يتمثل الأثر غير المباشر، أو البعيد المدى، لانخفاض الدولار في أسواق النفط العالمية في تغيير أساسيات السوق عن طريق تأثيره في العرض والطلب على النفط. فمن نتائج انخفاض الدولار على المدى الطويل انخفاض الطاقة الإنتاجية، أو عدم نموها بشكل يتناسب مع الزيادة في الأسعار بسبب انخفاض القوة الشرائية للدول المصدرة، والتي لن تمكنها من توفير الأموال اللازمة لزيادة الطاقة الإنتاجية. هذا يعني انخفاض المعروض مقارنة بالطلب، وبالتالي ارتفاع أسعار النفط. الأمر نفسه ينطبق على شركات النفط العالمية اللي تتسلم عوائدها بالدولار، ولكنها تدفع تكاليفها بعملات مختلفة. فشركات النفط في بحر الشمال مثلا تدفع أجور عمالها باليورو في الوقت الذي تتسلم فيه عائداتها بالدولار. هذا يعني ارتفاع التكاليف مقارنة بالعائدات، الأمر الذي يمنعها من زيادة الاستثمار في طاقة إضافية، رغم ارتفاع أسعار النفط. هذا أيضاً يخفض المعروض، ويرفع أسعار النفط.

في الوقت نفسه يؤدي انخفاض الدولار إلى زيادة الطلب على النفط ويقصر أثر ارتفاع أسعار النفط في الولايات المتحدة والدول التي تثبت أسعار عملاتها بالدولار. ينتج عن انخفاض الدولار انخفاض أسعار النفط نسبياً في الدول الأوروبية والآسيوية. إن لم يشجع هذا الانخفاض على زيادة نمو الطلب في النفط فإنه على الأقل سيمنع أسعار النفط المرتفعة من التأثير بشكل ملحوظ على الطلب على النفط في هذه الدول. هذا أحد التفسيرات لا ستمرار الطلب على النفط في النمو في الوقت اللذي استمرت فيه أسعار النفط في الارتفاع. لكن حتى الطلب في الولايات المتحدة لم يتأثر لأسباب عدة أهمها أن انخفاض الدولار منع مئات الألاف من الأمريكيين من قضاء إجازاتهم السنوية في أوروبا، الأمر الذي جعلهم يقضونها في الولايات المتحدة والسفر داخلها. نتج عن ذلك زيادة في الطلب على البنزين، والطاقة بشكل عام. إضافة إلى ذلك فإن أسعار الفائدة المنخفضة وارتفاع الإنفاق الحكومي والإعفاءات الضريبية جعلت النمو الاقتصادي الناتج عنها أكبر بكثير من الأثر السلبي لارتفاع أسعار النفط في النمو الاقتصادي الأمريكي.

تأثير انخفاض سعر صرف الدولار على النفط على المدى القصير

تأثير انخفاض سعر صرف الدولار على البعد القريب يختلف عن أثر خفضه على المدى البعيد اختلافاً جذرياً، ولكن كلا منهما ينتج عنه ارتفاع سعر النفط، فانخفاض قيمة العملة الأمريكية على المدى القصير يؤدي إلى زيادة المضاربات في بورصات البترول الآجلة، ويرفع الطلب على البترول الأمر الذي يرفع أسعاره، ويزيد عجز ميزان المدفوعات الأمريكي، والذي يؤدي بالتالي إلى تخفيض سعر الدولار الأمريكي، وهكذا.

تأثير انخفاض سعر الدولار الأمريكي على المدى الطويل

طالما أن النفط يتم تسعيره بالدولار الأمريكي، وبناءً على الحقائق المذكورة أعلاه، فإن خفض سعر الدولار الأمريكي يسبب خفض الطاقة الإنتاجية وزيادة الطلب على البترول، وانخفاض الإنتاج وزيادة الطلب يؤديان إلى ازدياد أسعار النفط.على سبيل المثال، خفض سعر صرف الدولار يخفض القيمة الشرائية لصادرات النفط، مما يؤدي إلى خفض الاستثمارات في مجالات الاكتشاف والبحث، ومن ثم خفض الطاقة الإنتاجية عما ستكون عليه لو كان سعر الدولار عاليًا.

أي بمعنى هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار وأسعار النفط ولا يمكن فصل هذه العلاقة لأن الحلول المتمثلة في تسعير النفط بغير الدولار أو تخفيض اعتماد الولايات المتحدة على النفط غير ممكنة حالياً، على المدى القصير، يسهم انخفاض الدولار في تشجيع المضاربين على دخول أسواق النفط، والذي يسهم بدوره في زيادة أسعار النفط وزيادة ذبذبتها، على المدى الطويل يسهم انخفاض الدولار في تخفيض نمو الإنتاج بينما يسهم في زيادة النمو في الطلب على النفط، الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع أسعار النفط. هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة أن يكون نافعاً للدول المنتجة لأن العبرة بما يمكن أن تشتريه عوائد النفط، وليس بسعر البرميل.

المشهد الحالي في ظل ارتفاع الدولار

تراجعت أسعار النفط متأثرة بارتفاع الدولار الذي طغى على تقرير يفيد بانخفاض مخزونات الخام في الولايات المتحدة، ونزل خام القياس العالمي برنت في العقود الآجلة 42 سنتا أو 0.6% عن سعر الإغلاق السابق ليصل إلى 65 دولارا للبرميل.

ارتفع الدولار لأعلى مستوياته في أسبوع أمام سلة من العملات الرئيسية ، بعدما أظهر محضر الاجتماع الذي عقده مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) أن صناع السياسات ازدادوا ثقة في ضرورة الاستمرار في رفع أسعار الفائدة، ونظرا لتداول النفط بالدولار، فإن ارتفاع العملة الأمريكية يزيد من تكلفة واردات الوقود على الدول التي تستخدم عملات أخرى بما قد يحد من الطلب.

وطغت قوة الدولار على تقرير معهد البترول الأمريكي والذي كشف عن انخفاض غير متوقع في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة بمقدار 907 آلاف برميل إلى 420.3 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 فبراير شباط، ورغم هذه التراجعات ، صرح محللون إن أسواق النفط تحظى بدعم جيد بصفة عامة نتيجة تزامن نمو الطلب مع تخفيضات الإنتاج التي تقودها منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا.

وقال دانيال هاينس الخبير الاستراتيجي ببنك ايه.ان.زد في تقرير نشر اليوم "تخفيضات إنتاج أوبك أدت إلى استقرار السوق. الالتزام بالاتفاق جيد نسبيا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0