في عام 1982 أثنى ميلتون فريدمان على شيلي بسبب اتباعها لسياسات احتذى بها كثيرون بعدها تُعرف بالليبرالية الجديدة، والتي تستند على ركيزتين اساسيتين : الاولى هي زيادة المنافسة التي تتحق من خلال الغاء القيود التنظيمية وفتح الاسواق المحلية، بما فيها الاسواق المالية امام المنافسة الاجنبية، والثانية هي تقليص دور الدولة، ويتحقق ذلك من خلال الخصخصة والحد من قدرة الحكومات التي تساهم في تسجيل العجز في المالية العامة وتراكم الديون.

ومنذ ثمانينات القرن العشرين شهد العالم اتجاها عاماً قوياً انتشر على نطاق واسع نحو الليبرالية الجديدة، وفقاً لمؤشر مركب يقيس مدى انفتاح البلدان امام المنافسة في مجالات النشاط الاتصادي من أجل تعزيز النمو الاقتصادي،

يتضمن جدول اعمال الليبرالية الجديدة جانباً أخر يتعلق بالحد من حجم الدولة، ويتمثل أحد وسائل تحقيق هذا الهدف في خصخصة بعض الوظائف التي تؤديها الحكومة، ومن الوسائل الأخرى تقييد الانفاق الحكومي بوضع حدود لمستوى العجز في المالية العامة وقدرة الحكومة على تراكم الديون، الا ان النظرية الاقتصادية لاتقدم لنا ارشادات حول المستوى المثالي المستهدف للدين العام، فتبرر بعض النظريات ارتفاع مستويات الدين وتشير نظريات اخرى الى مستويات منخفضة او حتى سلبية لأن الصدمات المعاكسة تدعو الى الادخار الوقائي.

وفي بعض الاحيان وحينما كان صندوق النقد الدولي يقدم مشورة بشأن سياسة المالية العامة، كان اهتمامه ينصب في الاساس على وتيرة تخفيض الحكومات للعجز ومستويات الدين بعد تراكم الديون في الاقتصادات المتقدمة بسبب الأزمة المالية العالمية، كما ان الصندوق كان ينصح كذلك بسداد الديون وتخفيض نسبها على المدى المتوسط في مجموعة مختلفة من البلدان المتقدمة والناشئة، من أجل التأمين ضد أي صدمات في المستقبل.

غير أن بعض جوانب جدول أعمال الليبرالية الجديدة لم يحقق النتائج المتوقعة، لاسيما فيما بتعلق بسياسة الغاء القيود على حركة رأس المال عبر الحدود او مايطلق عليه تحرير الحساب الرأسمالي، وسياسة ضبط أوضاع المالية العامة، ويطلق عليه في بعض الأحيان التقشف وهو مصطلح مختزل لسياسات تخفيض معدلات العجز في المالية العامة وخفض مستويات الدين العام، اذ فيما يتعلق بالسياسة الاولى، فالعلاقة التي تربط بين الانفتاح المالي والنمو الاقتصادي هي علاقة معقدة، فبعض التدفقات الرأسمالية الداخلة تدفع النمو على المدى الطويل، كالاستثمار الاجنبي المباشر.

لكن يبدو ان تأثير التدفقات الاخرى مثل الاستثمارات المالية والمصرفية، لايدفع النمو ولايسمح للبلد باقتسام المخاطر بصورة افضل مع شركائه التجاريين، اذ ان زيادة انفتاح الحساب الرأسمالي هي دائما آحد العوامل التي تسبب مخاطر وبشكل أزمات مالية، فمنذ عام 1980 ظهرت نحو 150 موجة من طفرات التدفقات الرأسمالية الداخلة في مايزيد على 50 اقتصاد من اقتصادات البلدان الصاعدة، وانتهت معظم هذه الموجات بأزمات مالية وتراجع كبير في حجم الناتج المحلي، فضلاً عن الاثار المترتبة على التوزيع وزيادة عدم المساواة، وفي حالة ضبط أوضاع المالية العامة كان هناك تقليل لحجم التكاليف قصيرة الاجل من انخفاض الناتج وتراجع الرخاء وارتفاع البطالة، اذ لايوجد تقدير مناسب لرغبة البلدان التي لديها حيز مالي كبير في التعايش ببساطة مع الديون المرتفعة والسماح بتراجع نسب الدين بطريقة طبيعية من خلال النمو.

وفي النهاية تشير هذه النتائج المستخلصة الى الحاجة الى تبني رؤية مختلفة، وكان صندوق النقد الدولي اول من أعاد النظر في هذه المسألة، اذ بين رئيس الاقتصاديين السابق في الصندوق أوليفيه بلانشار عام 2010، انه هناك حاجة لكثير من اقتصادات الدول المتقدمة الى مصداقية ضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط وليس الى الخناق المالي اليوم، كما تغيرت رؤية الصندوق لتحرير الحساب الرأسمالي من النظر الى الضوابط على رأس المال على أنها تأتي في الغالب بنتائج عكسية، الى درجة أكبر من قبول الضوابط للتعامل مع تقلب التدفقات الرأسمالية، وان التحرير الكامل للتدفقات الرأسمالية ليس غاية مناسبة في كل الحالات.

وقد ذكر جوزيف ستيغليتز ان شيلي مثال على النجاح في الجمع بين الاسواق والتنظيم الملائم، كما أضاف أيضاً، ان في مطلع سنوات التحول الى الليبرالية الجديدة، فرضت شيلي ضوابط على التدفقات الرأسمالية الداخلة بحيث لاتغمرها، حيث تشير التجارب الى انه لايوجد جدول أعمال ثابت يحقق نتائج جيدة لجميع البلدان وفي جميع الاوقات، اذ يجب الا يسترشد صناع السياسات والمؤسسات التي تقدم لهم المشورة مثل صندوق النقد الدولي بالمعتقدات وحسب، وانما عليهم الاسترشاد أيضاً بالأدلة على ماتحقق من نجاح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0