تفيق الحياة الاقتصادية اليوم من دون استثناء لتمتحن تياراً اقتصادياً بدأ يتخطى حواجز المدرسة النيوكلاسيكية منذ العام 1979 والتحول الى مايسمى بعلم الاقتصاد السلوكي الذي يعتمد نظرية التأمل والتصور في اتخاذ القرارات الاقتصادية.

اذ عدت تلك النظرية كمفترق طرق في دمج العوامل السلوكية النفسية في النماذج والموديلات الاقتصادية المتصلة بالقرار الاقتصادي. فالإطار التقليدي لعملية صنع القرار التي تعتمدها التيارات الرئيسة او السائدة كالاقتصاد النيوكلاسيكي على سبيل المثال تنصرف الى تبني خيارات بين مختلف البدائل المتاحة اعتماداً على النتائج المرجوة منها، وعبر الاهداف التي يتطلع اليها صانع القرار نفسه والتي يلخصها علم الاقتصاد الرياضي بصورة دالة منفعة في الغالب.

وتستمد نظرية القرار الاقتصادي على وصف الشروط التي يمكن ان تحقق الخيار (والمقصود هنا الخيار الامثل وتحديد خصائصه). فعندما يكون هنالك خطر اقتصادي (ونعني به الخسارة) فان البديل المتاح لكل خيار سيوفر توزيع احتمالي عن امكانية تحقيق النتائج التي يقوم من خلالها صانع القرار باختيار أفضل التوزيعات الاحتمالية*.

وبغض النظر عن هذا وذاك في التصدي الى مسالة صناعة القرار في التيارات الرئيسة لعلم الاقتصاد، فقد جاءت المبادئ الاساسية لنظرية التأمل وبناء التصورات مرتكنةً الى مباديء خمسة منذ ولادتها في العام 1979. اذ قاد هذا التيار في علم الاقتصاد السلوكي كمدرسة جديدة في العلوم الاقتصادية رواد امثال دانيال كانمان وريتشارد ثيلر اللذان حصلا على جائزتي نوبل في الاقتصاد في العامين 2002 و2017 على التوالي.

وبهذا يقودنا استجماع الافكار لكي نلخص المباديء الخمسة الاساسية لنظرية التأمل والتصور عند متخذي القرار الاقتصادي وعلى وفق الرؤية التي جاء يها دانيال كانمان وغيره وعلى النحو الاتي:

ينصرف المبدأ الاول الى فكرة ان اتخاذ القرار الفعلي في العمل الاقتصادي يستجيب (للتغيرات في الثروة) بدلاً من الثروة نفسها، اي التغير في القيمة الكلية لصافي موجودات الفرد الواحد واصوله. ويأتي هذا المبدأ على عكس التيارات التقليدية السائدة في علم الاقتصاد التي ترى ان اتخاذ القرار يأتي استجابة لقضيتي (الربح والخسارة).

اما المبدأ الثاني الذي تتصدى اليه نظرية التأمل فيتمثل (باختلاف المواقف ازاء المخاطر) اي درجة الاختلاف في تحمل المخاطر ولاسيما مواجهة الخسارة. اذ يتحقق الاختلاف حتى داخل النقطة الزمنية نفسها وتعتمد على قوة التشخيص لدى متخذ القرار فيما اذا كانت الخسارة قائمة حقاً ام لا؟ وهذا يتطلب القدرة على تشخيص السياقات المتعلقة بتجنب الخسارة حيث تختلف اهمية تجنب الخسارة بأهمية تشخيص السياقات.

ويأتي المبدأ الثالث قائماً على ظاهرة مايسمى (بالتحسس المتناقص) ازاء الارباح والخسائر. اذ يحتاج التحسس المتناقص الى مدى دقيق يقوم على تقديرات تأتي طبقاً للسياقات المختلفة للأفراد من متخذي القرار.

ويلحظ في المبدأ الرابع ان متخذي القرارات الاقتصادية وصناعها لايبنون في نظرية التأمل خياراتهم على نظرية الاحتمالات كما تذهب اليه المدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد، ولكن يعتمدون على مايرونه انها فرصة نجاح متأتية، اي توافر عنصر التفاؤل. وهي الحالة التي ينظر اليها على انها (حالة التحول في الاحتمالات).

وهنا تختلف نظرية التأمل عن نظرية الاحتمالات عند صناع القرار ولاسيما في الاحتمالات الضعيفة التحقق او القليلة، والتي عادة ما تكون مغالى جداً في قيمتها او في بعض الاحيان تبخس قيمتها جداً او حتى تهمل. فالاحتمالات الاكثر موضوعية هي بحاجة الى (التحول او التبدل) مما يقتضي الحال حصرها وتأشيرها.

واخيراً، يلحظ ان نظرية التأمل التي يتصدى اليها علم الاقتصاد السلوكي هي مازالت في طور النشوء. لذا فان الاساس الغالب في صناعة القرار يقوم على مبدأ مصاحب للتأمل يسمى (بالتصور). اذ تخضع التصورات لنوعين من الخيارات وهما: الخيار الواسع او عكسه الخيار الضيق، حيث يطلق على الاخير اي الخيار الضيق في التصور بظاهرة قصر النظر في اتخاذ القرار. ولكن تبقى التصورات مهمة في صناعة القرار وتظل الحاجة اليها مستمرة كقوة تقديرية طالما تظهر نظرية التأمل بانها ذات اهمية فائقة في بناء القرارات.

ختاماً، فقد اظهرت المدارس الاقتصادية الرئيسة في علم الاقتصاد، كالمدرسة النيوكلاسيكية والمدرسة الكنزية الحديثة، تحفظاً قوياً في استعمال نظرية التأمل في اتخاذ القرارات الاقتصادية ذلك لسببين رئيسيين اولهما: ان التوقعات هي قابلة للتعديل بسبب تحول الاحتمالات والثاني، ان نقاط الاستدلال او النقاط التأشيرية التي تستدل بها نظرية التأمل مازالت غير مكتملة وتعاني من نقص في التوصيف عند اتخاذ القرار في العالم الحقيقي.

وبهذا فان تطور الفكر الاقتصادي في ظلال الثورة التكنولوجية الرابعة او العصر الرقمي الراهن جاء متاثراً بالنظرية البايولوجية او الاحيائية في النمط السلوكي الاقتصادي للقرن الحادي والعشرين والابتعاد عن قوالب التفكير للنمط الفيزيائي وثوابته الذي قادته الثورتين التكنولوجيتين الثانية والثالثة ابان القرن العشرين.

...........................
(*) فاذا كانت الاحتمالات تعني مقياساً كمياً في تحقق حدث ما بصورة عشوائية معبر عنها بالرقم صفر الذي يعني استحالة تحقق الحدث والرقم واحد الذي يعني تحقق الحدث تماماً. في حين ينصرف التوزيع الاحتمالي للمتغير العشوائي الى التشخيص الذي يستطيع بموجبه ذلك المتغير العشوائي ان يأخذ اي قيمة او مدى من القيم.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0