بقلم: ريكاردو هوسمان

كمبريدج ــ لا يجب أن تكون عالما في الجهاز العصبي بالضرورة حتى تفهم أن دماغك يحدد ما تراه عيناك على الأقل بقدر ما تفعل مواضيع الإدراك المرئية. وهذه هي الحال بقدر أكبر من الوضوح في الـعـالَـم الاجتماعي، الذي يعكس في عموم الأمر مفاهيم كامنة في عقل المرء بالفعل ــ مثل الحرية، أو الديمقراطية، أو الفساد، أو الفقر. ولكن إذا كنت متخصصا في الاقتصاد، فإن هذا يعني أن عقلك تَـدَرَّبَ على رؤية العالم من خلال طبقة إضافية من البواعث والمحفزات.

المحفزات موجودة في كل مكان، وقد طور أهل الاقتصاد إطارا مفاهيميا ثريا دقيقا لفهم كل الطرق التي قد تتشوه بها هذه المحفزات. فنحن نتحدث عن المخاطر الأخلاقية، والاختيار المعاكس، ومشاكل المجمعات المشتركة، ومشاكل الوكالة، والعوامل الخارجية، والبحث عن الريع، والاستبعاد، والمنافسة، وقوة السوق. وبالاستعانة بهذه المفاهيم، يستطيع خبراء الاقتصاد تفسير السبب الذي قد يجعل شخص ما يقوم بأقل مما ينبغي من نشاط حسن (مثل الاستثمار، أو العمل، أو توفير السلع العامة)، أو أكثر مما ينبغي من نشاط سيئ (مثل المجازفة المتهورة أو إحداث التلوث). من هذا المنظور، يمكننا أن نعزو أغلب مشاكل العالم إلى محفزات أو دوافع مشوهة.

لكن أحد الأمثلة القديمة يحذرنا من رؤية كل مشكلة على أنها مسمار لمجرد أنك تحمل بيدك مطرقة. ورغم أن علم الاقتصاد من الممكن أن يعبر عن العديد من التفاصيل الدقيقة للمحفزات والدوافع، فقد عمل على تطوير مجموعة أضيق نسبيا من الطرق التي يمكننا من خلالها وصف القدرات والكيفية التي تنمو بها. لكن القدرات تشكل أهمية واضحة. فإذا كان شخص ما لا يفعل شيئا نقدره كمجتمع، فربما يكون هذا راجعا إلى عدم قدرته، وليس لأنه غير راغب في ذلك. تخلف نقطة الضعف هذه في الاقتصاد عواقب بعيدة المدى على فهمنا للنمو الاقتصادي والتنمية، والذي يتعلق بشكل أساسي بالتراكم الاجتماعي للقدرات الإنتاجية.

في حين تؤثر المحفزات على الاختيارات التي يتخذها المرء بين الخيارات التي يواجهها، فإن القدرات تحدد الخيارات المتاحة. يتعلق النمو الاقتصادي والتنمية بتوسيع هذه الخيارات وبالتالي فإنهما يعتمدان بشكل أساسي على السياسات التي تعمل على تحفيز أو تسهيل تراكم القدرات. ومع ذلك، بسبب التركيز قَـصرا على المحفزات، تنتهي الحال بأهل الاقتصاد وصناع السياسات إلى البحث عن المسامير فقط.

على سبيل المثال، إذا سألت أهل الاقتصاد عن التدابير التي يمكن اتخاذها لتعزيز صادرات بلد ما، فإنهم يميلون إلى البحث عن مثبطات التصدير. ربما تدفع سياسات الحماية التجارية الشركات إلى تفضيل السوق المحلية المربحة على أسواق التصدير الأكثر تنافسية. وربما ترفع التعريفات الجمركية على الواردات من تكاليف المدخلات، مما يجعل الصادرات أقل ربحية. وربما تضيف السياسات التجارية والإجراءات الجمركية إلى تكاليف المعاملات. أو ربما أصبحت تكاليف النقل الباهظة تشكل عائقا. ليس من المستغرب أن تكون كل هذه العوامل القائمة على المحفزات واردة في مؤشر ممارسة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي ومؤشر تيسير التجارة الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي.

نادرا ما يضع الاقتصاديون الذين يدرسون هذه المسألة في اعتبارهم ما إذا كانت الدولة لديها القدرات اللازمة لإنتاج المنتجات المناسبة بالجودة المناسبة. هل تساعد السياسات الرامية إلى خفض حواجز الحماية التجارية والحد من تكاليف النقل في تعزيز هذه القدرة؟ أو أن المنافسة المتزايدة في السوق المحلية تعرقل التصنيع وتُـضـعِـف القدرة على التفاوض مع الشركات الأجنبية؟ بدون النظر إلى الكيفية التي قد تؤثر بها هذه السياسات على تراكم القدرات، يصبح من غير الممكن حتى تقييمها على النحو اللائق.

على نحو مماثل، عند السؤال عن السبب وراء تركز هذا القدر الكبير من فرص العمل في البلدان الناشئة والنامية في الشركات المتناهية الصِـغَـر ــ أي القطاع غير الرسمي ــ تكون الإجابة الواضحة، كما يزعم الباحث سانتياجو ليفي من مؤسسة بروكنجز، أن الحكومة جعلت من المفيد أن تظل أعمالك صغيرة من خلال الضرائب وإعانات الدعم. ولكن ألا يمكننا أيضا تفسير المشكلة بافتقار الشركات المتناهية الـصِـغَـر إلى القدرة على الوصول إلى القدرات اللازمة للنمو، أو افتقار الشركات الضخمة إلى القدرة على الوصول إلى العمال البعيدين؟

لتوسيع قدراتها ــ وبالتالي خياراتها ــ يتعين على البلدان والشركات أن تتعلم كيف تقوم بالأشياء التي لا تعرف كيفية القيام بها بعد. ومع ذلك، لا يستطيع المرء أن يتعلم القيام بأشياء لا يقوم بها من خلال القيام بها ببساطة. فلا يمكن للمرء أن يكتسب الخبرة من خلال القيام بأشياء لا يقوم بها.

كيف يمكن لدولة أن تهرب من هذه المعضلة؟ تتمثل خطوة أولى واضحة في جلب الأشخاص أو الشركات التي تعرف كيفية القيام بهذه الأشياء. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن الهجرة، والمغتربين، والاستثمار المباشر الأجنبي، بل وحتى سفريات الأعمال من العوامل المهمة في تعزيز نمو القدرات المحلية. يتعين على صناع السياسات أن يسألوا ما إذا كانت البلدان تقوم بأشياء (أو لا تقوم بأشياء) ربما تؤدي إلى الحد من هذه القنوات التحويلية المحتملة (أو تعزيزها).

علاوة على ذلك، ما يهم هنا ليس تنوع المهارات الفردية وحسب، بل وأيضا التوافر المحلي من الموردين والعملاء، وخاصة في ما يتصل بالمدخلات أو المنتجات التي لا يمكن شحنها بسهولة. مرة أخرى، تعتمد هذه العوامل على بنية النظام البيئي القائم للأعمال الذي تتعامل معه الشركات على أنه أمر مفروغ منه. وهذا النظام البيئي بدوره يشكل انعكاسا للتراكم السابق للقدرات، بما في ذلك تلك التي تكتسبها الحكومة وتستخدم لتوفير سلع عامة وضوابط تنظيمية بعينها. لن تقود الأسواق وحدها أي بلد إلى تبني الكهرباء، والسكك الحديدية العالية السرعة، واللقاحات الآمنة، والخدمات المصرفية عبر الأجهزة المحمولة؛ بل يجب أن تتدخل الحكومات الراغبة والقادرة لتوجيه العملية.

باختصار، تتوفر القدرات على مستويات مختلفة ــ من الأفراد والشركات إلى سلاسل القيمة وأنظمة بيئية كاملة تشمل كيانات تعليمية، وتدريبية، وبحثية، وتنظيمية، وما إلى ذلك. لكن القدرات لا يمكن تنسيقها بواسطة الأسواق فقط، خاصة وأن العديد من القدرات توجد داخل منظمات غير سوقية.

يجب أن يكون تراكم القدرات في صميم أي أجندة لتعزيز النمو والتنمية، ويتعين على الحكومات أن تكون على استعداد للانخراط في مناقشات وطنية وإقليمية حول الأهداف المناسبة والاستراتيجيات الفـعّـالة. هناك العديد من الأدوات التي يمكن استخدامها لتطوير وتنمية القدرات. وتشمل هذه الأدوات توفير الحماية التجارية للصناعات الوليدة؛ والمطالبة بالضمانات (مثل عقود شراء لقاحات مرض فيروس كورونا 2019 قبل أن تثبت فعاليتها)؛ والمؤسسات المملوكة للدولة (كما في النظام البريدي والمرافق العامة)؛ والسياسات التي تعمل على دفع التكتلات الوطنية إلى التنويع؛ وشركات التنمية الوطنية (مثل تيماسيك في سنغافورة وخزانة في ماليزيا)؛ وإطلاق رحلات إلى القمر (كما اقترحت ماريانا مازوكاتو)؛ وأنظمة الابتكار الإقليمية والوطنية.

كانت مساهمة الاقتصاد الملحوظة في العالم متمثلة في تعميق فهمنا للمحفزات. لكن الافتقار إلى فهم مكافئ للقدرات قد يقودنا ليس فقط إلى رؤية كل مشكلة على أنها مسمار، بل وأيضا إلى صلب البلدان النامية على صليب من العقيدة الزائفة.

* ريكاردو هوسمان، وزير التخطيط السابق لفنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية هارفارد كينيدي، ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد.
https://www.project-syndicate.org

............................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1