ينظر الكثير على أن السعودية بلد يملك أكبر احتياطات النفط في العالم، وكل المقومات الاقتصادية والمالية والتجارية التي تخلق منه قوة اقتصادية فاعلة على مستوى العالم، الا انه وبسبب الفشل الإداري و"رؤية بن سلمان للإصلاح الاقتصادي" المتعثرة، يتحول بسرعة إلى دولة تلجأ للبنوك والبورصات للحصول على القروض المباشرة أو عبر طرح سندات الدولة، في ظل كل هذه المخاوف يرى مايكل ستيفنز، خبير الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن الشركات العالمية المتعددة الجنسيات ترى قوة التعاون مع سوق نامي مثل المملكة العربية السعودية، لكن بالنسبة للكثيرين فإن مخاطر السمعة تتغلب على المكاسب المحتملة من التعاون مع الاقتصاد السعودي.

فقد هبطت العملة السعودية الريال إلى أدنى مستوياتها في عامين بينما تراجعت أسعار السندات الدولية للمملكة بفعل مخاوف من تقلص تدفقات الاستثمار الأجنبي، حيث تواجه الرياض ضغوطا بشأن اختفاء الصحفي جمال خاشقجي، وتشير التعاملات في سوق العقود الآجلة للعملة، التي تستخدمها البنوك للتحوط في الاستثمارات، إلى أن بعض المؤسسات تحمي نفسها من مخاطر تدفقات الأموال، أو عقوبات أمريكية على الرياض بعد اختفاء خاشقجي الناقد البارز للسلطات السعودية في اسطنبول.

لكن تحركات السوق كانت محدودة قياسا إلى بعض فترات عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين لم يصبهم الرعب من قضية اختفاء خاشقجي مثلما كان الحال وقت انهيار أسعار النفط الذي بدأ في 2014، وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ”بعقاب شديد“ للرياض إذا ثبت تورطها في قتل خاشقجي في قنصليتها باسطنبول كما يذكر مسؤولون أتراك. وتنفي المملكة ذلك، وحذرت من أنها ستعارض أي عقوبات وترد عليها بإجراءات أشد، وشهدت أسعار النفط تحركات محدودة للغاية ، في الوقت الذي بين فيه محللون إنهم يشكون في أن السعودية، أكبر بلد مصدر للنفط في العالم، ستخاطر بعزلة دولية وبتضرر ماليتها العامة بخفض صادراتها في الوقت الذي تمضي فيه قدما في إصلاحات تهدف إلى خلق وظائف وتنويع اقتصادها.

لكن كريسجانيس كروستينز مدير فريق الشرق الأوسط وأفريقيا لدى وكالة فيتش للتصنيف الائتماني أوضح إن المسألة ربما تضر ببعض مكونات برنامج الإصلاح، وتابع ”إذا كان هناك أي تغيير مستدام في رغبة المستثمرين في الاستثمار في السعودية، فربما يؤدي ذلك إلى تباطؤ في تنفيذ بعض مبادرات رؤية 2030، وزيادة حاجة المملكة لاستخدام الدين وموارد دولية لتمويلها“، وأشار كروستينز ومحللون آخرون إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المملكة بلغت بالفعل مستويات منخفضة جدا، نظرا لضعف القطاع الخاص والغموض الذي يكتنف القواعد التنظيمية، وهو ما قد يحد من تأثير أي هبوط في التدفقات.

لكن مصرفيين ومحللين كثيرين ذكروا إن قضية خاشقجي حفزت تصورات بمخاطر سياسية في السعودية، لأنها كانت أحدث حلقة في سلسلة من الأحداث غير المتوقعة على مدى السنوات الثلاث الماضية، وفي خلال تلك الفترة، أطلقت السعودية حربها في اليمن، وقاطعت قطر، واحتجزت عشرات من كبار المسؤولين ورجال الأعمال في حملة على الفساد، واعتقلت ناشطات حقوقيات، وتزايدت التوترات مع كندا وألمانيا، وأفاد جيسون توفي كبير خبراء الأسواق الناشئة لدى كابيتال إيكونومكس بلندن، إن التطورات السياسية في السعودية أصبحت تشكل مخاطر اقتصادية متزايدة.

التصعيد الاقتصادي مع واشنطن قد يضر الرياض

يرى خبراء غربيون أن تصعيدا اقتصاديا مع الولايات المتحدة على خلفية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي الذي أثار تحذيرات متبادلة غير عادية بين البلدين، قد يضر بالرياض، وفي دليل على خطورة الأزمة، أوفد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو الى الرياض حيث سيلتقي الملك محمد بن سلمان. وكان ترامب نقل عن العاهل السعودي ، أنه "لا يعلم شيئا" عن مصير خاشقجي، وذلك بعد أن ذكر مسؤولون أتراك أن الصحافي السعودي الناقد لسياسة بلاده قتل على يد فريق سعودي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول.

وصرح الخبير في شؤون الطاقة جان فرانسوا سيزنيك الموجود في الولايات المتحدة، إن لجوء السعودية، أول مصدر عالمي للنفط الخام الى سلاح النفط، "سيدمر تماما صورتها كمزود موثوق به ويزعزع موقع محمد بن سلمان" ولي العهد السعودي في الداخل، وتصدر السعودية مليون برميل من النفط يوميا الى الولايات المتحدة التي تعتبر أبرز شريك تجاري للمملكة، ومنذ اختفائه في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر بعد دخوله قنصلية بلاده في اسطنبول، أثارت القضية ردود فعل عديدة في العالم.

وقد هدد الرئيس الأميركي ب"عقاب قاس" في حال ثبت مقتل خاشقجي وضلوع الرياض به. ورفضت السعودية تهديدها بعقوبات، مؤكّدة أنّها ستردّ على أي خطوة تتّخذ ضدها "بإجراء أكبر". وتحرج المسألة ترامب الذي جعل من علاقته الشخصية مع الملك سلمان ونجله، إحدى ركائز سياسته في المنطقة القائمة على التقرب من السعودية وإسرائيل ضد إيران، ويعتمد الرئيس الأميركي على السعودية لتعويض أي نقص محتمل في النفط في السوق العالمي، بسبب العقوبات الجديدة التي سيبدأ تطبيقها على طهران في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، واوضح فرانسوا هيسبورغ المستشار في المؤسسة للبحث الاستراتيجي التي تتخذ من باريس مقرا، إن "ترامب محتار، يدلي بتصريحات ونقيضها"، لكن الكونغرس الذي يشهد تعبئة كبيرة ضد سياسته إزاء السعودية، "لن يستسلم".

ويمكن لبرلمانيين من الحزب الديموقراطي، وكذلك من الحزب الجمهوري، أن يعرقلوا مبيعات أسلحة، وقد تتعرض إدارة ترامب للضغط لمعاقبة أفراد إذا تبين أن الدولة السعودية متورطة في القضية، وذكر مسؤول كبير في الرياض بأن الدولة النفطية "تلعب دورا حيويا في الاقتصاد العالمي". وفي حال تعرضها لتدابير عقابية، يمكنها أن ترد بقوة، وأضاف سيزنيك إن "محمد بن سلمان قد يفرض الدفع باليوان (العملة الصينية) بدل الدولار، إلا أن هذا سيزعزع استقرار كل الاقتصاد العالمي ويدفع الولايات المتحدة الى اتخاذ إجراءات جذرية" يمكن أن تسرع "تغييرا على مستوى القيادة في السعودية".

ويرى السفير الأميركي السابق في الكويت ريتشارد لوبارون إن كل ردّ عقابي من جانب السعودية "لن يساعدها لا على الأمد القصير ولا على الأمد الطويل، لأنه سيعزز ما يقال عن تهور" يطبع السياسة السعودية، في وقت تبحث البلاد عن مستثمرين "في كل مكان في العالم"، بينما بين هيسبورغ إنه في حال عمدت الرياض الى نوع من الحصار النفطي "سيسر منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة، وسيعاني الصينيون، والأوروبيون كذلك"، ويضيف أنه في حال قرّر الكونغرس الأميركي وقف مبيعات الأسلحة، "يمكن للسعوديين أن يتجهوا الى روسيا، لكن المملكة (التي تعتمد بشكل كامل على الأنظمة الأميركية)، ستجد نفسها لفترة من دون دفاع نتيجة نقص قطع الغيار".

كما يمكن لتصعيد أن تكون له تداعيات على عملية تبادل المعلومات الأمنية والتبادل التجاري مع الغرب. ويرى هيسبورغ أنه "ليس في مصلحة السعوديين الذهاب بعيدا" في هذا المجال، ويشاطر سيزنيك هذا الرأي موضحاً "إن السعوديين سيخسرون أكثر مما سيربحون" من تصعيد محتمل، مضيفا أن الأمر سيتقتصر على الكلام، "لإفساح المجال أمامهم لإيجاد حلول"، وبحسب معهد "كابيتال إيكونوميكس"، يمكن لتصعيد سعودي أميركي أن يترك أثرا على الأسواق المالية المحلية، إلا أن المملكة تملك ما يكفي من الاحتياط للصمود في وجه العقوبات، وانتقد مركز "صوفان" للأبحاث ترامب، بسبب تأسيسه العلاقات الأميركية "على أشخاص بدلا من المبادىء"، وذلك منذ صعود نجم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأشار ترامب خلال الأسبوع الماضي الى مشاريع عسكرية ضخمة بقيمة 110 مليارات دولار من شأنها استحداث وظائف في الولايات المتحدة، قد تصرفها الرياض "في روسيا والصين"، في حال تدهورت العلاقة السعودية الأميركية.

تزايد انسحاب مسؤولي البنوك من مؤتمر استثمار سعودي

انسحب الرؤساء التنفيذيون لبنوك اتش.اس.بي.سي وستاندرد تشارترد وكريدي سويس من مؤتمر كبير في السعودية من المقرر انعقاده الأسبوع القادم لينضموا إلى العديد من مديري الشركات الذين ينأون بأنفسهم عن المؤتمر في ظل مخاوف واسعة النطاق بشأن مصير الصحفي السعودي المختفي جمال خاشقجي، وذكرت متحدثة باسم اتش.اس.بي.سي”جون فلينت لن يحضر مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار“. وافاد متحدث باسم ستاندرد تشارترد إن بيل وينترز الرئيس التنفيذي للبنك لن يحضر المؤتمر أيضا، كما ألغى تيجاني تيام الرئيس التنفيذي لكريدي سويس خططا لحضور المؤتمر الذي ينعقد في الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر تشرين الأولى وسط حالة من الغضب إزاء اختفاء خاشقجي ، ويأتي ذلك بعد قرارات مماثلة اتخذها جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك جيه.بي مورجان ولاري فينك الرئيس التنفيذي لبلاك روك، وهما أول مصرفيين كبيرين يقاطعان المؤتمر تجاوبا مع حالة الاستياء الشديد تجاه أكبر مُصدر للنفط في العالم.

وبالمثل ألغى جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لشركة جيه.بي مورجان تشيس وبيل فورد رئيس فورد موتور خطط حضور مؤتمر للاستثمار في السعودية هذا الشهر، وفق ما ذكرته الشركتان، في أحدث قرارات إلغاء حضور المؤتمر بعد اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وقد يؤدي الإلغاء إلى زيادة الضغط على شركات أمريكية أخرى مثل جولدمان ساكس وماستر كارد وبنك أوف أمريكا لإعادة النظر في خططها لحضور المؤتمر، كما انضمت شركة جوجل التابعة لألفابت إلى شركات أعلنت أنها لن تحضر مؤتمرا للاستثمار ينعقد في السعودية هذا الشهر.

وانسحب الرؤساء التنفيذيون لبنوك اتش.اس.بي.سي وستاندرد تشارترد وكريدي سويس وبورصة لندن، إضافة إلى رئيس مجلس إدارة بنك بي.إن.بي باريبا من حضور مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، ويأتي ذلك في أعقاب انسحابات في وقت سابق من جانب مسؤولين تنفيذيين ماليين أمريكيين كبار، من بينهم جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لجيه.بي مورجان، ووسط ضغوط دولية متنامية على السعودية بشأن اختفاء خاشقجي.

وبينما انسحب معظم المصرفيين بدون أن يربطوا أفعالهم بالجدل الدائر حول مصير خاشقجي، أوضحت مصادر لدى بعض البنوك في أحاديث خاصة أنهم قلقون من التداعيات المحتملة على سمعتهم جراء الارتباط بهذا الحدث، وقد افادت مؤسسة سيتي أوف لندن، التي تدير حي المال في العاصمة البريطانية، إن رئيسة مجلس إدارتها للسياسة والموارد كاثرين ماكجينيس لن تحضر المؤتمر، وذكر متحدث باسم المؤسسة ”ندعم دعوة الحكومة البريطانية للسلطات السعودية للتعاون بشكل كامل مع المحققين للوصول إلى إجابة واضحة وذات مصداقية على السؤال المتعلق بما الذي حدث. سنثير تلك التساؤلات مع نظرائنا السعوديين“.

وبحسب محللين، "تحول رؤية بن سلمان للإصلاح الاقتصادي والسياسي التي أطلق عليها "رؤية 2030"، السعودية إلى دولة شبه فاشلة اقتصادياً، إذ يواصل الاقتصاد الانكماش منذ مجيء بن سلمان لولاية العهد"، اذ ارتفعت الديون السيادية الخارجية والداخلية، مع تزايد معدل الإنفاق على حرب اليمن التي تكلف الاقتصاد السعودي مبالغ تراوح ما بين 6 إلى 8 مليارات دولار، ووسط هذه الظروف المالية، تتصاعد الضغوط العالمية على النظام السعودي لتتعاون مع تركيا في التحقيق الجاري بشأن اختفاء الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، الذي تبين التقارير المسربة من الجانب التركي، إنه اغتيل في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول، وتنفي السعودية ذلك، ولكنها ترفض تقديم دليل على خروجه من مقر قنصليتها، ومن ثم تتزايد الشكوك حول تورط النظام السعودي في ما حدث لخاشقجي، وتتكثف الضغوط السياسية والاقتصادية والاستثمارية على الرياض، وتزامن ذلك مع الشكوك وسط المقاطعة شبه الكاملة لمؤتمر "دافوس في الصحراء" الاستثماري، من المؤسسات الإعلامية العالمية والشركات وكبار رجال المال والاستثمار في العالم، الذي بات "شبه ميت" الآن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0