تُعد السياسة النقدية من اهم الادوات التي تستخدمها البلدان في معالجة المشاكل الاقتصادية سواء كانت على مستوى النمو، البطالة، الفقر، التضخم، والاستقرار النقدي، وهناك من لا يميز بين الاستقرار الاقتصادي والنقدي، فالاستقرار الاقتصادي يرتبط بالسياسة الاقتصادية ككل وبمالية الدولة وهيكل الاقتصاد وانتاجية قطاعاته، وهذا يختلف عن الاستقرار النقدي الذي يهدف الى تحقيق التوازن في سعر الصرف ومستويات آمنة لمعدل التضخم وزيادة معدلات النمو الاقتصادي عن طريق ادوات السياسة النقدية وهو بطبيعة الحال يؤدي الى تحقيق الاستقرار الاقتصادي اذا استجابت القطاعات الاقتصادية لمتغيرات الادوات النقدية، اذ اكد قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004 على ان أحد الاهداف الاساسية للبنك المركزي هو تحقيق الاستقرار النقدي، ونتيجة عدم استجابة القطاع الحقيقي لمتغيرات السياسة النقدية فإن ذلك يعكس الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي.

بعد عام 2003 مارس الاقتصاد العراقي ادوات التحول نحو اقتصاد السوق، وهذا له مبادئ وقواعد معينة تلتزم بها البلدان، واستخدمت السياسة النقدية الادوات الاكثر تأثيرا في سعر الصرف، وهي نافذة العملة في تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، وهذا يعتمد على الايرادات النفطية بشكل كبير، اذ تعتمد المالية العامة على ما نسبته (89%) من الايرادات العامة كما في موازنة 2019 واكثر في الموازنات السابقة، ويستحوذ القطاع النفطي على اكثر من (60%) من الناتج المحلي الاجمالي، ويلاحظ من ذلك الاختلالات الهيكلية في المالية العامة اولاً، وفي القطاعات الاقتصادية ثانياً.

هذه الاختلالات ينتج عنها عدم الاستقرار على المستوى الاقتصادي والنقدي، وبالتالي يمكن القول بأن عرض النقود هو متغيراً داخلياً تابع للسياسة المالية (وهذا ما نؤكد عليه دائماً) طالما ان وزارة المالية هي المسؤولة عن بيع الدولار الى البنك المركزي، وبالتالي ستكون هي المتحكم بعرض النقود وذلك عن طريق تخفيض او زيادة الانفاق العام، فضلاً عن ان كل ارتفاع في عجز الموازنة يؤدي الى زيادة عرض النقد لأن المالية العامة تلجأ الى اداة الدين العام (الداخلي والخارجي) لسد احتياجات الموازنة، وهذا ما يؤدي الى حدوث موجات تضخمية تدفع السياسة النقدية لردمها عن طريق نافذة العملة وهي الاداة الاكثر تأثيراً بسبب انخفاض مرونة سعر الفائدة في الجهاز المصرفي نتيجة الانفصال الحاصل بين القطاع النقدي والحقيقي.

مارست السياسة النقدية نوع سعر الصرف المثبت اسمياً لتحقيق الاستقرار النقدي بسبب الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد، وتبين البيانات الاحصائية الصادرة عن دائرة الإحصاء والابحاث في البنك المركزي على أن سعر الصرف للأعوام (2015-2018) بلغ الحد الاعلى له ضمن هذه المدة (1190) دينار لكل دولار، فيما بلغ الحد الادنى (1180) دينار لكل دولار، اما بالنسبة لسعر السوق الموازي فقد بلغ الحد الاعلى له (1281) دينار لكل دولار، فيما بلغ الحد الادنى (1215) دينار لكل دولار.

إحتياطي العملة الاجنبية هو غطاء للعملة المحلية وهذا يضمن استقرارها ويحقق التنمية اذا بقي ضمن الحدود المعيارية، وتشير البيانات على ان مؤشر الاحتياطيات يتجه نحو الامان حسب المعايير الدولية ويغطي اكثر من (6) شهور للاستيرادات في حالة انعدام الايرادات النفطية، وبالتالي فإن الصدمات التي واجهت العراق ومنها ما سمي بالصدمة المزدوجة عام 2014 والمتمثلة بانخفاض اسعار النفط بشكل حاد من جهة والهجمة العسكرية ضد تنظيم داعش الارهابي من جهة أخرى وهذا ما استدعى تدخل البنك المركزي لتحقيق الاستقرار ولسد الاحتياجات التمويلية لمواجهة الصدمة المالية والعسكرية بصورة غير مباشرة عن طريق تسويق سندات المالية العامة.

إن الاحتياطيات ليست اموالاً مجمدة وانما تستخدم في ادارة العملة والاستثمارات النقدية الخارجية اضافة الى انها توفر الامان للعملة الوطنية، فإذا لم يقابل الطلب على الدولار عرضاً مساوياً له فهذا يعني انه أحد مؤشرات انهيار العملة، لذلك نلاحظ أن البنك المركزي يحرص على تغطية الطلب المحلي والطلب لأغراض الاستيراد، كما انه بعد عام 2015 استخدم حزمة من الاجراءات التي تهدف الى تقليص الفجوة بين سعري الرسمي والموازي.

فعندما يبيع البنك المركزي الدولار فإنه يهدف للحفاظ على قيمة العملة، اذ لايمارس بذلك عملية تجارية بقدر ما تكون تفعيل لأدواته لتحقيق الاستقرار، وتنص المعايير الدولية على ان لايزيد الفرق بين السعر البنك الرسمي والسعر الموازي (2%) وقد لاحظنا ذلك الفرق وصل عام 2013 الى اكثر من (8%) وهذا هو المؤشر الخطير الذي هدد قيمة العملة آنذاك، اما الان فنلاحظ ان السياسة النقدية استطاعت ان تحقق التقارب بين سعري الصرف الرسمي والموازي وبفارق مقبول عالمياً وحسب الاتفاقية التي وقعها العراق التي تنص على ان يكون الفرق (2%)، اذ يبلغ سعر الصرف الرسمي لهذا العام (1190) دينار لكل دولار، فيما بلغ سعر السوق الموازية نحو (1200) دينار لكل دولار، وهذا يعني تقليص الفجوة الى اقل من (2%)، وهذا يعني ايضاً تأكيد السلطة النقدية بضرورة تقليص الفجوة نتيجة التزامها بقانون البنك المركزي لتحقيق الاستقرار اولاً، ورفع قيمة العملة المحلية والتي من الممكن ان يستفيد منها المواطن عند شراء السلع والخدمات لأن اغلب السلع هي مستوردة ومقومة بالدولار.

* باحث اقتصادي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
احمد عبد العزيز
العراق
هناك تخبط واضح في مضمون المقال... وضياع مذهل لوحدة الموضوع والهدف... عنوان ‏المقال فعالية السياسة النقدية في العراق يشير الباحث مرة الى ان عرض النقد متغير داخلي ‏تابع للسياسة المالية وبالتالي فهذا يفقد السياسة النقدية الفاعلية والتأثير ...كونها لا تتحكم ‏بالمعروض النقدي وفقا لقياسات اهداف البنك وانما تهيمن القرارات المالية على مسار السياسة ‏النقدية...في حين يشير الباحث مرة ثانية في نهاية المقال الى نجاح السياسة النقدية في تحقيق ‏الاستقرار النقدي عبر نافذة العملة التي يعدها الباحث اداة نقدية وهي ليست كذلك اطلاقا وانما ‏هي اجراء اداري صرف..ويمكن ان يتأكد من ذلك في ابسط كتاب مدرسي.. وبالتالي فلا منجز ‏يشار له بالبنان حين يضخ البنك المركزي 200 مليون دولار يوميا لرفع سعر الصرف ‏لقرابة 1200 دينار للدولار... الأفضل ان يكون للمقالات منهج ووحدة هدف لاجل الحفاظ على ‏اصول المهنة وعدم تشتيت الوعي الاقتصادي للجمهور وزيادة المشهد الاقتصادي غموضا ‏والتباسا اكثر مما هو عليه الان ..‏2019-04-18

مواضيع ذات صلة

0