يقدم الكاتب تحليلاً اقتصادياً ينفي كلياً الاتهام الموجه لفاتورة رواتب الموظفين باعتبارها المسبب الرئيس للأزمة المالية في العراق، مفككاً أسباب الاختلال الناتجة عن التوسع المفرط في التعيينات والاعتماد الكلي على الريع النفطي مقابل هشاشة الإيرادات غير النفطية. ويسلط الضوء على ارتفاع سعر برميل التعادل، وتضخم الدين الداخلي...

في كل أزمة مالية يمر بها البلد، يبرز على السطح سؤال تقليدي ومباشر: أين ذهبت الأموال؟ غير أن السؤال الأكثر عمقاً وأهمية هو: لماذا لم تعد الدولة قادرة على تحويل مواردها الهائلة إلى إنفاق منتظم ومستدام؟ 

إن الأزمات المالية لا تولد عادة في اليوم الذي يتأخر فيه راتب الموظف، ولا تنتهي لمجرد نجاح الحكومة في توفير السيولة العاجلة لدفعه، بل تبدأ بالتشكّل عندما تتسع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، أو حين تعتمد الدولة على مورد واحد متقلب لتمويل التزامات ثابتة لا يمكن تأجيلها. وتبرز الحالة العراقية هنا كنموذج صارخ لاقتصاد ريعي شديد الاعتماد على النفط لتمويل الإنفاق العام، مقابل قاعدة محدودة وهشة للإيرادات غير النفطية.

إن العراق لا يعاني اليوم من مشكلة مالية وليدة اللحظة، بل من اختلال هيكلي تراكم عبر سنوات طويلة، اتسم بإنفاق تشغيلي مرتفع، وقطاع عام متضخم، وموازنة تتأثر بصورة مباشرة بتقلبات إنتاج النفط وأسعاره وإمكانيات تصديره. 

وقد بدأت ملامح ولادة هذه الأزمة تتشكل بوضوح منذ مطلع عام 2022 مع بداية تشكيل الحكومة السابقة، عندما قفز الإنفاق الحكومي بشكل كبير جداً نتيجة تعيين ما يقارب مليون وربع المليون موظف جديد بين ملاك دائم وعقود. 

هذا التوسع غير المدروس أدى إلى رفع "سعر برميل التعادل" حسب تقديرات صندوق النقد الدولي من 67 دولاراً في عام 2021 إلى ما يقارب 84.5 دولاراً عام 2023، ثم واصل الارتفاع ليصل إلى 94 دولاراً في عام 2024. 

وهذا يعني اقتصادياً أن العراق بات بحاجة إلى تصدير ما لا يقل عن 3 ملايين برميل يومياً بسعر لا يقل عن 94 دولاراً للبرميل الواحد لمجرد تغطية نفقاته الإجمالية، في حين أن السعر العالمي للنفط خلال نفس الفترة كان يتأرجح بين 63 و70 دولاراً فقط. 

هذا الفارق الشاسع اضطر الحكومة إلى الاعتماد الكثيف على الاقتراض الداخلي لتسديد العجز في النفقات، مما تسبب في قفزة هائلة للدين الداخلي من 45 مليار دولار في عام 2021 إلى ما يقارب 58 مليار دولار في عام 2023، وصولاً إلى 88.9 مليار دولار في عام 2025 وفقاً لإحصائيات صندوق النقد الدولي، مما يؤكد أن الأزمة كانت مبطنة وتتحرك ببطء تحت السطح دون أن يراها العامة. 

وجاءت الأحداث الإقليمية الأخيرة لتقصم ظهر الاقتصاد العراقي الذي لم يعد يتحمل المزيد من الضغوط، خصوصاً بعد توقف صادرات النفط العراقي، لتخرج الأزمة المالية إلى العلن بقسوة، وتنعكس آثارها مباشرة على شكل تضخم في الأسعار وعسر في الإنفاق الحكومي، مما وضع الرواتب في واجهة المشهد وجعل المواطن يربط بين الأزمة وتأخر راتبه، وكأن الراتب هو السبب في كل ما يحدث.

لكن الحقيقة الاقتصادية تخبرنا بعكس ذلك؛ فبالرغم من أن فاتورة الرواتب أصبحت واحدة من أكبر بنود الإنفاق الجاري في العراق، بكلفة شهرية تقترب من 7.8 تريليون دينار تشمل الأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية، وهو رقم ضخم بكل المقاييس، إلا أن هذا المبلغ لا يشكل سوى أقل من 60% من موازنة العراق البالغة 200 تريليون دينار لعام 2025. 

وهذا يعني أن الرواتب ليست المشتبه به الرئيس، بل إن هناك 40% من الإنفاق العام الأخر يجب إعادة النظر فيه وتدقيقه، بدلاً من تكرار الاجتماعات الحكومية عند كل أزمة لمراجعة الرواتب والمخصصات فقط. 

فالراتب ليس "هدراً" بالمعنى الاقتصادي، بل هو دخل للأسر، ومحرك للاستهلاك في الأسواق، وحياة للتجارة والخدمات، كما أنه يمثل إيراداً ضريبياً وغير ضريبي للدولة بطرق غير مباشرة. المشكلة الحقيقية تكمن في هيكل الاقتصاد الذي جعل الدولة تعتمد على الوظيفة العامة كمصدر رئيس للدخل، والنفط كمصدر وحيد لتمويل هذه الوظائف، ليكون السؤال الصحيح: هل يمتلك الاقتصاد العراقي إيرادات مستدامة تكفي لتمويل التزاماته الثابتة؟

وهنا تبرز المفارقة، فالعراق حالياً رغم أزمته الخانقة يصدر ما يقارب مليوني برميل نفط يومياً، أي أقل من حصته المقررة من منظمة أوبك بمقدار 40%، وهو ما يدفع المواطن للتساؤل المشروع: إذا كنا نبيع مليوني برميل يومياً، فلماذا تتعثر الرواتب؟ ألم يكن الأجدر بالحكومة الحالية أن تعوض النقص في إيرادات النفط عبر السحب من الاحتياطي العام كما فعلت حكومة السيد العبادي عام 2014 في أوج أزمتها القاسية ولم تؤخر راتباً واحداً؟ 

والإجابة عن سبب عدم السحب من الاحتياطي تكشف كواليس معقدة؛ فالاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي ليست أموالاً سائلة مكدسة في الخزائن يمكن سحبها متى شاءت الحكومة، بل هي غطاء نقدي أساسي لدعم العملة، وتمويل التجارة الخارجية، والحفاظ على الاستقرار المالي. 

ورغم تأكيد البنك المركزي أن احتياطياته تغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات — وهو رقم ممتاز مقارنة بتصنيف البنك الدولي الذي يرى أن تغطية 6 أشهر تعد كافية وآمنة للبلد، مما يتيح نظرياً استخدام جزء من الاحتياطي مؤقتاً لسد النقص — إلا أن العوائق الحقيقية قد تكون غير معلنة. فهذه الاحتياطيات تنقسم بين استثمارات دولية وعملات أجنبية وذهب، وجميعها موجودة خارج الدولة، مما يضعها تحت احتمالية الوصاية الدولية في أي وقت ولأي سبب، فضلاً عن ظلال الأحداث الإقليمية والحصار الاقتصادي الأمريكي المفروض على جمهورية إيران الإسلامية والذي يلقي بظلاله غير المباشرة على المشهد المالي العراقي.

من هنا، يصبح من واجب الدولة أن تكون أكثر شفافية مع مواطنيها، وتوضح إن كان التلكؤ ناتجاً عن نقص الإيرادات، أم مشكلة في توقيت تدفقها، أم بسبب ارتفاع الالتزامات الكبيرة، أو وجود قيود قانونية على تمويل العجز، أم لتضخم الدين الداخلي وضيق قدرة النظام المصرفي على التمويل؛ لأن عبارة "لا توجد سيولة" لم تعد كافية وتحتاج لتفسير اقتصادي وافٍ. 

إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الراتب ليس أصل الأزمة ولكنه المرآة التي عكستها، فعندما يتأخر، يكتشف المواطن فجأة أن اقتصاداً بحجم العراق يمكن أن يتعرض لضغط حاد رغم امتلاكه النفط والثروات الطبيعية. الحل لا يكمن في تحميل الموظف فاتورة أخطاء متراكمة عبر سنوات، ولا في استنزاف الاحتياطيات النقدية لإنقاذ الإنفاق الجاري كلما تراجعت أسعار النفط، بل يبدأ من مواجهة السؤال الأصعب: ماذا سيحدث للعراق في اليوم الذي لا يكفي فيه النفط وحده لدفع الرواتب؟ عندها لن تكون المشكلة مجرد راتب متأخر لشهر واحد، بل نموذج اقتصادي كامل أثبت فشله ويحتاج إلى إعادة بناء جذري؛ فالراتب ليس المشكلة، ولكن إذا ظل النفط يدفع الراتب، والراتب يمول الاستهلاك، والاستهلاك يستورد البضائع من الخارج، فمن أين سيأتي اقتصاد العراق بالدخل الذي يدفع راتب الغد؟ وهنا تحديداً تكمن الأزمة الحقيقية.

اضف تعليق