منذ نشوء علم الاقتصاد وظهوره بكينونته العلمية الواضحة والمتمثلة في النظريات الاقتصادية ومارافقها من تشكيل الانظمة الاقتصادية، خصوصاً من بعد أفكار الاقتصادي (آدم سميث)، فأن منطلق علم الاقتصاد ونظرياته ترتكز على قاعدة مهمة يعرفها الجميع، تتمثل في إن كل من المستهلك والمنتج يتصفان بالرشادة والعقلانية في اتخاذ القرار.وهذا أمر ضروري لا فقط من جانب منفعة المستهلك والمنتج وانما ايضاً لنجاح النظام الاقتصادي والقرارت الاقتصادية او ما يعرف بالسياسة الاقتصادية او الخطة الاقتصادية للبلد.

وهناك علاقة متبادلة ما بين سلوك الفرد الاقتصادي وطبيعة النظام الاقتصادي، فالنظام الاقتصادي يمثل حاجات الافراد ويعمل على تحقيقها وفق أفضل الطرق وضمن الامكانات المتاحة، وعلى ضوء ذلك يتشكل سلوك الفرد الذي يمثل انعكاس للنظام الاقتصادي، الا إن مسألة تشكيل الوعي او السلوك الاقتصادي ليس بالأمر الهين، فهو يحتاج الى وقت وجهد طويل كي ينساق مع أهداف النظام الاقتصادي وبالشكل الذي يضمن تحقيق النجاح للخطط الاقتصادية.

إن مسألة السلوك الاقتصادي للفرد العراقي لم تؤخذ بنظر الاعتبار عند التحول من نظام اقتصادي لأخر بعد عام 2003، فطبيعة الظام الاقتصادي وكما هو معلوم يتسم بالمركزية الشديدة والشمولية، ليس هذا وحسب بل كان هو الموجه لسلوك الفرد والمتحكم به، كما هي طبيعة الانظمة الشمولية الديكتاتورية، اذ ترى في نفسها أن قراراتها دائماً هي الصواب وعلى المجتمع اتباعها والانقياد لها ومن دون شكوك أو أسئلة، وبالتالي لا غرابة أن نجد سلوك الفرد الاستهلاكي وحتى الانتاجي ما هو الا صورة أو انعكاس لما تريده الطبقة الحاكمة، وتخيل أن هكذا نظام وفق هكذا تصورة وسيطرة مستمرة لأكثر من 3 عقود تهيمن على سلوك الفرد الاقتصادي، كيف سيكون شكله وحدوده وامكانياته؟

إن هكذا استبداد وسيطرة على سلوك الفرد اقتصادياً، تجعله يصبح ظاهرة أو ثقافة طبيعية متجذرة داخل تفكير وسلوك الفرد العراقي، وهو في غالبه عاطفي عصبي لايتصف بشيء من العقلانية الا فيما ندر، بل هي مجرد تجسيد لرغبات النظام الحاكم، وهنا الحديث على مستوى الوحدات الاقتصادية الصغيرة وقراراتها، أي في اطار نظريات الاقتصاد الجئي وليس على مستوى القرارات والمتغيرات الاقتصادية على مستوى البلد ككل والمتمثلة بسياسات الاقتصاد الكلي وتطبيقاته.

كل هذا لم نكن نعرف أنه سيشكل مشكلة لنا في التحول نحو نظام اقتصاد السوق الحر، حيث لا وجود للعاطفه في الاختيار او اتخاذ القرارات الاقتصادية أي كان نوعها، وكمثال لذلك، ما شهدناه من موجة ردود سلبية على ما يتعلق بالخصخصة والتي تمثل جوهر قيام اقتصاد السوق، فكيف بلد يُقر دستوره بنظام السوق في حين أفراده يعترضون عليه، فالمفروض وما هو طبيعي أن تكون موجة رد الفعل ايجابية؟ ليس هذا وحسب وانما في غالب ردود الافعال التي يشهدها الفرد العراقي ما هي انعكاسات سلبية ترتكز على اساس العاطفة لا العقل، فكثير ممن امتعض من الخصخصة هو لا يعرف عنها شيء، بقدر ماانجر وانجرف مع التيار الغالب حتى وان كان خطأ أو فكر أنه قد يكون من عارض هم من يريد الدمار أو الخراب لهذا البلد، بل إنساق وبشكل أعمى نحو الرفض والاصرار على ذلك دون حجه أو دراسة أو أعطاء مجال للعقل في اختيار ما هو الأفضل له.

نحن هنا ليس بصدد الدفاع عن الخصخصة أو الاعتراض عليها، بقدر ما نريد أن نبين ما حصل جراء طرحها ومانجم عنها من ردود فعل مجتمعية ايجابية أو سلبية كان في معظمها عاطفي وغير مدروس، ومثال أخر على ذلك هو خيار المقاطعة للسلع والبضائع الاجنبية، فكما يعلم الكثير ان القرارات السياسية او ما يصدر عن السياسة يكون بعيد عن العلاقات الاقتصادية والتجارية، فالصين رغم اختلافها مع سياسة الولايات المتحدة الا انها تعد أكبر مصدر لها، بل والممول للعجز التجاري لها فضلاً عن ما تملكه من سندات وأصول مالية بملايين الدولارات داخل الولايات المتحدة، وشاهدنا كيف كانت ردة الفعل من أجل مقاطعة البضائع والسلع التركية لأنها قامت ببناء سد داخل حدودها؟!! ولو نزلت للشارع لوجدت كم كثير من افراد المجتمع يدعو للمقاطعة التجارية متناسين بذلك إن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 10 مليارات دولار لعام 2017، بحسب بيانات وزارة التخطيط العراقية. ان هذا التبادل التجاري والذي هو في تزايد يتمثل في أن العراق هو ثالث أكبر مستورد للسلع والبضائع التركية من بعد المانيا وبريطانيا.

من هنا نفهم أن الرأي أو السلوك الفردي والذي يشكل فيما بعد سلوك جماعي للعراقيين، في غالبه عاطفي عصبي آني وفي كل مجال سياسي واقتصادي واجتماعي، وفي الغالب غير حقيقي لا يمثل حقيقته بقدر ما هو محاكاة لسلوك الأخرين، فكثير مما دعى للمقاطعة كان يستخدم ويستهلك السلع التركية، وبمعنى أخر، يجب علينا أن نفهم أنه اذا مااُريد لأي نظام سواء كان سياسي أو اقتصادي أن ينجح، فلزاماً على القائمين على هذا الشيء أن يأخذوا بنظر الاعتبار تغيير ذهنية وسلوك الفرد اخل المجتمع، والا سيكون مصير كل تغيير وتحول هو الفشل، والانموذج الخاص بالفرد العراقي في سلوكه وفق نظام اقتصادي حر هو أكبر دليل على ذلك، فالنظام ليس مجرد أدوات جاهزة وسحرية تفعل فعلها وينتهي الأمر، بل هي نسق من التفكير والقوانين والسلوك داخل منظومة الدولة.

وهنا نؤكد على ضرورة احداث تغيير في طبيعة السلوك الفردي الاقتصادي للفرد العراقي، وعبر تحديث الوعي الاقتصادي وتثقيف شخصيته وتأهيلها بالشكل الذي يجعل هذا السلوك خاضع للتصرفات العقلانية لا العاطفية العصبية الجمعية، وهذا لا يتم الا من خلال وفهم وطبيعة نفسية الفرد العراقي وهل يمكن أن تتوافق مع طبيعة اقتصاد السوق الحر، ومالذي يمكن تعديله وتغييره في هذه الطبيعة من أجل احداث التوافق والنجاح المطلوب، وعبر دراسة اجتماعية اقتصادية لا اقتصادية مجردة وحسب. بل تبحث في جوهر الانسان العراقي وبعيدة عن أي ضغوط وقيود اجتماعية ونفسية وأي كان نوعها وشكلها، وضمن ما يعرف بالاقتصاد الاجتماعي الذي يبحث في سلوك الافراد ومدى تأثرهم وتأثيرهم في القرارات الاقتصادية والمشاركة فيها، او ما يعرف باقتصاد السوق الاجتماعي والمطبق في المانيا والنمسا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5