مع تنامي تهديدات ترامب السياسية وتوافق ذلك مع التصعيد الحمائي التجاري كسياسة اقتصادية امريكية جديدة ضد أكثر الشركاء تعاملاً وتبادلاً مع الولايات المتحدة الاميركية الا وهي الصين وخوف الاخرين من ان ينالهم شيء من سوط الحمائية والعقوبات الاقتصادية كتلك المفروضة على ايران، انتجهت العديد من الدول التي لاتتماثل سياسياً مع الولايات المتحدة الامريكية الى عقد اتفاقيات وتحالفات وتكتلات اقتصادية مناوئه لحملة الحمائية الامريكية. وقبل البدء بيبان أهم هذه التحركات والتحالفات، فأنه من الضروري بيان أهمية هذه التحالفات او التكتلات على المستوى الاقتصادي، ويرى الخبير الاقتصادي ياسر غزاي اذ أن قيام أي تكتل يسعى إلى تحقيق أهداف معينة هي:

1- الحصول على مزايا الإنتاج الكبير: حيث أن اتساع حجم السوق يشجع على توجيه الاستثمارات توجيهاً اقتصادياً سليماً، وإعادة تكوين الحركة الحرة للسلع ورأس المال والعمل من دولة إلى أخرى من خلال إزالة العوائق التي تحول دون ذلك.

2- تيسير الاستفادة من مهارات الفنيين والأيدي العاملة بصورة أفضل على نطاق واسع حيث من المفروض أن التحالف يؤدي إلى تقسيم العمل الفني والوظيفي.

3- تسهيل عملية التنمية الاقتصادية، حيث أن هذه العملية تصبح أسهل وأيسر بعد قيام التحالف ، إذ أن الاستفادة من اتساع السوق ووفرة عنصر العمل تؤدي إلى خلق فرص جديدة تعمل على النهوض بالإنتاج والاستثمار والدخل والتشغيل.

4- كما أن التحالف الاقتصادي يؤدي إلى تنويع الإنتاج بطريقة اقتصادية وهذا قد يحمي اقتصاديات الدول الأعضاء من بعض الانتكاسات والتقلبات والسياسات الأجنبية.

5- رفع مستوى رفاهية المواطنين، حيث يفترض أن التحالف الاقتصادي يمكن المستهلكين من الحصول على السلع الاستهلاكية بأقل الأسعار الممكنة نظراً إلى إزالة الرسوم الجمركية من ناحية وإلى تخفيض تكاليف الإنتاج الناتجة عن توسيع رقعة السوق من ناحية أخرى.

6- التقليل من الاعتماد على الخارج وهذا ما يؤدي إلى محدودية التأثر بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمعات خارج هذه المنطقة، خصوصاً إذا كان العمل التحالفي قد وصل إلى مرحلة متقدمة- اتحاد جمركي على الأقل، حيث يجلب التبادل الاقتصادي داخل المنطقة التحالفية محل الانفتاح على العالم الخارجي نتيجة وجود الحواجز الجمركية وغيرها من السياسات المالية والنقدية التي تحد من حرية الانفتاح على الخارج.

7- مساهمة التحالف الاقتصادي في إمكان تحسين شروط التجارة الخارجية لصالح الدول الأعضاء.

8- تقوية القدرة التفاوضية للدول أعضاء التحالف تجاه العالم الخارجي.

تحالف اقتصادي جديد بين الصين واليابان

لم يكن أحد يتخيل أن علاقات اليابان مع الصين يمكن أن تتحسن بصورة جذرية، لكن انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 غير كل شيء، وفي ظل تصاعد النزاع التجاري مع الولايات المتحدة، تحول الرئيس الصيني نحو نظيره الياباني، الذي يرى منتقدوه، "إنه حقق شعبيته من خلال نشر الخطاب المعادي للصينيين والكوريين بين الناخبين اليابانيين". وتأتي تلك المحادثات بالتزامن مع الذكرى الأربعين لتوقيع اتفاقية السلام والصداقة اليابانية الصينية، لتكون أول اجتماع ثنائي رسمي بين زعيمين من الصين واليابان منذ سبع سنوات.

ويذكر مينورو موريتا المحلل السياسي المقيم في طوكيو الذي زار الصين إن الرئيس الصيني شي مصر للغاية على تحسين وتعميق العلاقات مع اليابان. وفي الوقت نفسه، تواجه اليابان ضغوطا من ترمب لاستيراد مزيد من السيارات والمنتجات الزراعية الأمريكية، في محاولة للحد من العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة. لكن المحللين يعتقدون أن الضغوط الأمريكية يمكن أن تدفع رئيس الوزراء الياباني المتهم من قبل المنتقدين له بالرقص على إيقاعات واشنطن، إلى التقارب مع بكين لكي يوجه رسالة إلى ترمب بأنه لن يرضخ للابتزاز الأمريكي.

ويأمل آبي أيضا أن تمنح هذه الرسالة غير المباشرة، بلاده موقفا قويا في المحادثات التجارية المقرر انطلاقها في كانون الثاني (يناير) المقبل مع الولايات المتحدة، وفي خطاب له أخيرا في طوكيو صرح آبي "إنه يريد الدخول بالعلاقات بين اليابان والصين إلى مرحلة جديدة". في حين أوضح لو تشانج المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، أثناء الإعلان عن زيارة رئيس الوزراء الياباني المنتظرة للصين، أنه عندما تعمق الدولتان "التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما، سيكون ذلك ليس فقط في مصلحة الجانبين إنما أيضا في مصلحة تطور الاقتصاد والتجارة العالميين، تأتي زيارة آبي للصين في ظل تحسن العلاقات الصينية اليابانية رغم استمرار الخلافات الحدودية بين البلدين.

وكانت الحكومة اليابانية قد اشترت في أيلول (سبتمبر) 2012 مجموعة من الجزر غير المأهولة في بحر الصين الشرقي التي تدعي الصين السيادة عليها، وأثارت هذه الخطوة مظاهرات مناوئة لليابان في عشرات المدن الصينية كما تصاعدت الدعوة إلى مقاطعة المنتجات اليابانية في الصين، ورغم المشاحنات والخلافات، استقبلت اليابان خلال السنوات الأخيرة عددا متزايدا من السائحين الصينيين الذين يمثلون مصدرا مهما من مصادر الدخل السياحي في ثالث أكبر اقتصاد في العالم، خصوصا في المناطق التي تعاني ارتفاع نسبة المسنين بين السكان.

واستقبلت اليابان في العام الماضي 7.36 مليون سائح من الصين فقط، لتصبح الأخيرة أكبر مصدر للسياحة إلى اليابان، بحصة قدرها 25.6 في المائة من إجمالي عدد السائحين الأجانب الذين زاروا الأراضي اليابانية، بحسب تقديرات مؤسسة السياحة الوطنية في اليابان.

في الوقت نفسه تبذل الحكومات المحلية للأقاليم الصينية مزيدا من الجهود الرامية إلى جذب الشركات اليابانية إلى أقاليمها، حيث عقدت هذه الحكومات 18 حلقة نقاشية استثمارية في اليابان خلال الفترة من نيسان (أبريل) إلى أيلول (سبتمبر) الماضيين، وهو ما يزيد على إجمالي عدد الحلقات النقاشية المماثلة التي تم تنظيمها خلال العام المالي الماضي ككل، وكان 15 حلقة نقاشية، بحسب هيئة التجارة الخارجية اليابانية.

وأشار مسؤول في الهيئة إلى أنه من المقرر عقد أربع حلقات نقاشية استثمارية صينية في اليابان خلال الشهر الحالي، في المقابل، ذكر تقرير صادر عن لجنة تابعة لمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية التي يترأسها ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية الأمريكي سابقا وجوزيف نيي الأستاذ الفخري في جامعة هارفارد الأمريكية، أنه "في الوقت الذي تتجادل فيه الولايات المتحدة واليابان بشأن الرسوم الجمركية التي تعود إلى القرن العشرين، فإن تهديدات القرن الحادي والعشرين على الأمن والازدهار الإقليميين خاصة من الصين وكوريا الشمالية تتزايد". بحسب الجريدة الاقتصادية.

تركيا وتحالفات اقتصادية مضادة

من جهته يرى الكاتب والخبير الاقتصادي يحيى عياش أنه منذ اللحظة الأولى لتفاقم الأزمة السياسية الأخيرة بين الولايات المتحدة وتركيا، وما ترتب عليه من تدهور كبير للعملة التركية؛ بدأت الأخيرة في التحرك بشكل حثيث لإيجاد تحالفات جديدة وتعزيز القديمة، كأحد الحلول والخيارات التي تمتلكها أنقرة لمواجهة الضغط الأمريكي، وبحسب ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فإن واشنطن بدأت ضد بلاده حربا اقتصادية في ظل تسجيل الليرة تراجعا حادا، مشددا على أن "تركيا لن تخسر الحرب الاقتصادية، وستكون قادرة على التغلب على الوضع، ولن يقطع الدولار طريقنا وسوف نرد بعملتنا الوطنية على الأطراف التي شنت هذه الحرب".

ونظرا لأن الحرب اقتصادية، فقد بدأت تركيا بتعزيز علاقاتها مع أكبر الدول الاقتصادية في العالم، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية الصيني في أن "بلاده تدعم جهود الحكومة التركية لحماية أمنها واستقرار اقتصادها"، لافتا إلى أن "بكين تدعم توقيع شركات صينية وتركية على مشروعات تعاون وفقا لقواعد السوق". وحول التحرك التركي لبناء تحالفات جديدة لمواجهة الولايات المتحدة في ضغوطها، أكد أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة "إسطنبول صباح الدين زعيم" أشرف دوابة أن جميع الأطراف تبحث عن مصالحها، مبينا أن تحرك فرنسا وألمانيا يأتي في هذا الإطار، لتفادي حدوث ركود عالمي، ويرى دوابة " أن تركيا أمامها أن تستفيد من حصتها التي ستخسرها من أمريكا في التجارة العالمية، من الدول الأوروبية وبدائل أخرى، مشددا على أنه "يمكن الاستغناء عن الدول التي تستعدي أنقرة والاقتراب من دول أخرى تحقق بينهما مصالح مشتركة". وفي ما يتعلق بإمكانية نجاح هذه التحالفات، ذكر دوابة أنه "لا يوجد مانع من حدوث ذلك، لأن التكتلات تحدث في ظل ظهور الأزمات، وخاصة أن تركيا لديها بديل للتعامل باليورو في أن غالبية تجارتها مع الاتحاد الأوروبي وأن معظم مستثمريها أوروبيون". وبين أنه "في حال تم تطبيق نظام المدفوعات الثنائية، فإن تركيا ستكسب أسواقا جديدة، مثل التعامل مع الصين بنظام العملة الوطنية، ما يساعد في حل الأزمة"، مؤكدا أن "ذلك سيستغرق وقتا".

ويبقى السؤال هناهو، مامدى نجاح هذه التحالفات الجديدة، وماقدرتها على الصمود، سيما وأن اغلبها تنشأ بين دول لاتتماثل في الرؤيا السياسية وان كانت بينها بعض القواسم المشتركة، كونها كانت تعيش حالة فتور في العلاقات السياسية سابقاً، وان هذا من الممكن ان يلقي بظلاله على التحالف الاقتصادي، فضلاً عن ان طبيعة هذه التحالفات لم تقم وفق رؤيا سابقة لتطوير العلاقات والتبادل التجاري بين هذه الدول، وانما كرد فعل لما نتج عن علاقاتها مع الولايات المتحدة وماآل اليه الوضع حالياً، بمعنى اخر انها ليست تحالفات ستراتيجية على المدى الطويل، وبالتالي قد تنتفي بانتفاء الازمة هذه، كما يجب ان لاننسى ان الولايات المتحدة الاميركية لن تبقى مكتوفة الايدي وهي ترى خصومها الاقتصاديين يتحالفون دون القيام بشيء، سيما وانها مستمرة في نهج الضغط الاقتصادي والسياسي مما يجبر العديد من الدول على امكانية الانسحاب من اي تحالف ترى فيه الولايات المتحدة أنه سيشكل عائق امام تطلعاتها السياسية والاقتصادية.

ان مدى الجدية في هذه التحالفات مرهون بعامل الزمن وبعامل الارادة الحقيقية لهذه الدول وماستشهده الساحة السياسية من تغيرات وازمات وعلى كافة الاصعدة، ويرى البعض انه بالرغم من الانشقاق والتباعد في المسار الاقتصادي بين الولايات المتحدة وبعض الدول الاخرى كالصين، الا ان تلك الدول (الصين واليابان) وهي تعلم جيداً ان مسيرتها ووجودها ولربما الاستمرار في نجاحها يعتمد بشكل ولو بغير مباشر الى ان تبقى متحالفة مع الولايات المتحدة وان ظهر من هذا الشريك الاخير بعض التجاوزات والقضايا التي لاتصب في مصلحة هذه الدول.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0