مستقبل مضيق هرمز سيظل مرآة لمسار أوسع: مسار الصراع والتسوية في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ الإيراني، ومدى قابلية النظام الدولي للدفاع عن حرية الملاحة في مواجهة منطق القوة. وإذا كانت الأزمة قد كشفت شيئا أساسيا، فهو أن الاستقرار الحقيقي في الخليج لا يمكن اختزاله في مرور السفن وحده...
أعاد التصعيد العسكري والسياسي المرتبط بإيران ومضيق هرمز فتح نقاشات قديمة حول أمن الخليج، وحرية الملاحة، وحدود النفوذ الإيراني، وطبيعة الدور الأمريكي في الإقليم، كما أظهر في الوقت نفسه أن المضيق لم يعد مجرد ممر بحري حيوي، بل تحول إلى أداة سياسية واقتصادية وأمنية شديدة التأثير في معادلات الصراع والتفاوض. وتكشف التحليلات عن تداخل عدة مستويات للأزمة: المستوى الإقليمي الذي تتمحور فيه مخاوف دول الخليج من أن تُفضي المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى إدارة النفوذ الإيراني بدل تقليصه؛ والمستوى القانوني المتعلق بشرعية فرض رسوم عبور أو تقييد المرور في المضيق؛ والمستوى الدولي المرتبط بانعكاسات اضطراب الملاحة على أسواق النفط والغاز والشحن والتأمين والطيران؛ وأخيرا المستوى الجيوسياسي الأوسع الذي يبرز فيه التنافس بين القوى الكبرى، وموقع الصين وأوروبا وبريطانيا، وحدود القدرة الأمريكية على خوض صراعات طويلة من دون كلفة اقتصادية داخلية مرتفعة.
ويظهر من مجمل المعطيات أن مضيق هرمز لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بل أصبح أيضا مركزا لإعادة تعريف مفهوم الردع غير النووي، ومجالا تتقاطع فيه القوة الجغرافية بالقانون الدولي، وحسابات الأمن الإقليمي بمصالح الاقتصاد العالمي. وفي حين تبدو بعض القوى الكبرى معنية قبل كل شيء بإعادة فتح المضيق وتأمين تدفق الطاقة، فإن دول الخليج تبدو أكثر انشغالا بالسؤال الأعمق: هل تؤدي التسويات الجزئية إلى تكريس اختلال أمني طويل الأمد يجعل أمنها مرهونا بترتيبات لا تشارك فعليا في صنعها؟
ينطلق هذا التقرير من هذه الإشكالية المركزية، ويستعرض المخاوف الخليجية، والرؤية الإيرانية للمضيق، والمواقف الدولية، والانعكاسات الاقتصادية، والأبعاد القانونية، ثم يقدم قراءة تركيبية للاتجاهات العامة التي تكشفها تلك المواد مجتمعة.
أولا: السياق العام للأزمة وتحول مضيق هرمز إلى محور تفاوضي
تكشف التطورات عن تحول واضح في طبيعة المقاربة المعتمدة في التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران. فبدلا من أن تظل قضايا الصواريخ الباليستية، والوكلاء الإقليميين، والأنشطة العسكرية غير التقليدية في صدارة النقاش، برزت مؤشرات على انتقال متزايد للاهتمام نحو مسألتين أساسيتين: مستويات تخصيب اليورانيوم، وموقع مضيق هرمز في معادلة الردع والتسوية.
وتصف مصادر خليجية هذا التحول بأنه باعث على القلق، ليس فقط لأن القضايا المرتبطة بالصواريخ والوكلاء تمس الأمن الخليجي بصورة مباشرة، بل أيضا لأن حصر التفاوض في الملفات ذات الأثر العالمي المباشر، كإمدادات الطاقة وحرية المرور في المضيق، يعني من وجهة نظر هذه المصادر أن المخاوف الأمنية لدول الجوار يمكن أن تُهمَّش لصالح أولويات القوى الكبرى. ومن هنا برزت فكرة جوهرية في النص مفادها أن إعادة فتح المضيق، إن تحققت، قد تكون الحد الأقصى القابل للتحقق في هذه الجولة من التفاهمات، بينما يبقى خفض التصعيد الأشمل، الذي يشمل البنية الصاروخية والنفوذ الإقليمي الإيراني، خارج إطار المعالجة الفعلية.
ويُفهَم من التطورات أن هذا التحول لم يأت من فراغ، بل نتيجة لكون الحرب والتهديدات المتبادلة كسرت محظورات تاريخية كانت تحيط بمسألة تعطيل مضيق هرمز. فالمضيق الذي طالما اعتُبر ورقة ضغط نظرية أو خيارا شديد الخطورة لا يُلجأ إليه إلا في أقصى الظروف، أصبح خلال الأزمة الحالية أداة تفاوض ملموسة. ويبرز في هذا السياق تصريح منسوب إلى دميتري ميدفيديف، الذي صور المضيق باعتباره “سلاحا” ردعيا تمتلكه إيران، ما يعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن طهران قادرة على استثمار الجغرافيا البحرية لتعظيم نفوذها من دون بلوغ العتبة النووية.
ويكشف هذا المسار عن تغير في قواعد اللعبة الاستراتيجية. فبدل أن يتركز الخوف فقط على احتمال امتلاك إيران سلاحا نوويا، ظهرت مقاربة ترى أن السيطرة العملية أو شبه العملية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم يمكن أن توفر لطهران قدرة ردعية واقتصادية وسياسية عميقة التأثير، وربما أقل كلفة من السلاح النووي وأكثر مرونة في التوظيف. وبذلك يتحول المضيق من مجرد قناة عبور إلى أداة لرفع الكلفة على الخصوم، وإعادة تشكيل شروط التفاوض، وفرض نوع من الاعتراف غير المباشر بالنفوذ الإيراني.
ثانيا: المخاوف الخليجية من “إدارة النفوذ” الإيراني بدلا من تفكيكه
تُظهر التقارير الصادرة عن وكالات الانباء أن جوهر القلق الخليجي لا يكمن فقط في إغلاق المضيق أو فرض رسوم عبور أو تعطيل الملاحة، بل في الاحتمال الأوسع المتمثل في أن تنتهي المفاوضات إلى تثبيت قواعد جديدة للاشتباك تقبل ضمنيا بنفوذ إيران على المضيق وعلى البيئة الأمنية المحيطة به. فالمصادر الخليجية تحذر من نهج يقوم على إدارة السلوك الإيراني وضبطه عند مستويات يمكن التعايش معها دوليا، بدلا من معالجة مصادر التهديد نفسها.
وتعني “إدارة النفوذ” هنا، السماح ببقاء عناصر القوة الأساسية لدى إيران – مثل القدرات الصاروخية، وشبكات الوكلاء، والقدرة على تهديد الملاحة – مع السعي فقط إلى منعها من الوصول إلى مستويات انفجارية قد تضر بالاقتصاد العالمي أو بمصالح القوى الكبرى. وهذه المقاربة، من وجهة النظر الخليجية، تنطوي على خلل بنيوي لأنها تركز على حماية السوق العالمية أكثر من حماية الإقليم المتاخم لمسرح التهديد.
وقد نقل عن مسؤولين ومحللين خليجيين أن المفاوضات باتت تعطي أولوية لمسألة التخصيب ومضيق هرمز، في حين تبقى الصواريخ والوكلاء –وهما أكثر ما يهدد أمن العواصم الخليجية والبنى التحتية الحيوية– خارج المعالجة الجادة. وبهذا المعنى، فإن إعادة فتح المضيق أو ضمان عدم إغلاقه لا تساوي، بالنسبة لدول الخليج، تسوية أمنية حقيقية، إذا كانت ستتم بالتوازي مع التسليم الضمني بحق إيران في الاحتفاظ بأدوات ضغطها الأخرى.
وهناك بعد آخر إضافة إلى هذا التخوف، يتمثل في مسألة من يضع القواعد ومن يتحمل العواقب. فإذا كانت القوى الكبرى تفاوض على حرية الملاحة، بينما تتحمل دول الخليج آثار الضربات الصاروخية والتخريب والتهديدات الممتدة، فإن الخلل لا يصبح سياسيا فقط، بل مؤسسيا أيضا. فإن ما يتشكل ليس تسوية نهائية، بل “هندسة متعمدة لصراع مستدام”، وهي عبارة تختصر المخاوف من أن يؤدي ضبط الأزمة إلى إدامتها في صورة منخفضة الحدة لكنها عالية الكلفة على الدول الأقرب جغرافيا إلى بؤرة التوتر.
ويبدو أن دول الخليج لا ترى في استقرار المضيق وحده مؤشرا كافيا إلى تحسن البيئة الأمنية، بل تعتبر أن أي تسوية لا تتناول الصواريخ والوكلاء والنمط العام للسلوك الإيراني ستظل ناقصة، بل قد تكون ضارة إذا منحت طهران شرعية عملية أو مكتسبة على نفوذها البحري والإقليمي. وهكذا يتضح أن الهاجس الخليجي ليس ظرفيا، وإنما يتعلق بترتيبات ما بعد الحرب وما بعد التفاوض: هل ستفضي إلى أمن جماعي أشمل، أم إلى صيغة جديدة من التهدئة المؤقتة التي تخفف الضغط على النظام الدولي وتترك التهديد ملازما للإقليم؟
ثالثا: الرؤية الإيرانية لمضيق هرمز بوصفه “أصلا ذهبيا”
في مقابل الهواجس الخليجية، هناك رؤية إيرانية مختلفة جذريا للمضيق. فبحسب مصادر أمنية إيرانية غير رسمية أوردتها التقارير الخبرية، لا يُنظر إلى هرمز بوصفه مجرد ممر قابل للتأثر بالظروف، بل باعتباره أحد أهم أصول القوة الإيرانية وأكثرها رسوخا، لأنه مرتبط بجغرافيا لا يمكن انتزاعها من إيران أو تجاوزها بسهولة.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها توضح أن إيران لا تعتبر تهديد المضيق مجرد رد فعل ظرفي على حرب أو عقوبات، بل جزءا من بنية الردع التي أُعدّ لها على مدى سنوات. ومن هنا جاء وصفه في النص بأنه “أصل ذهبي لا يقدر بثمن”، وهي صياغة تنطوي على دلالات متعددة: أولا، أن قيمة المضيق بالنسبة لطهران ليست عسكرية فقط، بل اقتصادية وسياسية ورمزية. ثانيا، أن هذه القيمة لا تستند إلى التكنولوجيا أو إلى توازنات متغيرة فقط، بل إلى عنصر ثابت هو الجغرافيا. وثالثا، أن امتلاك مثل هذا “الأصل” يمنح إيران قدرة على الردع حتى من دون امتلاك سلاح نووي فعلي، أو على الأقل يوفر لها بديلا أو مكملا لوسائل الردع الأخرى.
حيث تنظر بعض الأوساط المقربة من الحرس الثوري إلى المحظورات التقليدية التي كانت تمنع استخدام المضيق كورقة ضغط على أنها قد كُسرت بالفعل. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن مجرد التهديد بالإغلاق أو فرض الرسوم أو تنظيم المرور وفق شروط إيرانية لم يعد يُعدّ استثناءً مستبعدا، بل أصبح جزءا من الأدوات التي يمكن إدخالها في الحسابات التفاوضية والعملياتية. وبصياغة أخرى، فإن المضيق بات سيفا “أُخرج من غمده”، ولم يعد ممكنا العودة بسهولة إلى الفهم القديم الذي يفترض بقاءه خارج التسييس المباشر.
ومن الناحية الاستراتيجية، تقدم هذه الرؤية الإيرانية تفسيرا لسبب القلق الدولي. فإذا كانت طهران ترى أن الجغرافيا نفسها تمنحها قدرة على فرض التكلفة على خصومها، فإنها تكون أقل احتياجا إلى المغامرة القصوى، وأكثر قدرة على التدرج في الضغط: من التلويح، إلى التعطيل الجزئي، إلى فرض التنسيق، إلى السعي لفرض رسوم أو ترتيبات عبور خاصة. وفي كل مرحلة من هذه المراحل تستطيع التأثير في الأسعار، وفي حسابات التأمين، وفي قرارات الشركات، وفي مواقف الحكومات المستوردة للطاقة.
وتبرز في هذا السياق معادلة دقيقة: إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق كامل ومستدام للمضيق كي تحقق مكاسب؛ يكفي أن تجعل المرور فيه مرهونا بالتنسيق معها أو بالخوف من تصعيدها، لكي يتحول المضيق إلى مساحة نفوذ عملي. وهذا بدوره يفسر المخاوف الخليجية من أن تعترف المفاوضات، ولو ضمنا، بهذه الحقيقة الجديدة عبر التركيز على “إدارة” المرور بدلا من إعادة تثبيت القواعد القانونية الدولية بصورة كاملة وغير مشروطة.
رابعا: الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية العالمية لمضيق هرمز
تكاد جميع المعطيات والتطورات التحليلية تتفق على أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وربما أهمها على الإطلاق في ما يتعلق بالطاقة. فالمضيق يربط الخليج بخليج عمان وبحر العرب، ويمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى جزء بالغ الأهمية من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لا سيما صادرات قطر، فضلا عن تدفقات الأسمدة والمواد البتروكيماوية وشحنات تجارية أخرى.
فالجغرافيا الملاحية للمضيق: طوله يقارب 167 كيلومترا، وعرضه عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومترا، مع ممرات ضيقة نسبيا للدخول والخروج ومنطقة عازلة بينهما. وهذه السمات الجغرافية تزيد من قابليته للتأثر بالتهديدات، إذ تجعل السفن التجارية عرضة للمراقبة والاستهداف أو على الأقل للإرباك، خاصة مع قرب بعض المسارات من السواحل والجزر الإيرانية، وما يوفره الساحل الجبلي من مزايا تكتيكية للقوات الإيرانية.
وتبرز أهمية المضيق أكثر عند النظر إلى اعتماد عدد من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم عليه بوصفه المنفذ البحري الأساسي أو شبه الوحيد لصادراتهم. فالسعودية، والإمارات، والكويت، والعراق، وإيران نفسها، تصدر معظم نفطها الخام عبره، بينما تنقل قطر عبره معظم إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال. وهذا يعني أن أي اضطراب في المضيق لا يقتصر على بلد واحد أو سلعة واحدة، بل يهدد جزءا أساسيا من منظومة الطاقة العالمية بأكملها.
كذلك فإن تأثير إغلاق المضيق أو تعطيل المرور فيه لا يقتصر على النفط الخام. فهناك آثار على وقود الطائرات، والأسمدة، والسلع الأساسية، وسلاسل الإمداد البحرية، وتكاليف النقل والتأمين. ولهذا فإن الدول المستوردة الكبرى –مثل الصين، وأوروبا، وقسم من آسيا– تنظر إلى أمن المضيق باعتباره مسألة تتجاوز الإقليم إلى الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن الأبعاد المهمة أيضا أن البدائل المتاحة للمضيق تظل محدودة أو غير كافية أو عرضة لتهديدات مشابهة. صحيح أن بعض دول الخليج حاولت تطوير خطوط أنابيب ومسارات بديلة لتجاوز المضيق، لكن هذه البدائل لا تعمل دائما بكامل طاقتها، كما أنها ليست بمنأى عن الهجمات الصاروخية أو أعمال التخريب. وبالتالي، يظل المضيق، رغم جميع الجهود الالتفافية، عقدة لا غنى عنها في النظام الطاقوي العالمي.
هذا الحجم من الأهمية هو ما يفسر لماذا تتحول أي أزمة فيه سريعا إلى أزمة عالمية. فالمشكلة لا تكمن فقط في كمية النفط أو الغاز التي قد تتعطل، بل في الإشارة التي ترسلها الأزمة إلى السوق: أن أحد أهم الشرايين البحرية في العالم قد أصبح رهينة حسابات عسكرية وسياسية متقلبة. وهذه الإشارة وحدها كافية لرفع الأسعار وزيادة أقساط التأمين وإعادة تقييم المخاطر عبر قطاعات واسعة.
خامسا: البعد القانوني: هل تستطيع إيران فرض رسوم على العبور؟
في الجانب القانوني من الأزمة، ولا سيما مسألة إمكان فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز. يُفهم من المرجعية القانونية الأساسية هنا هي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي دخلت حيز النفاذ عام 1994، وتنص في مادتها 38 على حق السفن في المرور دون عوائق عبر المضائق الدولية، ومنها مضيق هرمز.
وهناك تمييز مهم بين نوعين من المرور: المرور العابر في المضائق الدولية، والمرور البريء في المياه الإقليمية. فالدول المطلة على المضيق يمكنها تنظيم المرور داخل مياهها الإقليمية حتى 12 ميلا بحريا من حدودها، لكن ذلك لا يعني أنها تملك حقا مطلقا في منع المرور أو فرض رسوم مقابل مجرد السماح به. ويمكن فرض رسوم محدودة فقط في مقابل خدمات فعلية، مثل الإرشاد البحري أو القطر أو الخدمات المينائية، لا باعتبار الرسوم ثمنا لحق العبور ذاته.
غير أن هناك تعقيد مهم يتمثل في أن إيران والولايات المتحدة لم تصادقا على اتفاقية قانون البحار، ما يفتح الباب لتساؤلات حول مدى إلزامها لهما. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن قواعد حرية الملاحة في المضائق الدولية أصبحت، أو يُنظر إليها على نطاق واسع، بوصفها جزءا من القانون الدولي العرفي، أي أنها لا تستمد قوتها الإلزامية فقط من التصديق الصريح، بل من الممارسة الدولية المستقرة والقبول العام بها.
وتقود هذه النقطة إلى نتيجة عملية مهمة: حتى لو حاولت إيران المجادلة بأنها غير ملزمة نصا بالاتفاقية، فإن فرض رسوم على العبور في مضيق دولي بحجم هرمز سيُنظر إليه على الأرجح كإجراء مخالف للقواعد المستقرة لحرية الملاحة، وسيقابل باعتراضات سياسية وقانونية واسعة. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تحديد المبدأ القانوني، بل في آليات إنفاذه.
فلا توجد، آلية تنفيذية مباشرة وفعالة تضمن فرض احترام اتفاقية قانون البحار فورا في مثل هذه الحالات. صحيح أن المحكمة الدولية لقانون البحار ومحكمة العدل الدولية يمكنهما إصدار أحكام، لكنهما لا تملكان وسائل تنفيذ ذاتية. ومن هنا فإن مقاومة أي رسوم مفروضة أو قيود على الملاحة ستعتمد عمليا على مزيج من الضغوط السياسية، وقرارات مجلس الأمن إن أمكن، والتحالفات البحرية، والعقوبات الاقتصادية، وقرارات الشركات التجارية نفسها في ما يتعلق بإعادة توجيه الشحنات أو الامتناع عن الامتثال.
ويكشف هذا الجانب القانوني عن مفارقة أساسية: ثمة إطار قانوني واضح نسبيا يناصر حرية المرور في المضيق، لكن فعالية هذا الإطار تتوقف على موازين القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وبذلك يصبح السؤال القانوني مرتبطا عضويا بالسؤال الجيوسياسي: ليس فقط ما الذي يسمح به القانون، بل من يملك فرض تفسيره وتطبيقه عمليا في منطقة شديدة الحساسية.
سادسا: الأثر الاقتصادي للأزمة على الخليج والاقتصاد الدولي
ان الكلفة الاقتصادية للأزمة ليست جانبية أو مؤقتة، بل هي عنصر محوري في تفسير سلوك الأطراف جميعا. فعلى مستوى دول الخليج، تسببت الحرب وتعطيل المضيق أو تقييد الملاحة فيه في ضغوط على البنية التحتية للطاقة، وارتفاع تكاليف التصدير والتأمين، وإرباك طرق الشحن، فضلا عن الحاجة إلى الاعتماد على مسارات بديلة أكثر كلفة وأقل أمانا. والاقتصادات الخليجية دفعت بالفعل أثمانا ملموسة نتيجة لهذه التطورات، حتى لو لم تكن هي من صاغ قرار الحرب أو قرار التفاوض.
أما على المستوى العالمي، فأن العالم خسر ما يزيد على 50 مليار دولار من النفط الخام غير المنتج منذ اندلاع الحرب، وأن أكثر من 500 مليون برميل من النفط والمكثفات خرجت من السوق العالمية خلال فترة الأزمة، في ما وُصف بأنه أكبر تعطل لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث. وبغض النظر عن دقة التقديرات من عدمها، فإن الرسالة العامة واضحة: أثر الأزمة تجاوز بكثير النطاق المحلي أو الإقليمي، وامتد إلى توازنات العرض والطلب العالمية، وإلى التضخم، وتكاليف الطاقة، ومخاطر الركود الاقتصادي.
ويتضح الاتساع القطاعي للأثر في وقود الطائرات والأسمدة والنقل البحري. فشركات الطيران الأوروبية والآسيوية بدأت تتخوف من احتمال نقص وقود الطائرات وتقنينه، في حين ارتفعت كلفة التأمين البحري، ودُشنت ترتيبات تأمينية إضافية للسفن العابرة للمضيق بقيمة تصل إلى مليار دولار، كما بدأت شركات الشحن تعيد تقييم مساراتها وتبحث عن بدائل معقدة لبعض البضائع.
وتبرز هنا نقطة مهمة: الأزمات المرتبطة بالممرات البحرية لا تؤدي فقط إلى “فقدان” سلعة أو “تعطيل” طريق، بل تخلق طبقات متراكبة من التكلفة. فحتى عندما لا يتوقف التصدير كليا، ترتفع الأقساط التأمينية، وتزداد كلفة الامتثال والإجراءات الأمنية، ويتردد بعض المشغلين في العبور، وتتباطأ السلاسل اللوجستية، وتتشكل توقعات تضخمية في الأسواق. وبذلك قد يتجاوز الأثر الاقتصادي الحجم المادي المباشر للنفط أو الغاز المعطل.
ان التعافي الكامل ليس بالضرورة سريعا حتى بعد الإعلان عن إعادة فتح المضيق أو التوصل إلى وقف إطلاق نار. فالأضرار التي تصيب الحقول والموانئ ومنشآت التكرير والغاز والبنية اللوجستية قد تحتاج إلى أشهر أو سنوات للعودة إلى طاقتها السابقة، كما أن المخزونات قد تكون قد انخفضت، وأن ثقة السوق لا تستعاد بمجرد إعلان سياسي عابر. وهذا ما يجعل أثر الأزمة ممتدا زمنيا، ويزيد من أهمية استدامة أي ترتيبات أمنية أو سياسية لاحقة.
سابعا: الضغط الاقتصادي بوصفه نقطة ضعف في القرار الأمريكي
من بين الأفكار اللافتة في التقارير والتحليلات التي تناولت أثر الأزمة على السياسة الداخلية الأمريكية، وعلى حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديدا. فالحرب، رغم أنها لم تحقق جميع أهدافها تجاه إيران، كشفت عن نقطة ضعف رئيسية في سلوك الإدارة الأمريكية، وهي الحساسية الشديدة تجاه الكلفة الاقتصادية الداخلية، خاصة ما يتصل بأسعار البنزين، والتضخم، والأسواق المالية، والمزاج الانتخابي.
فالولايات المتحدة، وإن لم تعتمد مباشرة على معظم النفط الذي يمر عبر المضيق، فإنها ليست معزولة عن أثر اضطراب الطاقة عالميا. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على المستهلك الأمريكي، ويؤثر في تكلفة النقل، والزراعة، والطيران، والسلع، كما ينعكس سياسيا على شعبية الإدارة الحاكمة. ومن ثم، فإن أي رئيس أمريكي، خصوصا في ظرف انتخابي أو في ظل انقسام سياسي داخلي، يجد نفسه مضطرا إلى الموازنة بين التصعيد الخارجي والقدرة على امتصاص كلفته داخليا.
وإيران كانت تدرك هذه الحقيقة، واستفادت من التهديد الاقتصادي الناجم عن إغلاق المضيق أو تعطيله لدفع واشنطن نحو طاولة التفاوض. وبهذا المعنى فإن القوة الإيرانية لم تتجسد فقط في قدرتها على إلحاق الضرر العسكري أو تعطيل الملاحة، بل أيضا في قدرتها على ترجمة الضغط الجغرافي إلى ضغط سياسي داخلي على الإدارة الأمريكية.
ان خصوم الولايات المتحدة وحلفاءها على السواء قد يستخلصون من هذه الأزمة درسا مفاده أن واشنطن قد تبدي استعدادا لاستخدام القوة العسكرية، لكنها تميل إلى البحث عن مخرج دبلوماسي حين ترتفع الكلفة الاقتصادية المحلية إلى مستويات مزعجة. وإذا كان هذا الانطباع قد ترسخ بالفعل، فإنه ستكون له آثار تتجاوز إيران إلى ساحات أخرى، حيث قد تحاول قوى منافسة للولايات المتحدة اختبار حدود تحمّلها الاقتصادي والسياسي.
ومن جهة أخرى، يعزز هذا البعد التفسير الخليجي للقلق من التفاوض الثنائي غير المشاور. فإذا كانت واشنطن معنية قبل كل شيء بوقف الضرر الاقتصادي الداخلي وتهدئة الأسواق، فقد تكون أكثر ميلا إلى حلول سريعة أو جزئية تُعيد فتح المضيق وتخفض الأسعار، حتى لو لم تعالج جميع العناصر التي تراها دول الخليج جوهرية لأمنها. ومن هنا يمكن فهم جانب من الإحباط الخليجي حيال عملية صنع القرار الأمريكية الأحادية التي أشارت إليها المواد.
ثامنا: مواقف دول الخليج بين الاعتماد على واشنطن والقلق من الانفراد الأمريكي
تكشف التقارير عن موقف خليجي مزدوج ومعقد. فمن ناحية، لا تزال القدرات العسكرية الأمريكية، بما فيها أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والوجود البحري والتفوق العملياتي، تمثل عنصرا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي. وتُقر أصوات خليجية بأن هذه القدرات أسهمت في حماية دول المنطقة وتقليص بعض آثار الحرب. ومن ناحية أخرى، يتزايد الاستياء من تهميش العواصم الخليجية في القرارات الكبرى المتعلقة بأمنها المباشر.
هذا الازدواج يظهر في عبارات متعددة نقلتها المادة عن محللين ومسؤولين خليجيين، تؤكد أن الولايات المتحدة “جزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي”، لكن ذلك لا يبرر التصرف المنفرد أو تجاهل آراء دول المنطقة. ويعني هذا أن المشكلة ليست في مبدأ الشراكة مع واشنطن، بل في طريقة إدارتها: هل هي شراكة تشاورية تراعي مصالح الحلفاء ومخاوفهم، أم علاقة أمنية غير متكافئة تتخذ فيها القرارات الحاسمة في واشنطن بينما تتحمل العواصم الخليجية قسطا كبيرا من تبعاتها؟
فالحرب دفعت دول الخليج إلى استخلاص درس إضافي، وهو محدودية الاعتماد على “مدافع خارجي واحد”. فحتى مع الاعتراف بأهمية الولايات المتحدة، برز إدراك بأن المظلة الأمريكية ليست كافية لتبديد المخاطر أو لضمان أن القرارات الأمريكية ستراعي دائما الأولويات الخليجية. ومن ثم فإن الأزمة قد تدفع، على الأرجح، إلى مزيد من التفكير الخليجي في تنويع الشراكات الأمنية، أو على الأقل في تعميق القدرات الذاتية، ورفع مستوى التنسيق الإقليمي المستقل.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن التحفظ الخليجي العلني خلال الحرب لم يكن مجرد تحفظ دبلوماسي، بل عكس حالة أوسع من عدم اليقين. فمن الصعب بالنسبة لدول تعتمد على الاستقرار الاقتصادي والطاقة والتجارة أن تنخرط بحماسة في مسار تصعيدي لا تتحكم في إيقاعه، وتتحمل مع ذلك كلفته على مستوى الأمن والمنشآت والأسواق. ولهذا ظهر الصمت العلني أو الخطاب الحذر بوصفه انعكاسا لعجز نسبي عن التأثير في القرار، لا مجرد حياد اختياري.
ومن هنا تكتسب مسألة استبعاد الخليج من المحادثات وزنا أكبر. فبالنسبة إلى هذه الدول، لم تعد القضية مجرد شأن ثنائي أمريكي إيراني أو حتى إقليمي محدود، بل باتت تمس بنية التجارة والطاقة العالمية، وتؤثر مباشرة في الدول المنتجة والمجاورة. ومن ثم فإن تهميشها في ترتيبات تتعلق بالمضيق يثير سؤالا عن مدى عدالة وفعالية أي نظام أمني يُصاغ من فوق رؤوس الأطراف الأكثر تعرضا للخطر.
تاسعا: الموقف الصيني والتحرك الأوروبي والبريطاني
اما الأطراف الدولية الأخرى فإنها لم تقف موقف المتفرج، بل بدأت تتخذ مواقف وخطوات تعكس حجم مصلحتها في استقرار المضيق. ففي ما يتعلق بالصين، هناك الاتصال الهاتفي بين الرئيس الصيني وولي العهد السعودي، والدعوة الصريحة إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة. وتدل هذه الإشارة على أن بكين تنظر إلى المضيق باعتباره مسألة حيوية لأمنها الطاقوي، خاصة أنها من كبار المستوردين للنفط الإيراني والخليجي.
ويكشف الموقف الصيني، عن حرص على ربط استقرار المضيق بالحل السياسي والدبلوماسي، وعلى إبراز مبدأ أن دول المنطقة ينبغي أن تتولى زمام مستقبلها بنفسها. فهي من جهة تريد حماية مصالحها الاقتصادية وتدفق الطاقة، ومن جهة أخرى تسعى إلى توسيع حضورها السياسي بوصفها فاعلا داعما للتهدئة، وربما بديلا نسبيا أو موازنا للهيمنة الأمريكية المنفردة في إدارة أزمات المنطقة.
أما أوروبا، فقد بدا موقفها أكثر صرامة في الشق القانوني والاقتصادي. إذ أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي دعت إيران إلى التخلي عن أي خطط لفرض رسوم عبور، مؤكدة أن العبور في الممرات المائية الدولية يجب أن يبقى مفتوحا ومجانيا وفقا للقانون الدولي. كما أشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى توسيع معايير العقوبات لتشمل المسؤولين عن إغلاق المضيق أو عرقلة حرية الملاحة فيه.
ويعكس هذا التوجه إدراكا أوروبيا بأن ترك مسألة المضيق رهينة للتفاوض السياسي وحده قد يخلق سابقة خطيرة في الممرات البحرية الدولية، لا تقتصر آثارها على الخليج بل تمتد إلى مبادئ النظام البحري العالمي. كما يكشف عن استعداد أوروبي للانتقال من المواقف السياسية العامة إلى استخدام أدوات قانونية وعقابية أكثر تحديدا.
وفي السياق نفسه، برزت بريطانيا وفرنسا ومعهما دول أوروبية أخرى في الحديث عن مهمة متعددة الجنسيات لتأمين مضيق هرمز. وهذه المهمة تُقدَّم باعتبارها “سلمية ودفاعية” ومرتبطة بتأمين الملاحة وإزالة الألغام، لا بتوسيع الحرب. لكن مجرد طرحها يعكس اقتناعا متناميا لدى الأوروبيين بأن أمن الممرات البحرية لا يمكن تركه بالكامل لمسار التفاوض أو لحسابات الأطراف المتصارعة.
ومع ذلك، تظل فعالية هذه التحركات مرتبطة بعوامل كثيرة، منها شرعية التحالفات، والموقف الأمريكي، ومدى استعداد الدول للمساهمة الفعلية، وقدرة هذه المهام على تحقيق الردع من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وهو ما يعني أن الحراك الدولي، رغم أهميته، لم يحسم بعد شكل النظام الأمني الذي سيحكم المضيق على المدى المتوسط.
عاشرا: ما الذي تكشفه الأزمة عن طبيعة الصراع الإقليمي؟
من خلال جمع الخيوط المختلفة، يتبين أن الأزمة ليست مجرد نزاع حول ممر بحري أو جولة تفاوض نووي، بل تعكس تحولا في طبيعة الصراع الإقليمي نفسه. فالصراع بات يُدار عبر مزيج من الأدوات العسكرية المحدودة، والضغط الجغرافي، والاقتصاد السياسي للطاقة، والقانون الدولي، والتحالفات المتحركة، والرسائل الموجهة للأسواق والرأي العام الدولي.
ومن أبرز ما تكشفه هذه الأزمة أن الفاعل القادر على التأثير في عقدة لوجستية عالمية قد يحقق نفوذا يتجاوز بكثير حجمه العسكري التقليدي. فإيران استطاعت عبر مضيق هرمز أن تنقل مركز الثقل من مجرد المواجهة المباشرة إلى مسألة الكلفة العالمية. وهذا يمنحها قدرة تفاوضية لا تنبع فقط من قوتها الذاتية، بل من درجة اعتماد العالم على الممر الذي يجاور سواحلها.
وفي المقابل، تكشف الأزمة أن الدول الخليجية، رغم قوتها الاقتصادية وارتباطها العميق بالنظام الطاقوي العالمي، لا تزال تشعر بوجود فجوة بين حجم تعرضها للمخاطر وحجم تأثيرها في هندسة التسويات. وهذه الفجوة هي التي تغذي مخاوفها من أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين، بدلا من أن تكون شريكا كاملا في صنع الترتيبات الأمنية التي تمسها مباشرة.
كما تكشف الأزمة حدود بعض التصورات السابقة حول الردع. فلعقود، ارتبطت المخاوف الكبرى في الخليج بالبرامج النووية أو التوازنات العسكرية الصلبة، لكن ما برز هنا هو أن الجغرافيا البحرية يمكن أن تصبح أداة ردع ورد فعل أكثر فعالية وأسرع مردودا في بعض الظروف. وهذا لا يلغي المخاوف التقليدية، لكنه يضيف إليها بعدا جديدا يجعل من أمن الممرات وحرية الملاحة جزءا لا يتجزأ من معادلة الردع الإقليمي.
كذلك تُظهر الأزمة أن النظام الدولي نفسه يواجه اختبارا في ما يتعلق بحرية الملاحة. فإذا أصبح من الممكن فعليا تقييد أو تسعير المرور في مضيق استراتيجي بفعل القوة أو التهديد، فإن ذلك يطرح تحديا على المبادئ القانونية التي حكمت التجارة البحرية الحديثة. ومن هنا فإن ما يجري في هرمز لا يمس الخليج وحده، بل يختبر تماسك قواعد النظام البحري العالمي برمته.
استنتاجات عامة
يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات الأساسية:
أولها، أن مضيق هرمز لم يعد مجرد مسرح للأزمة، بل أصبح موضوع الأزمة نفسه. فهو ليس فقط المكان الذي تتجلى فيه التهديدات، بل الأداة التي تعاد من خلالها صياغة شروط التفاوض والردع.
ثانيها، أن المخاوف الخليجية تتمحور حول احتمال أن تفضي التفاهمات الأمريكية الإيرانية إلى استقرار جزئي يخدم الأسواق العالمية ويخفف الضغط عن واشنطن وطهران، من دون أن يعالج مصادر التهديد الأكثر التصاقا بأمن الخليج، وعلى رأسها الصواريخ والوكلاء وقواعد النفوذ البحري.
ثالثها، أن إيران تبدو، مقتنعة بأن المضيق يمثل أحد أهم عناصر قوتها الجيوسياسية، وأنه “أصل” لا يمكن نزعه منها، ما يعني أن حضوره في أي تفاوض مستقبلي سيبقى قويا، حتى لو تغيّرت أشكال التهديد المباشر.
رابعها، أن القانون الدولي يوفر أساسا واضحا نسبيا لمبدأ حرية الملاحة ورفض فرض رسوم على مجرد العبور، لكن المشكلة الأساسية ليست في غياب القاعدة القانونية، بل في آليات فرضها وإنفاذها في بيئة مشبعة بالتوتر وموازين القوة.
خامسها، أن الأزمة أثبتت هشاشة الاقتصاد العالمي أمام اضطراب ممر بحري واحد، وأظهرت أن الأثر لا يقتصر على النفط والغاز، بل يمتد إلى الشحن والتأمين والطيران والأسمدة والتضخم والأسواق المالية.
سادسها، أن الضغط الاقتصادي الداخلي في الولايات المتحدة يظل عاملا حاسما في رسم حدود التصعيد والتهدئة، وهو ما يمنح القوى القادرة على تهديد الاستقرار الطاقوي العالمي نفوذا غير مباشر على القرار الأمريكي.
سابعها، أن الحلفاء الأوروبيين والصين وغيرهم باتوا أكثر انخراطا في مسألة المضيق، لكن هذا الانخراط لا يزال محكوما بتوازن دقيق بين الرغبة في حماية التجارة والطاقة، والخشية من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وثامنها، أن دول الخليج تقف أمام معادلة صعبة: فهي لا تستطيع الاستغناء عن الشراكة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تدرك حدود الاعتماد الأحادي عليها، ما قد يدفعها مستقبلا إلى مراجعات أوسع في مفهوم الأمن الإقليمي وتوزيع الشراكات والقدرات.
وبناء على ذلك، فإن مستقبل مضيق هرمز سيظل مرآة لمسار أوسع: مسار الصراع والتسوية في الشرق الأوسط، وحدود النفوذ الإيراني، ومدى قابلية النظام الدولي للدفاع عن حرية الملاحة في مواجهة منطق القوة. وإذا كانت الأزمة قد كشفت شيئا أساسيا، فهو أن الاستقرار الحقيقي في الخليج لا يمكن اختزاله في مرور السفن وحده، بل يتطلب معالجة أعمق لقواعد الأمن، والردع، والمشاركة الإقليمية في صنع القرارات التي تحدد مصير المنطقة.



اضف تعليق