتحدة المتجهة إلى التصعيد في العديد من الملفات الدولية والإقليمية تلجأ على المستوى الاقتصادي والتجاري إلى سياسة (عليّ وعلى أعدائي) فيما الدول الملتزمة بهذا الاقتصاد الرأسمالي العولمي قد تكون أكبر الضحايا!.

لجان تجارية للفصل في نزاعات الرسوم الامريكية

قال مسؤول تجاري في جنيف إن الولايات المتحدة ومعارضي الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصلب والألومنيوم أكدوا رغبتهم في التقاضي، مما يطلق عملية عقد جلسات بشأن النزاعات في منظمة التجارة العالمية، وأكدت الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك والنرويج وروسيا أنهم سيصعدون نزاعاتهم عبر بدء إجراءات تحكيم، فيما أكدت الولايات المتحدة رغبتها في تشكيل لجان للفصل في النزاعات مع كندا والصين والاتحاد الأوروبي، وردا على كل معارضة لرسوم الصلب والألومنيوم، أبلغ مسؤول أمريكي الاجتماع قائلا ”لا تستطيع الولايات المتحدة احترام هذا المستوى من الرياء“، بحسب نسخة مطابقة لأصل تعليقات حصلت عليها رويترز.

وتقول واشنطن إن الرسوم على المعادن التي فرضها ترامب في مارس آذار إجراء يتعلق بالأمن القومي، ولذا فإنها مستثناة من قواعد منظمة التجارة العالمية، وقال المسؤول الأمريكي ”مخالفة الحق السيادي في تحديد ما هو مهم للمصالح الأمنية، في حد ذاتها، تتناقض تحديدا مع إصلاحات منظمة التجارة العالمية التي تعد ضرورية للحفاظ على أهمية تلك المنظمة“.

وتعارض دول أخرى، قائلة إن الإجراءات تخفي وراءها بشكل هزيل للغاية حماية تجارية تضر منافسي الولايات المتحدة على المستوى العالمي، وإن على واشنطن أن تعوضهم عن الضرر، وإنهم فرضوا رسوما مضادة ردا على ذلك.

وتهدف قواعد منظمة التجارة العالمية إلى تسوية النزاعات سلميا قدر الإمكان، من خلال تشجيع الدول على تعديل سياساتها بما يتماشى مع القواعد، بدلا من التقاضي، ومن المرجح أن يتم تأكيد طلبات مماثلة من تركيا بحق الولايات المتحدة ومن الولايات المتحدة بحق المكسيك في وقت لاحق، كما وافقت منظمة التجارة العالمية أيضا على طلب أمريكي لتشكيل لجنة فصل في النزاعات للبت في شكوى أمريكية بخصوص حقوق الملكية الفكرية ضد الصين.

تشاؤم حيال الاقتصاد العالمي

خفضت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الأربعاء وللمرة الثانية خلال شهرين توقعاتها للنمو العالمي عام 2019 داعية الدول للاستعداد ل"أوقات أكثر صعوبة" وتعزيز التعاون بينها بوجه مخاطر كثيرة أبرزها الحرب التجارية الجارية.

وكما في أيلول/سبتمبر، خفضت المنظمة بمقدار 0,2 نقطة توقعاتها للنمو العالمي إلى 3,5%، بعدما كانت تتوقع نسبة 3,9% في حزيران/يونيو، وبذلك أكدت تباطؤ النمو العالمي رغم أنها أبقت توقعاتها للسنة الجارية عند 3,7% بعدما خفضتها بشكل طفيف بمقدار 0,1 نقطة في أيلول/سبتمبر.

ولاحظت رئيسة قسم الاقتصاد في المنظمة لورانس بون أن "الهبوط بشكل ناعم لطالما كان عملية دقيقة، لكنها على قدر خاص من الصعوبة اليوم"، مشيرة إلى تراكم المشاكل في الأفق، وعددت المخاطر الثلاث الكبرى التي سبق أن ذكرتها في أيلول/سبتمبر، وهي التوتر التجاري وزيادة أقوى من المتوقع لمعدلات الفائدة الأميركية ستؤثر سلبا على الدول الناشئة، وتباطؤ كبير للاقتصاد الصيني.

وإزاء مخاطر تراجع أكثر حدة من المتوقع للنمو العالمي، دعت المؤسسة الحكومات إلى "تعزيز تعاونها والاستعداد لأوقات أكثر صعوبة" ولا سيما للرد بشكل منسق من خلال "الإنعاش المالي"، وأبقت المنظمة على توقعاتها للاقتصاد الأميركي الذي سيواصل إحدى أطول دورات النمو في تاريخه بوتيرة 2,9% هذه السنة و2,7% السنة المقبلة.

في المقابل، خفضت توقعاتها لمنطقة اليورو التي لن يتخطى نموها 1,9% هذه السنة و1,8% عام 2019، وفي الحالتين أقل بـ0,1 نقطة من توقعات أيلول/سبتمبر، وفي أوروبا، تتوقع المنظمة أن تشهد ألمانيا وفرنسا هذه السنة والسنة المقبلة نموا مماثلا بنسبة 1,6%، والواقع أن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي خفضت بشدة توقعاتها لاكبر اقتصاد في منطقة اليورو بنسبة 0,3 نقطة هذه السنة و0,2 نقطة عام 2019، بعد تراجع إجمالي الناتج الداخلي الألماني بشكل مفاجئ بمقدار -0,2 نقطة في الفصل الثالث.

وإن كانت المنظمة أبقت على توقعاتها لفرنسا للعام الجاري، إلا أنها خفضتها بنسبة 0,2 نقطة للعام المقبل، أما بالنسبة للصين، فقد خفضت المنظمة توقعاتها بشكل طفيف إلى 6,6% لهذه السنة و6,3% عام 2019، بمقدار 0,1 نقطة في الحالتين، وأبقت المنظمة على توقعاتها لبريطانيا بمستوى 1,3% للعام الجاري، رافعة أرقامها للعام 2019 الذي ستنفذ خلاله عملية بريكست إلى 1,4%.

تزايد حدة الخلاف بين بكين وواشنطن

أخفق زعماء منطقة آسيا والمحيط الهادي في التوصل لاتفاق بشأن صياغة بيان ختامي لقمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبك) في بابوا غينيا الجديدة يوم الأحد في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة بعد أن عرقلت الخلافات الحادة بين الصين والولايات المتحدة بشأن التجارة والاستثمار مسار التعاون.

وتسلطت الأضواء خلال القمة على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة في منطقة الهادي عبر إطلاق واشنطن وحلفاء غربيين لرد منسق على مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وقال بيتر أونيل رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة يوم الأحد في مؤتمر صحفي في ختام القمة ردا على سؤال عن الدول التي لم تتمكن من الاتفاق من بين الأعضاء وعددهم 21 دولة ”أنتم تعرفون. العملاقان في القاعة“، وأضاف أونيل، الذي ترأس القمة، أن نقطة الخلاف الرئيسية كانت تدور حول إدراج منظمة التجارة العالمية والإصلاح المحتمل لها في البيان الختامي، وقال ”أبك ليس لها سلطة على منظمة التجارة العالمية، هذه حقيقة، تلك الأمور يمكن أن تطرح في منظمة التجارة العالمية“.

ويتداعى نظام التجارة متعددة الأطراف الذي تأسست أبك في عام 1989 لحمايته تحت وطأة مساعي الهيمنة الصينية في المحيط الهادي والرسوم الجمركية الأمريكية التي وترت العلاقات في المنطقة وقسمت الولاءات.

وقال أونيل إن بلاده بصفتها المستضيفة لأبك ستصدر بيانا من الرئيس بشأن القمة لكن لم يتضح متى سيتم ذلك، ولم يحضر الرئيسان الأمريكي والروسي القمة. وحضر مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي، ووصل الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الخميس وحظي باستقبال حار وحفاوة من مسؤولي بابوا غينيا الجديدة. كما أثار حفيظة الغرب يوم الجمعة عندما اجتمع بقادة البلاد لدفع مبادرة الحزام والطريق.

وفي المقابل قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها وهم اليابان واستراليا ونيوزيلندا يوم الأحد بالرد على المبادرة الصينية من خلال التعهد بتمويل مشترك تبلغ قيمته 1.7 مليار دولار لمشروع توفير الكهرباء والإنترنت في بابوا غينيا الجديدة.

وقال دبلوماسي مطلع على المفاوضات إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين كان ظاهرا خلال الأيام الماضية وتفجر عندما اعترض وزير خارجية الصين وانغ يي خلال استراحة للزعماء على فقرتين في مسودة البيان التي اطلعت عليها رويترز.

ونصت إحدى الفقرتين على رفض ”الممارسات التجارية غير العادلة“ وإصلاح منظمة التجارة العالمية فيما كانت الفقرة الثانية تتحدث عن التنمية المستدامة، وقال بنس في تعليقات يوم السبت إن بلاده لن تتوقف عن فرض رسوم جمركية على سلع صينية قيمتها 250 مليار دولار حتى تغير بكين أساليبها، وذكر بنس، لدى مغادرته بورت مورزبي عاصمة بابوا غينيا الجديدة، عددا من الخلافات الأمريكية الصينية.

وقال للصحفيين الذين سافروا معه ”يبدأون في ممارسات تجارية وفرض رسوم جمركية وقيود، ونقل قسري للتكنولوجيا، وسرقة الملكية الفكرية. ويتخطى الأمر ذلك ليصل إلى حرية الملاحة في البحار ومخاوف بشأن حقوق الإنسان“.

الاتحاد الأوروبي وإصلاح منظمة التجارة العالمية

دعت المفوضة الأوروبية للتجارة سيسيليا مالمستروم الجمعة الصين إلى الالتزام إلى جانب أوروبا في إصلاح منظمة التجارة العالمية، في مواجهة خطر فرض الولايات المتحدة بالتوازي نظامها التجاري الخاص.

وأكدت المفوضة في مداخلة لها في باريس أثناء مؤتمر حول إصلاح المنظمة، أن "الصين استفادت كثيراً من منظمة التجارة العالمية وندعوها إلى الالتزام إلى جانبنا لاصلاح وتحديث النظام، بهدف خلق شروط منافسة صحية".

وأضافت مالمستروم "إذا لم يحصل ذلك، فإن الولايات المتحدة ستخلق قواعدها الخاصة خارج النظام"، ودعت المفوضة إلى جانب وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير والمدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبيرتو أزيديفو إلى تعديل قواعد التجارة العالمية، فقالت "القواعد بحاجة إلى تحديث. عندما وضعناها في العام 1995، كان هناك نظام اقتصادي آخر في ذهننا. وتابعت "اليوم لم يعد مطابقاً للواقع".

وشددت المفوضة من دون تسمية الصين مباشرة على ضرورة تغيير ممارسات غالباً ما تُتهم الصين بها، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأشارت إلى "أننا بحاجة إلى معالجة التشوّهات (...) التي تسببها بعض الممارسات مثل المساعدات المقدمة إلى الصناعة ودور الدولة في المؤسسات العامة والنقل القسري للتكنولوجيا".

وذكر لومير من جهته بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا بنفسه إلى إصلاح المنظمة في خطاب ألقاه في منظمة التنمية والتعاون في الميدان الاقتصادي في أواخر أيار/مايو، ودعا الوزير في مداخلته إلى إصلاح "سريع وملموس وطموح" لمنظمة التجارة العالمية محذراً من دخول العالم في "حرب تجارية باردة" بين الصين والولايات المتحدة.

وأكد لومير الذي انتقد العقوبات التجارية التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، "أننا اليوم في وضعية حرب تجارية باردة بين الولايات المتحدة والصين، وهي خطيرة بالنسبة لاقتصادنا وبالنسبة للنمو ولوظائفنا. يجب الخروج منها".

وقال "هناك استجابة خاطئة، هي الردّ القاسي أكثر فأكثر الذي سيجعلنا ننتقل من حرب تجارية باردة إلى حرب تجارية فعلية مفتوحة". ورأى أن بين الحربين "ليس هناك في الوقت الحالي إلا خطوة واحدة. أتمنى أن نتجنّب تخطيها".

وحذّر لومير من أن "هذه الحرب التجارية المفتوحة ستكون بمثابة انتحار اقتصادي للعالم بأسره". وأضاف "ليس هناك إلا خاسرين في هذه الحرب التجارية. هي غير مبررة وغير قابلة للتبرير وهي ببساطة غبية".

واعتبر الوزير أن الردّ الصحيح "هو التعددية" التي اقترحها ماكرون والتي من المفترض أن تتجسد عبر عملية "تحويل منظمة التجارة العالمية"، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا في منظمة التنمية والتعاون في الميدان الاقتصادي إلى "تشخيص"، "اختلالات النظام الحالي" وإلى وضع خارطة طريق يمكن إعدادها خلال قمة مجموعة الدول العشرين التي ستُعقد في نهاية الشهر الجاري في بوينوس أيرس، وردّت الصين آنذاك بإيجابية على هذه الدعوة وقالت إنها "مستعدة للعمل" مع كل أعضاء منظمة التجارة الدولية لكي تصبح قواعدها "أكثر انفتاحاً وشمولية وشفافية وغير تمييزية".

عودة التوتر على خلفية قمة آبيك

تستضيف بور موريسبي في عطلة نهاية الأسبوع قمة تضم قادة آسيا والمحيط الهادىء، على خليفة توتر هذه السنة جراء الصراع على النفوذ بين الصين الأكثر حضورا في المنطقة والولايات المتحدة الغائبة عنها.

واختار الرئيس دونالد ترامب عدم المشاركة شخصيا في القمة السنوية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك) وبعث نائبه مايك بينس ليمثله. ولن يمضي الأخير ولا ليلة في بور موريسبي المعروفة بانعدام الأمن فيها وسيتوجه إلى أستراليا.

وسيكون الفرق شاسعا مع مقاربة الرئيس الصيني شي جيبينغ الذي وصل الخميس الى عاصمة بابوا غينيا الجديدة حيث سيكون قد دشن جادة ومدرسة بتمويل صيني قبل بدء أعمال القمن وخصت بابوا غينيا الجديدة الوفد الصيني باستقبال رسمي وزينت الجادة الجديدة بالأعلام الصينية، وفي مقالة نشرتها الصحف المحلية قبل وصوله، تعهد الرئيس الصيني "إعطاء دفع جديد للتنمية المشتركة" بين الصين وبابوا غينيا الجديدة و"وتوطيد التعاون مع دول جزر المحيط الهادىء من خلال المبادلات التجارية والاستثمارات".

إصلاحات عاجلة في مواجهة إجراءات أمريكية

أعلن مسؤولون تجاريون بارزون من 12 دولة والاتحاد الأوروبي يوم الخميس دعمهم القوي لإصلاح قواعد منظمة التجارة العالمية في مواجهة إجراءات أمريكية تهدد فعليا بتعجيز المنظمة، وقال المسؤولون، في ختام اجتماع استمر يوما واحدا في العاصمة الكندية أوتاوا، إنهم يتشاطرون في ”تصميم مشترك من أجل إجراءات سريعة ومنسقة“ للتصدي للتحديات التي تواجه منظمة التجارة، وقال البيان الختامي ”الوضع الحالي في منظمة التجارة العالمية لم يعد قابلا للاستمرار. تصميمنا على التغيير يجب أن يكون مقرونا بإجراءات“.

وتعطل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين قضاة في منظمة التجارة وهددت بالانسحاب من المنظمة التي تسعى لضمان نظام عالمي للتجارة يلتزم بالقواعد، وقال البيان ”نحن قلقون بشدة بشأن التطورات الأخيرة في التجارة الدولية، خصوصا تزايد النزعة الحمائية التي تؤثر سلبا على منظمة التجارة العالمية وتضع النظام التجاري المتعدد الأطراف بكامله في خطر“، وبالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن الاجتماع ضم أيضا كندا والمكسيك واليابان والبرازيل واستراليا وسبع دول أخرى. ووافق المشاركون على الاجتماع مجددا في يناير كانون الثاني 2019 لمراجعة التقدم.

وغاب عن الاجتماع الولايات المتحدة والصين اللتان تسببت حربهما المتصاعدة بشأن الرسوم الجمركية في إلقاء شكوك على مستقبل المنظمة التي تأسست قبل 23 عاما، وقال البيان إن المشاركين اعترفوا بالحاجة إلى تغييرات في نظام تسوية النزاعات لمنظمة التجارة العالمية الذي لا يحظى بشكل خاص برضا الولايات المتحدة، لكنهم قالوا إنهم يشعرون ”بقلق عميق“ من أن المناصب القضائية الشاغرة تمثل خطرا على منظومة منظمة التجارة العالمية ككل، ولم يشر البيان بشكل مباشر الى إجراءات الولايات المتحدة لتعطيل مثل هذه التعيينات، وقال البيان ”نعترف بالمخاوف التي اثيرت بشأن أداء نظام تسوية النزاعات لوظائفه ونحن جاهزون للعمل على حلول“، وقال المسؤولون أيضا إنهم يعترفون ”بالحاجة إلى معالجة تشوهات السوق التي يسببها الدعم وأدوات أخرى“ في إشارة إلى شكاوى الولايات المتحدة وبعض الاقتصادات الغربية الأخرى من أن القواعد الحالية لمنظمة التجارة لمناهضة الدعم تفشل في الإمساك بكل الوسائل التي تستخدمها حكومة الصين لدعم صناعاتها وشركاتها المملوكة للدولة.

الدافع الحر ضد الحمائية الأميركية

شدد الأوروبيون على أهمية التبادل التجاري الحر، في هجوم واضح على سياسة "أميركا أولا" التي يعتمدها دونالد ترامب، وذلك خلال قمة عقدت في بروكسل جمعت قادة الإتحاد الاوروبي مع قادة 21 دولة آسيوية وروسيا.

وقالت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل في تصريح صحافي إن "القمة تكشف أن دول أوروبا وآسيا التي تريد جميعها تجارة عالمية قائمة على قواعد، تلتقي هنا لتعلن التزامها لصالح التعددية، الأمر الذي يشكل إشارة مهمة".

وأضافت ميركل "أعتقد أن بإمكاننا القول بشكل واضح إن العالم يعمل على إقامة أوضاع يكون فيها الجميع رابحين، عبر التأكيد بشكل واضح أن ما يفيد طرفا يمكن أن يفيد أيضا الطرف الآخر"، من جهته قال رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر "أكرر الإعراب عن الأمل بتقديم الدعم لجهود المنظمات المتعددة الطرف وخصوصا منظمة التجارة العالمية"، ويسعى الاوروبيون لايجاد حلفاء بوجه هجمات الرئيس الاميركي على منظمة التجارة العالمية، والذي يعتبر أن القواعد التي تتبعها متشددة جدا.

كما يسعى الأوروبيون الى إنقاذ الاتفاق الدولي حول المناخ الذي انسحبت الولايات المتحدة منه في حزيران/يونيو 2017، وإنقاذ الاتفاق النووي مع طهران الذي انسحبت منه واشنطن في أيار/مايو الفائت، وكان الزعماء ال28 لدول الاتحاد الاوروبي التقوا في قمة مساء الاربعاء في بروكسل، قبل أن ينضم اليهم مساء الخميس نظراؤهم من 21 دولة آسيوية اعضاء في الحوار بين الاتحاد الاوروبي وآسيا، ورئيس الحكومة الروسية ديمتري ميدفيديف.

حروب التجارة والعملات وإصلاح القواعد العالمية

حذرت كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي يوم الخميس الدول من الانخراط في حروب التجارة والعملات التي تلحق الضرر بالنمو العالمي وتعرض أطرافا ”بريئة“ غير معنية للخطر، وحثت لاجارد خلال التدشين الرسمي للاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في منتجع جزيرة بالي الإندونيسية على ”تهدئة“ النزاعات التجارية وإصلاح قواعد التجارة العالمية بدلا من التخلي عنها.

وفرضت الولايات المتحدة والصين رسوما جمركية متبادلة على سلع بمئات المليارات من الدولارات خلال الأشهر القليلة الماضية، مما أثار قلق الأسواق المالية مع تخوف المستثمرين من أن تصاعد النزاع التجاري قد يؤثر سلبا على التجارة والاستثمار العالميين.

وانخفضت أسواق الأسهم في آسيا يوم الخميس لأدنى مستوى في 19 شهرا بعد أن تكبدت وول ستريت أسوأ خسائر في ثمانية أشهر الليلة الماضية مما أدى إلى عزوف واسع عن المخاطرة، لأسباب منها توترات التجارة العالمية وكذلك الزيادة السريعة في العائد على الدولار.

وقالت لاجارد في مؤتمر صحفي ”نأمل بالتأكيد ألا نتحرك في اتجاه حرب تجارية أو حرب عملات. سيلحق ذلك الضرر على كلا الصعيدين لجميع المشاركين“. وأضافت ”وسيكون هناك أيضا الكثير من غير المعنيين الأبرياء“ بما في ذلك الدول التي تورد السلع الأولية والمكونات إلى الصين مثل إندونيسيا.

وفي الأسابيع الأخيرة، أبدى مسؤولو وزارة الخزانة الأمريكية قلقهم حيال ضعف اليوان الصيني في الوقت الذي تعد فيه الوزارة تقريرها نصف السنوي بشأن التلاعب في العملات، ويتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين بتعمد التلاعب في عملتها لكسب ميزة تجارية، وهي اتهامات تنفيها الصين باستمرار، وشاركت لاجارد في الجدل بشأن العملة يوم الخميس وبدت منحازة إلى جانب الصين، قائلة إن ضعف اليوان مقابل الدولار مدفوع بقوة العملة الأمريكية مع زيادة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) لأسعار الفائدة، واليوان منخفض بوتيرة أقل أمام سلة عملات.

وقالت ”دعمنا تحرك الصين صوب مرونة (العملة) ونريد تشجيع السلطات للاستمرار على هذا المسار“، وخسر اليوان ما يزيد على ثمانية بالمئة في الفترة بين مارس آذار وأغسطس آب عندما كان قلق السوق في ذروته، لكنه قلص خسائره في الوقت الذي كثفت فيه السلطات إجراءات دعم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2