مع التدهور التدريجي والمتلاحق لقيمة الليرة التركية مقابل الدولار، وهذا ماانعكس على الوضع الاقتصادي بصورة عامة في تركيا، فبحسب بيانات معهد الإحصاء التركي، تراجع معدل نمو الاقتصاد التركي في الربع الثاني من العام 2018 نقطتين مئويتين ليبلغ 5.2% مقابل 7.3% خلال الربع الأول، وأظهرت البيانات انخفاض القيمة المضافة بالقطاع الزراعي التركي بمعدل 1.5%، مقابل نمو قطاع الصناعة بـ4.3%، وقطاع البناء بـ0.8% فقط، وقطاع الخدمات بـ8%.، كما شهدت تركيا في الربع الثاني ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي للأسر بنسبة 6.3%، كما زاد الإنفاق الاستهلاكي النهائي للحكومة بنسبة 7.2%، وزادت صادرات السلع والخدمات خلال الربع الثاني من العام الجاري بـ4.5%، فيما ارتفعت الواردات 0.3%.

فقد حض صندوق النقد الدولي السلطات التركية التي تواجه تدهور قيمة عملتها وارتفاع التضخم، على اتباع سياسات اقتصادية "سليمة" لتحقيق الاستقرار في الاوضاع، ومع ذلك، فإن أنقرة لم تطلب الدعم المالي من الصندوق كما بين المتحدث باسمه جيري رايس، واضاف "نواصل مراقبة التطورات من كثب. مرة أخرى أريد أن أكون واضحا لم يكن هناك طلب من تركيا لبرنامج مالي من صندوق النقد الدولي".

وتعصف الأزمة بالليرة التركية التي فقدت نحو 25 في المئة من قيمتها الشهر الماضي، ودفعت بالتضخم خلال آب/اغسطس إلى أعلى مستوى منذ 15 عاما، وتابع رايس "في ضوء التقلبات المستمرة في السوق، نعتقد أن السلطات ستكون مستفيدة من إظهار التزام واضح بسياسات اقتصادية سليمة"، وأكد ان جزءا مهما من هذا يكمن في "ضمان الاستقلال الكامل للبنك المركزي لمواصلة تفويضه لتحقيق استقرار الأسعار". ويخشى المستثمرون من أن يكون الرئيس رجب طيب أردوغان يمارس ضغوطا على البنك المركزي المستقل اسميا لعدم رفع معدلات الفائدة من أجل الحفاظ على النمو.

من جهة أخرى أصدرت تركيا بالفعل سندات مقومة باليورو، لكن نظرا لأن نحو ثلثي دينها السيادي بالدولار، تسعى أنقرة لتقليص تعرضها للتقلبات أمام العملة الأمريكية في أعقاب هبوط الليرة التركية في الآونة الأخيرة، كما ألزمت تركيا المصدرين بتحويل معظم إيراداتهم من النقد الأجنبي إلى الليرة، في خطوة مفاجئة تهدف إلى دعم العملة المحلية المنهكة لكن مسؤولين بالقطاع الصناعي يقولون إنها قد تؤدي إلى خسائر للمصنعين، اذ يتعين على المصدرين أن يحولوا 80 بالمئة من إيراداتهم من النقد الأجنبي إلى الليرة في غضون 180 يوما من تلقيهم المدفوعات. وبدأ سريان الإجراء الجديد وسيستمر ستة أشهر. ووفقا لأرقام رسمية، بلغ اجمالي قيمة صادرات تركيا العام الماضي 157 مليار دولار، وذكر مسؤول بالقطاع الصناعي، إن هذا الاجراء قد يكلف المصدرين ما بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار بما في ذلك تكاليف تحويل العملة، ووفقا لبيانات البنك المركزي، سجلت الشركات غير المالية عجزا صافيا في النقد الأجنبي بلغ 215.9 مليار دولار، وهي تحتاج إلى عملة أجنبية للوفاء بالتزاماتها، وتشير التوقعات الى اتساع العجز الحكومي العام ليصل إلى 3.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام و3.6 بالمئة في العام المقبل قبل أن بتقلص ليصل إلى 2.9 بالمئة في عام 2020.

جيه.بي مورجان: على تركيا سداد دين خارجي بقيمة 179 مليار دولار في 2019

قدر جيه.بي مورجان حجم الدين الخارجي التركي الذي يحل أجل استحقاقه في سنة حتى يوليو تموز 2019 بنحو 179 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي للبلاد، وهو ما يشير إلى مخاطر حدوث انكماش حاد في الاقتصاد الذي يعاني من أزمة، ومعظم الدين، نحو 146 مليار دولار، مستحق على القطاع الخاص، وخاصة البنوك. وأوضح جيه.بي مورجان في مذكرة إن الحكومة بحاجة إلى سداد 4.3 مليار دولار فقط أو تمديد المبلغ بينما يشكل الباقي مستحقات على كيانات تابعة للقطاع العام.

وبرز الموضوع إلى دائرة الضوء مع هبوط الليرة 40 بالمئة هذا العام وسط مخاوف من التدخلات السياسية في السياسة النقدية وخلاف مع الولايات المتحدة بشأت احتجاز تركيا للقس الأمريكي آندرو برانسون، وأثار انهيار العملة مخاوف من أن الشركات قد تواجه صعوبات في سداد ديونها بالعملة الصعبة وضغط أيضا على أسهم البنوك الأوروبية المنكشفة على تركيا، وأضاف جيه.بي مورجان إن الدين الخارجي المستحق على تركيا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي اقترب العام الماضي من مستويات قياسية مرتفعة لم يصل إليها سوى قبل الأزمة المالية في عامي 2001 و2002.

وأشارت المذكرة إلى أن ”احتياجات التمويل لفترة الاثني عشر شهرا القادمة كبيرة ودخول الأسواق أصبح مشكلة“. ويستحق نحو 32 مليار دولار في الفترة المتبقية من 2018 وفقا لحسابات جيه.بي مورجان التي استندت إلى بيانات البنك المركزي. وذكر ايضاً إن المدفوعات الكبيرة سيحل أجلها في سبتمبر أيلول وأكتوبر تشرين الأول وديسمبر كانون الأول، وأضافت المذكرة ”بما أن البنوك الأجنبية من المرجح أن تقلص انكشافها على تركيا جزئيا على الأقل، فإن تمديد أصل الدين قد يكون صعبا على بعض المؤسسات“. بيد أنه أشار إلى أن الشركات لديها فيما يبدو أصول خارجية تكفي لتغطية المبالغ المستحقة عليها بالعملة الصعبة، وأن نحو 47 مليار دولار من الدين المستحق عبارة عن ائتمانات تجارية يمكن تمديدها بسهولة نسبيا، وبين البنك إن ديونا بنحو 108 مليارات دولار تستحق حتى يوليو تموز 2019 تنطوي على مخاطر مرتفعة فيما يتعلق بتمديد آجال استحقاقها.

رفع أسعار الكهرباء والغاز بما يصل إلى 14% مع تفاقم أزمة الليرة

صرح مصدران إن تركيا رفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسب تصل إلى 14 بالمئة فيما أعلنت الهيئة المعنية بتنظيم قطاع الطاقة في البلاد رفع أسعار الكهرباء بنسب مماثلة مع ارتفاع التضخم بفعل تفاقم أزمة العملة المحلية، وهبطت الليرة 42 بالمئة مقابل الدولار هذا العام بسبب مخاوف من سيطرة الرئيس رجب طيب أردوغان على السياسة النقدية وزيادة الشقاق مع الولايات المتحدة بسبب قس أمريكي تحتجزه أنقرة، وتسبب هبوط قيمة العملة في زيادة تكلفة الغذاء والوقود وأثار مخاوف من تأثيره الأوسع نطاقا على اقتصاد البلاد وقطاعها المصرفي. ويخشى خبراء الاقتصاد بشكل خاص من إخفاق البنك المركزي في السيطرة على معدل التضخم الذي قارب 16 بالمئة في يوليو تموز، وهو الأعلى في 14 عاما.

وأفاد مصدران إن شركة خطوط الأنابيب التركية الحكومية (بوتاس) رفعت أسعار الغاز الطبيعي 14 بالمئة للاستخدام الصناعي وتسعة بالمئة للاستخدام المنزلي، وزادت بوتاس أسعار الغاز الطبيعي المستخدم لإنتاج الكهرباء بنسبة 50 بالمئة كما رفعته وقتها للاستخدام المنزلي تسعة بالمئة. وتعتمد تركيا اعتمادا شبه تام على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الطاقة. ورفعت أزمة الليرة من تكلفة شراء النفط والغاز بحسابات العملة المحلية، وأنتجت محطات تعمل بالغاز الطبيعي العام الماضي ما يقارب ثلث إجمالي الطاقة الإنتاجية للكهرباء في تركيا البالغة 293 مليار ميجاوات.

من جهة أخرى ذكرت الغرفة التجارية في اسطنبول إن أسعار التجزئة في أكبر مدينة تركية ارتفعت 2.23 بالمئة على أساس شهري في أغسطس آب لتصل نسبة الزيادة السنوية إلى 14.99 بالمئة، ومن المقرر أن تصدر بيانات التضخم الرسمية لشهر أغسطس آب ، ويتوقع خبراء اقتصاد قراءة أخرى كبيرة، ومن المتوقع أن تؤدي زيادات أسعار الكهرباء والغاز في الآونة الأخيرة إلى ارتفاع معدل التضخم بشكل مباشر بمقدار 35 نقطة أساس، ويريد أردوغان، الذي يصف نفسه بأنه ”عدو أسعار الفائدة“ أن يرى خفضا في تكلفة الاقتراض للحفاظ على تدفق الائتمان، خاصة على قطاع البناء. ويذكر المستثمرون، الذين يرون أن الاقتصاد يسير نحو وضع صعب، إن رفع أسعار الفائدة ضروري لكبح الضخم.

المركزي التركي يرفع سعر الفائدة الرئيسي وأردوغان يعارض

رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي 625 نقطة أساس ، في خطوة دعمت الليرة التركية وربما تهدئ مخاوف المستثمرين من تأثير الرئيس رجب طيب أردوغان على السياسة النقدية، وزاد البنك سعر إعادة الشراء (ريبو) لأجل أسبوع إلى 24 بالمئة مما يعني أنه رفع أسعار الفائدة بمقدار 11.25 نقطة مئوية منذ أواخر أبريل نيسان في مسعى لوقف انخفاض الليرة المتداعية.

وجاء القرار على الرغم من تأكيد أردوغان على معارضته لأسعار الفائدة المرتفعة في وقت سابق، مبيناً إن التضخم نتج عن خطوات خاطئة اتخذها البنك المركزي، وكان 11 خبيرا اقتصاديا آراءهم توقعوا أن يشدد البنك سياسته النقدية، لكن توقعات الزيادة في أسعار الفائدة تراوحت بين 225-725 نقطة أساس، إذ يوازن البنك بين المخاوف من ضعف الليرة والقلق من تباطؤ اقتصادي، وارتفعت العملة التركية إلى 6.01 ليرة للدولار بعد القرار من مستوى يزيد على 6.4176 قبل القرار، في حين بين البنك المركزي إنه قرر تطبيق سياسة نقدية مشددة بقوة لدعم استقرار الأسعار، وأضاف البنك في بيان ”إذا اقتضت الضرورة، سيتم تشديد السياسة النقدية أكثر“.

يذكر أنه خسرت الليرة 40 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام الجاري، متضررة من مخاوف تأثير أردوغان على السياسة النقدية، والنزاع الدبلوماسي بين تركيا والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، وفي أغسطس آب، بلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين 17.9 بالمئة، مسجلا أعلى مستوياته منذ أواخر 2003، وهو ما دفع البنك المركزي للقول بأنه سيعدل سياسته النقدية في اجتماع سبتمبر أيلول في مواجهة ”مخاطر كبيرة“ لاستقرار الأسعار، واضاف المركزي في بيانه إنه ما زالت هناك مخاطر ارتفاع التضخم في تركيا تظل قائمة رغم الطلب المحلي الضعيف، بينما افاد بريت ديمنت رئيس ديون الأسواق الناشئة لدى أبردين ستاندرد انفستمنتس عن رفع الفائدة ”من المبهج أن نرى المنطق يسود، وأن ”وضع رفع الفائدة اليوم تركيا على الطريق البطيء صوب استرداد بعض مصداقية السياسة النقدية“. في حين أوضح جويلومي تريسكا كبير محللي الأسواق الناشئة لدى كريدي أجريكول إن الاقتصاد بحاجة للتباطؤ لأنه في وضع نمو تضخمي وإن رفع أسعار الفائدة كان ضروريا للحد من تدهور الليرة.

يذكر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عين نفسه رئيسا لمجلس إدارة صندوق الثروة السيادي في البلاد وغير مجلس إدارته بالكامل، كما عين وزير المالية براءت ألبيرق نائبا لرئيس الصندوق.

وهذا الإجراء هو الأحدث ضمن سلسلة خطوات اتخذها أردوغان للاستحواذ على سلطات جديدة منذ فوزه في انتخابات الرئاسة التي أجريت في يونيو حزيران التي تحولت البلاد بعدها إلى نظام رئاسة تنفيذي يمنحه سلطة واسعة، وأسست الحكومة صندوق الثروة السيادي البالغة قيمته 50 مليار دولار في عام 2016 لتطوير وتعزيز قيمة أصول تركيا الاستراتيجية وتوفير موارد للاستثمار، وعين أردوغان أيضا ظافر سونميز مديرا عاما للصندوق. وكان سونميز يشغل منصب مدير المكتب الإقليمي لصندوق الثروة السيادي الماليزي (الخزانة الوطنية) في تركيا. وألبيرق وسونميز من بين الأعضاء السبعة في مجلس الإدارة الجديد للصندوق التركي، وحولت الحكومة إلى الصندوق الجديد حصصا بقيمة مليارات الدولارات من أصول الدولة، تشمل حصصا في شركة الخطوط الجوية التركية وبنوك كبيرة وشركة ترك تليكوم لاتصالات الخطوط الثابتة.

يشير التقرير الصادر معهد التمويل الدولي إلى أن الصدمات العديدة التي تعرضت لها الدول النامية تؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى ارتفاع معدلات الفائدة عالميا، وتراجع التجارة وأوضح إن حالة التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه كل من تركيا والأرجنين تعد مثالا حيا على ذلك، وكان تقرير المعهد توقع نمو الاقتصاد التركي خلال عام 2018 بنحو 4.2%، وخلال عام 2019 بنحو 4.4%.. الا ان الديون التي تراكمت على الاقتصاد التركي، في الآونة الأخيرة، ضخمة للغاية، تجعل الحكومة عاجزة عن التعامل معها، سواء بالنسبة للديون الداخلية أو الخارجية على حد سواء، كما خفضت وكالة "ستاندرد آند بورز" تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مرتبة أقل، ضمن فئة الديون العالية المخاطر، وأرجعت ذلك إلى تزايد المخاوف بشأن آفاق التضخم، وسط هبوط عملتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1