يبدو أن قضية مقتل الصحافي السعودية جمال خاشقجي كانت لها تداعيات على المملكة العربية السعودية، حيث بدا ذلك جليا في ظل غياب أبرز رجال الأعمال خلال منتدى مبادرة الاستثمار السعودي "دافوس الصحراء".

فقد استهدف منتدى استثمار سعودي استعراض المستقبل الجديد للمملكة بعيدا عن النفط، لكن الذهب الأسود وحلفاء قدامى هم من أنقذوا الحدث هذا الأسبوع من موجة غضب أثارها مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

ووقعت الرياض اتفاقات بعدة مليارات من الدولارات، هي بالأساس صفقات في قطاع الطاقة، على الرغم من مقاطعة المؤتمر من قبل عشرات من كبار السياسيين الغربيين والمصرفيين وكبار المسؤولين التنفيذيين الذي كان من المقرر أن يلقوا كلمات في المؤتمر، لكنه كان باهتا بالمقارنة مع المؤتمر الاستثماري الافتتاحي في 2017، حين جابت الروبوتات المكان مع تحويل المملكة تركيزها إلى التكنولوجيا الجديدة الواعدة وإعلانها عن خطط لبناء مدينة عملاقة مستقبلية باستثمارات 500 مليار دولار.

فيما الخبراء في الاقتصاد السعودي "خروج رؤوس الأموال ارتفع إلى حد كبير، بسبب تحويل السعوديين الأثرياء أموالهم إلى بنوك خارجية"، أن "هذا الأمر يعود إلى فقدان العديد من المستثمرين وغيرهم من رجال الأعمال السعوديين ثقتهم في السعودية، خاصة في ظل تصرفات ولي العهد السلطوية واعتماده على سياسة اقتصادية متقلبة".

لذلك، يمكن القول إن مقتل جمال خاشقجي على يد قتلة سعوديين على صلة بمحمد بن سلمان أدت إلى إماطة اللثام عن مشكلة كان المحللون للأوضاع السعودية على علم بها منذ أكثر من سنة، وهي القرارات السيئة التي يتخذها ولي العهد، والتي يهدف من خلالها إلى زرع الخوف في نفوس أصحاب النفوذ والأثرياء.

بينما يرى محللون اخرون انه على الرغم من أن محمد بن سلمان قد يتجاوز مشاكله السياسية التي ظهرت على خلفية قضية وفاة خاشقجي وبحسب المحللين فإن السبيل الوحيد الذي قد يقود ولي العهد للمضي قدما في مشاريعه الاقتصادية هو مضاعفة استثماراته في أفضل مناطق وادي السيليكون والمناطق التي تعمل على تطوير التكنولوجيا، وقد لا يفكر العديد من المستثمرين في الوقت الراهن في الاستثمار في المشاريع التي أطلقها ولي العهد.

وأوضح هؤلاء المحللون أنه حتى قبل ردة الفعل التي أبداها رجال الأعمال على مقتل خاشقجي، والتي أدت إلى غياب عشرات من كبار رجال الأعمال من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول عن مؤتمر "دافوس الصحراء"، كان ابن سلمان قد تعثر في المضي قدما نحو تحقيق خططه في "رؤية 2030" لتحويل السعودية من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد متنوع، وفشل ولي العهد في إبراز نفسه كمستثمر دولي، حيث استثمر الكثير من الأموال في العديد من الشركات العالمية خلال السنوات الأخيرة، علاوة على استثمارات صندوق الثروة السيادي السعودي في مجموعة كبيرة من الشركات الأميركية والأوروبية واليابانية، على غرار أوبر وسناب وصندوق رؤية سوفت بنك، لكن تلوح العديد من الأسئلة في الأفق بشأن مدى نجاح هذه الاستثمارات في استقطاب شركات عالمية للاستثمار في السعودية، بحسب مراقبين.

وعليه في حال استمر تراجع أسعار النفط إلى حدود سنة 2019، فمن المرجح أن يواجه محمد بن سلمان أزمة سيولة ويخسر العديد من الأصدقاء والحلفاء الذين كسب ودّهم من خلال ملياراته.

فيما يرى اخرون إن علاقات الغرب الفريدة والتاريخية والعميقة مع السعودية والحماية والرعاية التي تتمتع بها في الإعلام ودوائر صنع القرار تجعل هذه العلاقات في مأمن من تحولات جوهرية باتجاه اعتماد المملكة على شركاء آخرين خارج المنظومة الغربية بشكل أساسي. ولا يغلق ذلك توسيع نطاق علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وكوريا الجنوبية في إطار سعيها إلى تنويع مصادر دخلها وتحقيق هدفها القديم الجديد ألا وهو التخلص من التبعية للنفط.

الذهب الاسود ينقذ منتدى الاستثمار

أبلغ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بلومبرج في وقت سابق من الشهر الحالي أن الرياض ستعلن عن ”صفقة رائعة“ في منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار هذا العام، متعهدا ”بأرقام كبيرة“ في قطاع ”بعيد جدا عن النفط، لكن الجلسة النهائية اختتمت، دون أن يصدر مثل هذا الإعلان.

وقال أحد المشاركين في المؤتمر الاستثماري ”إنها عودة إلى الاقتصاد القديم بينما كان من المفترض أن تكون مبادرة مستقبل الاستثمار حول المستقبل. الاقتصاد القديم يأتي لإنقاذ الاقتصاد الجديد“، ووقعت المملكة 25 اتفاقا يوم الثلاثاء بقيمة تزيد عن 55 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والبنية التحتية والنقل.

ومن بين الإجمالي، وقعت شركة النفط الحكومية العملاقة أرامكو السعودية مذكرة تفاهم بقيمة 34 مليار دولار مع بعض شركائها القدامي مثل توتال الفرنسية وشركات الخدمات العالمية شلومبرجر وهاليبرتون وبيكر هيوز.

وفي رد على سؤال من الصحفيين عن تأثير مقتل خاشقجي على أرامكو، أجاب الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر بسؤال من جانبه قائلا ”كم قيمة ما وقعناه اليوم؟... كم قيمة ما وقعته أرامكو؟ 34 مليار دولار“.

وقال مشارك آخر في المؤتمر إن غياب استثمارات في التكنولوجيا العالية التقنية كان ”ملموسا“، وأضاف قائلا ”الأمر كان أشبه بأن على أرامكو الإنقاذ، أخرجوا صفقات قديمة... وضعوا (وزير الطاقة خالد) الفالح والناصر وتوتال على المنصة وجعلوهم يوقعون أشياء يعرفها بالفعل أولئك الذين لديهم معرفة بالطاقة“.

ووقعت توتال اتفاقات لإجراء دراسات هندسية لبناء مجمع للبتروكيماويات في الجبيل، حيث لديها بالفعل مشروع تكرير مشترك مع أرامكو على الساحل الشرقي للمملكة، كما وقعت الشركة أيضا اتفاقا بشأن استثمار محتمل في شبكة محطات لبيع الوقود مع أرامكو.

مقتل خاشقجي يلقي بظلاله على دافوس الصحراء

حين اجتمعت نخبة من رجال الأعمال العالميين العام الماضي لحضور أكبر منتدى استثمار سعودي، أثار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان انبهارهم بخطط لبناء مدينة عملاقة باستثمارات 500 مليار دولار.

في ذلك الوقت، كان يجول في أنحاء فندق ريتز كارلتون بالرياض رجال أعمال بارزون مثل ريتشارد برانسون، جنبا إلى جنب مع الزعيمين السياسيين السابقين توني بلير ونيكولا ساركوزي وكاتبة المقالات أريانا هافنجتون. وأكسبت قائمة الضيوف مبادرة مستقبل الاستثمار الاسم غير الرسمي ”دافوس الصحراء“ على الرغم من عدم ارتباط المؤتمر بالمنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا.

لكن حماس 2017 تحول إلى صدمة بعد بضعة أيام حين استخدم الأمير محمد فندق ريتز كسجن خمسة نجوم لأمراء ووزراء ورجال أعمال سعوديين كبار متهمين بالفساد، وفي سنة ما بين الحدثين، نال وريث العرش الأمير محمد الثناء لتخفيف قيود اجتماعية مثل حظر دور العرض السينمائي وقيادة المرأة للسيارات، ومن أجل جهوده لتنويع موارد اقتصاد المملكة بدلا من الاعتماد على النفط.

لكن بين المؤتمرين، يبدو أن الزخم صوب إجراء إصلاح عميق تراجع على عدة جبهات، فقد أُجلت خطط لطرح جزء من شركة النفط العملاقة أرامكو السعودية في أسواق الأسهم العالمية، والتي قال ولي العهد السعودي في مؤتمر العام الماضي إنها تمضي قدما صوب التنفيذ في 2019. وتواصل الرياض القول بأن الطرح ما زال سيجري لكن بحلول 2021، ومع تنامي الانتقادات لسياسات ولي العهد، وسعت السلطات حملة على المعارضة، مع اعتقال عشرات من النشطاء والمفكرين وعلماء الدين.

وقال الرئيس التركي إن هناك أدلة قوية على أن القتل ”الوحشي“ كان مخططا له، وإنه ليس مقتنعا بإلقاء الرياض اللوم على عدد من رجال المخابرات، وتطرق عدد من المتحدثين البارزين إلى مسألة مقتل خاشقجي، مع قول وزير الطاقة السعودي إنه أمر لا يمكن تبريره، ووصفت سيدة الأعمال السعودية البارزة لبنى العليان مقتل خاشقجي بأنه عمل فظيع ”غريب على ثقافتنا“ في كلمة افتتاحية قبل أن تدير نقاشا بين عدد من رؤساء صناديق الثروة السيادية.

اتفاقات بقيمة 56 مليار دولار وسط مقاطعة جزئية

قالت السعودية إنها وقعت اتفاقات قيمتها 56 مليار دولار خلال مؤتمر الاستثمار الذي عقد هذا الأسبوع، وتتوقع أن تظل الولايات المتحدة شريكا رئيسيا في الأعمال على الرغم من المقاطعة الجزئية للمؤتمر بسبب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

وقاطع أكثر من 20 من كبار المسؤولين والتنفيذيين من الولايات المتحدة وأوروبا المؤتمر الاستثماري، ومنهم وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين والرؤساء التنفيذيين لبنوك كبيرة، بسبب مقتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول في الثاني من أكتوبر تشرين الأول، وثارت مخاوف من أن تتضرر العلاقات التجارية مع الغرب، ولو لفترة مؤقتة على الأقل، إذ أن الضربة التي أصابت سمعة الرياض واحتمال فرض عقوبات اقتصادية بسبب قضية خاشقجي سيزيدان من صعوبة إبرام اتفاقات جديدة.

وعلى الرغم من ذلك، استقطب مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي استمر ثلاثة أيام في الرياض المئات من رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين من أنحاء العالم بهدف جذب رؤوس أموال أجنبية لدعم الإصلاحات الاقتصادية في المملكة.

وقال وزير الطاقة السعودي خالد الفالح للتلفزيون الرسمي يوم الخميس ”تم توقيع أكثر من 25 اتفاقية بتكلفة بلغت 56 مليار دولار“، مضيفا أن الشركات الأمريكية كان لها نصيب الأسد من هذه العقود، وقال ”ستظل أمريكا جزءا أساسيا من الاقتصاد السعودي لأن ما يربطنا من مصالح أكبر مما يتم إضعافه من خلال الحملة الفاشلة لمقاطعة المؤتمر“.

أزمة خاشقجي تختبر الطموحات السعودية

قبل عام كان صندوق الاستثمارات العامة السعودي، صندوق الاستثمار السيادي للمملكة، نجما صاعدا بين الصناديق المدعومة من الحكومات.

وضخ مليارات الدولارات في صندوق التكنولوجيا لمجموعة سوفت بنك التابعة لقطب الأعمال الياباني ماسايوشي سون وذراع البنية التحتية التابعة لشركة الاستثمار المباشر الأمريكية بلاكستون وكان يراكم أرصدة مالية لتمويل صفقات في الخارج.

وبرز صندوق الاستثمارات العامة، الذي يرأسه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كأكثر شريك قادر على البقاء للمستثمرين الأجانب بعد حملة على الفساد في العام الماضي طالت الكثير من أعضاء نخبة رجال الأعمال في المملكة.

لكن الضجة بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول هذا الشهر تسببت في عزوف بعض الشركات الغربية عن التعامل مع صندوق الاستثمارات العامة، مما يهدد بتباطؤ بعض مشاريعه الضخمة واستثماراته العالمية.

قال ستيفن هيرتوج الباحث في الشأن السعودي بكلية لندن للاقتصاد ”الشركات في القطاعات التي تتسم بمستوى أقوى من حيث المسؤولية الاجتماعية، بما في ذلك شركات التكنولوجيا التي مقرها الولايات المتحدة، ستواجه أوقاتا أكثر صعوبة في قبول أموال صندوق الاستثمارات العامة“. وأضاف قائلا ”ضخ رؤوس أموال على نحو أكبر وأكثر بروزا، من النوع الذي قد يمنح صندوق الاستثمارات العامة مقعدا في مجلس الإدارة، سيكون أصعب على وجه الخصوص“، وتنأى بعض الشركات بالفعل بنفسها، لكن المبالغ المعنية صغيرة نسبيا بالمقارنة مع 250 مليار دولار استثمرها صندوق الاستثمارات العامة.

وقال الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون في وقت سابق من الشهر الجاري إن مجموعة فيرجن التابعة له ستعلق مناقشاتها مع صندوق الاستثمارات العامة بشأن استثمار مزمع بقيمة مليار دولار في المشاريع الفضائية للمجموعة. وأبلغ متحدث باسم فيرجن رويترز أن تصريح برانسون ما زال قائما.

وقال دارا خسروشاهي الرئيس التنفيذي لأوبر إن الشركة تنتظر الحقائق الكاملة بخصوص مقتل خاشقجي قبل أن تقرر ما إذا كان هذا سيؤثر على استثمار صندوق الاستثمارات العامة البالغ 3.5 مليار دولار في شركة خدمة نقل الركاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0